الورقة الرابعة
ذكرنا أن من أسباب أسلوب السب والشتم هو الغضب والحسد والتكبر والغرور ونضيف اليوم على ما سبق:
4- قد يكون السب والشتم بدافع الجهل والحمق, وما من مصيبة إلا وللجهل نصيب فيها, وقد جاء في الحكم أن الإنسان إذا جهل شيئا عاداه, ويمكن أن يكون الجهل هنا بمعنى عدم المعرفة الكافية وقد يكون بمعنى الجهل المركب وهو ان يحسب الإنسان أنه عالم وهو في الواقع جاهل وإنما ملأ عقله بأخاليط وتخليطات مشوشة يحسبها معارف وهي متالف.
ومن مظاهر هذا الجهل المؤدي الى استعمال الأسلوب الشرير ان فاعله لا ينتبه الى أن الإسلام ينهي عن سب المسلم والكافر, ويجهل أن السب والشتم يكشف عن ضعف الإنسان وليس عن قوته, ويجهل أن السب والشتم ليس هو المقصود بإستعمال الغلظة مع الكافرين في قتالهم. فالغلظة في القتال والحزم في النقاش لا يعني استعمال السب والشتم, كما ان صاحبنا يجهل أن السب والشتم هو اسلوب ينفر الناس ولا يبشرهم فيبعدهم ولا يقربهم ولايكسب الإنسان بالسب والشتم سوى المزيد من الأعداء والضغائن والكراهية, فأين أسلوب السب والشتم من قوله تعالى " يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم اعمالكم ويغفرلكم ذنوبكم." الأحزاب- وأين أسلوب السب والشتم من قوله تعالى "وقل لعبادي يقولوا التي هي احسن إن الشيطان ينزغ بينهم". الإسراء- فأسلوب السب والشتم يدل على الجهل بأحكام الشريعة في هذا الباب وكذلك الجهل باخلاق السلف الصالح, وكذلك الجهل بالمفاسد والمصالح وأيضا الجهل بعوامل الهدم والبناء في الدعوة ولو أردنا إحصاء أوجه الجهل والمخالفات لطال بنا الأمر ولكن فيما ذكرناه ما يكفي لتوضيح المطلوب.
5- قد يكون سبب السب والشتم هو القدوة السيئة: وهذا له وجهان:
الوجه الأول: في بعض الكتب القديمة مناقشات حادة قد يكون فيها شيء من التطاول في النقاش وقد اشتهر الإمام ابن حزم الأندلسي الظاهري بالأسلوب اللاذع والذي قد يتضمن شيئا من التطاول في الحوار, فأحيانا يظن القارئ أن الأسلوب الخشن لا بأس فيه عند الحوار والنقاش.أضف الى ذلك أن الأسلوب الخشن قد تم استعماله ضد الفرق الضالة والتي ينطبق عليها وصف الإسلام لارتدادها عن الإسلام او لإنكار المعلوم بالضرورة وهنا فإن ضلالها أو كفرها هو من نوع الكفر البواح الذي لا اختلاف عليه وهنا يعود الأمر الى خروجهم عن دائرة الإسلام. وهذا غير النقاش مع المذاهب والطوائف التي لاتزال داخل دائرة الإسلام كما وصفنا في أوراق سابقة.
ونحن مع ذلك كله مازلنا نقول بإستعمال الجدال بالتي هي احسن.فمادام فرعون جاءته الدعوة بالقول اللين وهو من أشر خلق الله فغيره أولى بالأسلوب الحسن.
وأيضا نحن نعذر القلة من العلماء الذين استعملوا الأسلوب الخشن في محاوراتهم ونقاشهم ونأخذ مثالا على ذلك وهو الإمام الظاهري ابن حزم الأندلسي فقد قرأت في بعض كتبه رسالة يعتذر فيها نفسه عن اسلوبه العصبي والتهجمي ويعزو ضيق اخلاقه في نقاشه الى داء الصفراء الذي سبب له حالة عصبية جعلته حاد الطباع وأيا كانت الأسباب فالقدوة لنا في النقاش والحوار هو سيد البشر رسولنا محمد عليه الصلاة والسلام وعلى اله وصحبه الكرام.فمن شذ عن هديه فهو يتحمل مسؤولية ذلك امام الله وقد نلتمس له العذر ولكن لا نتخذه قدوة لنا فنترك هدى رسول الله الى ما سواه وكما ان الطباخ يحرص على سلامة طبخه وعدم افساده كذلك الداعي أو المحاور يحرص على سلامة دعوته وحواره من اي شائبة لأنه مرآة للدعوة التي يريد نشرها وليس مشوه لها بأسلوبه الخشن. فمن سمع تلك الدعوة بذلك الأسلوب الخشن لمن يجد فيها مذاقا طيبا شهيا بل تنسد نفسه عن السماع والإقتناع. وقد قال رسولنا الكريم انكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن تسعوهم بحسن اخلاقكم.
وقد يستمد صاحب الأسلوب الشرير هذا المسلك من شيوخه الذين يتعلم على يديهم فقد يكون المعلم أو الشيخ نفسه يستعمل ذلك الأسلوب الخشن مثل يا حمار يا كلب يا كذا فيتلقى الطالب ذلك ويعتبره أمرا مباحا وما هو من المباح في شيء.
فالقدوة السيئة في بعض الكتب وفي بعض المعلمين أو المشائخ تؤثر سلبا على المتلقي في التعليم ولهذا كان السلف يحرصون على تلقي العلم ممن تمتع بحسن الأدب والأخلاق بالإضافة الى تمكنه في العلم فإن هذا الأمر دين وعلينا ان ننر ممن نأخذ ديننا.