قراءة متأنية لفوز أبومازن والاحتفاء العالمي عموما به والامريكي والاسرائيلي قد تؤدي لاستنتاجات مخالفة تماما لما تحاول وسائل اعلامية وأوساط سياسية الايحاء به، من أن السلام والرخاء صار قاب قوسين أو أدنى. أبومازن المسلح بتفويض شعبي والمنتشي بانتصاره لدرجة أنه قام بتوزيع صورة عائلية له مع زوجه وابنائه وأحفاده على وسائل الاعلام كما تفعل العائلات الملكية في الغرب سيصطدم وقريبا جدا بحقائق القوة على الارض والتي ستحول منصبه الى مجموعة من التحديات القاسية والتي تنوء بحملها الجبال. فإسرائيل وامريكا لا تريدان السلام لا بالمفهوم الدولي ضمن قرارات الامم المتحدة التي تم تجاوزها ولا حتى بالاتفاقيات والتفاهمات برعاية أمريكية كاتفاق أسلوا وخارطة الطرق والتي سرعان ما يتم تجميدها وتحجيمها والقفز عليها. ما كانت مواقف عرفات التفاوضية المرفوضة امريكيا وإسرائيليا حالمة أو خيالية بل كانت تمثل الحد الادنى من الحد الادنى من مقتضيات الحالة الفلسطينية آخذة بالاعتبار الخلل الكبير في موازيين القوى خصوصا في مرحلة ما بعد حرب الخليج الثانية.
مأزق ابومازن ان عوامل قوته قد تتحول الى مكامن ضعفه ، فالرجل مقبول امريكيا بدرجة كبيرة ومرحب به إسرائيليا وبحرارة وها هو الشعب الفلسطيني يعطي الرجل دعما وتفويضا فهل ستجتيب الدولة العبرية لمقتضيات "السلام" بأي مفهوم كان وتقدم شيئا من التنازلات الملموسة لابي مازن تجعله قادرا على إقناع الشارع الفلسطيني بجدوى العملية السلمية أم أنها ستعاود ما فعلته مع عرفات بالطلب من ابومازن تفكيك البنية التحتية "للارهاب" الفلسطيني وبالتالي إثقال كاهل الرجل والذي يفتقد الى كاريزمية أبوعمار بالطلبات والاملاءات والتي لن يستطيع على الاغلب الشروع بها بالطريقة الاسرائيلية وإلا وجه له الشارع الفلسطيني سهام الاتهامات وقلب له ظهر المجن.
إسرائيل تراهن على صدام فلسطيني- فلسطيني بالضغط على ابومازن والتلويح له بالمزايا والوعود إن نزع السلاح الفلسطيني وربما تساعده أمريكا بشئ من المساعدات الاقتصادية التي تظهر للشارع الفلسطيني ثمار السلام الموعود بالاضافة الى إطلاق إسرائيل سراح بعض السجناء الفلسطينيين والذين قاربت محكومياتهم على الانتهاء في زفات وبهرجات إعلامية. الموقف برمته يعتمد على الطريقة التي ستتصرف بها الفصائل الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، ولعل تهنئة حماس والجهاد الاسلامي لابي مازن بفوزه تعتبر إشارة ذكية تتوخى عدم الوقوع في منزلقات الصدام الداخلي المهلك للجميع. ربما يكون من الحكمة ألتزام فصائل المقاومة الفلسطينة ألان جانب الهدوء والتهدئة في الفترة الراهنة ولتعطي ابومازن فرصة لن تطول كثيرا ذلك أن استراتيجة الدولة العبرية وطريقة تفكيرها قائمة على الحرب والتوسع، وسرعان ما ستسقط نظرية التفاوض والتي لم يجن منها الشعب الفلسطيني سوى مزيد من الالم وكثير من المعاناة. فإذا لم تستطيع "إسرائيل" التفاوض مع ابومازن المتطرف في اعتداله فلن تستطيع أن تفاوض غيره وستتحول مشاعر التفاؤل عند بعض قطاعات الشعب الفلسطيني الى موجات من اليأس والاحباط.
لم يجد ابومازن من يهديه إنتصاره الانتخابي الا ابوعمار رغم ما كان بين الرجلين من صراع سياسي مرير فقال "ان كنا سنهدي هذا النصر فهو أولا لروح القائد الأخ الشهيد ياسر عرفات". وهنا يبدأ ابومازن مشواره الشائك الملئ بالتحديات بتناقض واضح، فهل يعتبر ابومازن ابوعمار شهيدا وإن كان يفعل فلمن يشير باصابع الاتهام في مسألة إستشهاده. إما إذا كان وصف الشهيد نوع من الخطاب السياسي الدعائي فإننا نخشى أن تكون مسيرة أبومازن على نفس الشاكلة حماسة في اللفظ وركود في الواقع وإن كان الرئيس المنتخب مقتنع بكون ابوعمار شهيدا فمن ياتراه قاتله وما تراك فخامة الرئيس فاعلا معه؟
انتصار ابو مازن قد يؤدي الى واحدة من إثنتين : حربا داخلية لا تبقي ولا تذر أو سقوط الخيار التفاوضي وانهياره والى أمد بعيد وربما الى الابد .
ألامل الكبير بوعي القيادات الفلسطينية وحسها الوطني سواء من جانب السلطة أوالمعارضة في تجنب الانزلاق الى حرب أهلية تأكل ألاخضر واليابس، والامر كذلك فلن يطول الامر وسيسقط خيار التفاوض.
ياسر سعد - كندا