لأن الكثيرين ملأوا الدنيا كلاما وصراخا على أن حماس تتمسك بحكومة وهمية تحت ظل الاحتلال ، وتريق الدماء بدعوى حفظ الأمن والحفاظ على القضية ، ولكنها في الأصل تريد سلطة ..
لأجل ذلك كله ، أعدتُ على نفسي هذا السؤال مرة بعد أخرى ..
إن ما يحدث في الضفة منذ قيام حماس بالحسم العسكري في غزة كشف مجموعة من الحقائق ، أكّدت أن تحرك حماس في غزة وقيامها باستئصال التيار الخائن كان ضروريا , وربما جاء متأخرا عن موعده أيضا!!
فالقائد الثوري الباسل لحركة فتح السيد محمود عباس أمر بتفكيك جميع الأجنحة المسلحة في الضفة الغربية وغزة .. وعلى أثر ذلك أعلن قادة كتائب الأقصى التابعون لعباس في الضفة عن موافقة الكتائب على هذا القرار .. وأن كتائب الأقصى ملزمة بتنفيذ قرار الرئيس عباس وأنها ستندمج مع الشرطة وستعمل على تجريد مسلحي حماس من سلاحهم وعتادهم ، لأن الوقت أصبح مهيئا للحصول على الحق الفلسطيني عن طريق المفاوضات لا عن طريق العنف والقتل .. !!
وهذا يعني وَأْدَ مشروع المقاومة ضد الاحتلال ، والاكتفاء بالمفاوضات التي لم تنجز شيئا منذ أن اخترعها أهلها إلى يومنا هذا.
لن أتكلم عن سعي عباس ومجموعته الخائنة خلف ما سيحصلون عليه مقابل هذه المفاوضات العادلة – زعموا - .. لكن ما يهمني الآن هو رصد الواقع لو لم تقم حماس بتطهير قطاع غزة من الانقلابيين والخونة.
محمود عباس يزعم أن الشعب الفلسطيني انتخبه على أساس برنامجه الذي يعترف بدولة الكيان الصهيوني ، وأنه مقتنع بأن الحل النهائي العادل هو إقامة دولتين إلى الأبد .. مع أن السيد عباس يبدو أنه لا يذكر الطريقة التي تولى بها رئاسة السلطة ، وأنها لم تكن انتخابات فلسطينية كاملة الأطراف أو المعطيات بأي حال من الأحوال.
هذا معناه أن الرجل عازم على القيام بما وقعه الراحل أبو عمار في أوسلو ، وأنه مستعد لبذل الغالي والرخيص في سبيل تحقيق بنود هذا الاتفاق ، حتى لو كان الثمن قَتْلَ كل من يحمل صاروخا ضد الاحتلال .. !!
وما يحدث في الضفة الآن يثبت أن مخططا قديما كانت تتوالى خطواته تباعا في تحجيم المقاومة المسلحة للعدو وتفكيكها ..
مما يعني أن حماس وغيرها من حركات المقاومة المسلحة ستكون منظمات إجرامية إرهابية – في نظر العالم كله - ، لأنها تحمل سلاحا مخالفا للقرارات الفلسطينية الداخلية .. والغطاء العربي والدولي لتجريم حماس – تحديدا - وغيرها سيلعب دوره في رسم صورة حماس على أنها تحاول فرض واقع إرهابي على غرار طالبان..
إن ما حدث في غزة هو إيقاف لهذا المشروع الخائن وتوابعه .. فتجريم حمل السلاح المقاوم هو الجريمة النكراء بعينها .. والسعيُ خلف الصهاينة للحصول على الحقوق بالمفاوضات وهم كبير ، لا أشك لحظة أن من يسعون لتطبيقه يعرفون ذلك ، لكنهم لا يريدون انقطاع ما يجدونه من رواتب وأرصدة في بنوك إسرائيل وأوروبا.
ومعنى أن تترك حماس السلطة لعباس ومجموعته هو أنها تحفر بيدها قبر المقاومة ، وتدق أكبر مسمار في نعشها º لأنها بمجرد تسليمها السلطة لعباس ستكون مطالبة بإلقاء السلاح وتسليمه للسلطات ، وأن تعتبر عهد المقاومة المسلحة عهدا بعيدا لن يعود مرة أخرى إلا بعد عدة أجيال تنهكهم المفاوضات التي لن تجدي ..
ومن يدقق النظر يلاحظ أن تجريم السلاح المقاوöم هو موضة العصر وحجة الأنظمة الفاشلة والمستسلمة لبني صهيون ومن ورائها أمريكا .. فنفس الأمر يراد لحزب الله في لبنان ، التي لا زلت بعض أراضيها تحت الاحتلال الصهيوني والطائرات الإسرائيلية تحوم في سمائها..
إن تمسك حماس بالوجود في السلطة في هذا التوقيت بالذات مصلحةñ للقضية وحفظ لها ، وحماية لحق الجهاد المسلح ضد العدو الغاصب ، وليس لهاثا وراء مناصب أو كراسٍ ..
ولو كان ثمن التمسك بالحقوق هو الحصار والتجويع , فما أهونه من ثمن .. فالظالمون أقلُّ صبرا مما يظن الكثيرون ، وقد بدأت بوادر اعتراف العالم أجمع بأهمية دور حماس تظهر ، بعد أن كان الجميع يتوقع انهيارها بعد أسبوعين على الأكثر من الحصار .. !!
ولا أذكر في يوم ما أن إسرائيل كانت لطيفة مع الشعب الفلسطيني قبل وجود حماس في السلطة ، ولم تكن الأم الرَّؤُوم كذلك في فترة تولّي الأوسلويين زمام السلطة ، حتى يريد البعض إرجاع القضية لنقطة أوسلو وما بعدها .. !!
يا حماس .. تمسكي بحقك ولا تتركيه حتى لا ينكسر سلاح المقاومة .. فتبّاً لوحدة ذليلة تجعل المطالبة بالحقوق حراما ..
----------
بقلم الشيخ / محمود الحساني
m_al_hassany@hotmail.com