أظهرت النتائج الاولية للانتخابات البلدية في قطاع غزة أن حركة المقاومة الإسلامية حماس حققت تقدما كبيرا. وتشير النتائج الاولية إلى أن حماس فازت بثلثي المقاعد المطروحة للتصويت، بما يمكنها من التحكم في سبعة مجالس من إجمالي عشرة نافستها عليها حركة فتح. وتقول الأنباء إن حماس فازت بنحو 77 مقعدا من اصل 118 طرحت للتصويت في المجالس العشر، مقابل فوز فتح التي يتزعمها الرئيس الفلسطيني محمود عباس بِ26 مقعدا. مراسل بي بي سي البريطانية في غزة إعتبر إن النتائج تعد انعكاسا لرغبة قوية في التغيير، وتعبيرا عن الاحباط من الفساد في الهيئات الحكومية الفلسطينية التي تسيطر عليها فتح. نتائج الانتخابات البلدية في الضفة والتي أجريت في نهاية الشهر الماضي وانتخابات غزة تعد مؤشرا واضحا على التراجع في شعبية فتح وعلى التقدم الكبير والذي تحققه حماس رغم الضربات الاسرائيلية الموجعة للحركة والتي غيبت الكثير من رموزها وقياداتها التاريخية. الجدير بالذكر أنها المرة الاولى التي يشارك ويتنافس فيها مرشحو حماس في الانتخابات البلدية.من جهته إعتبر مشير المصري المتحدث باسم حماس لوكالة الأنباء الفرنسية إن النتائج تعد نصرا للديموقراطية وأظهرت "رفض الشعب الفلسطيني للفساد".
نتائج الانتخابات البلدية في غزة تساعد في قراءة المشهد الفلسطيني وتضع الكثير من علامات الاستفهام على الذين حاولوا تفسير فوز ابومازن "الكاسح" في الانتخابات الرئاسية والتي أجريت في التاسع من يناير بأنه تفويض مطلق للرئيس الفلسطيني بتقديم المزيد من التنازلات "التاريخية" للدولة العبرية من أجل التقدم في "المسيرة السلمية". وإذا كان ابومازن -مرشح السلطة وحركة الفتح المهيمنة عليها - قد فاز في انتخابات شارك فيها 27% من الذين يحق لهم التصويت من الداخل الفلسطيني دون وجود منافس حقيقي له مع مقاطعة حماس للانتخابات الرئاسية ومنع الحرس القديم لمروان البرغوثي من الترشح فإن نتائج إنتخابات غزة ترسل رسالة واضحة المعالم للرئيس الفلسطيني وللقوى الفاعلة والعابثة في المشهد الفلسطيني. الشارع الفلسطيني يثق برجالات حماس وحتى بطروحاتها فيما يتعلق بالصراع المستمر خصوصا وأن سياسي الحركة أظهروا في غير مناسبة ومن خلال تفاوضهم مع ابومازن قدرة على قراءة الواقع السياسي وعلى التعامل مع المتغيرات بحنكة وحكمة تحفظ المجتمع الفلسطيني من الوقوع في مستنقع الصراعات الداخلية المدمرة.
يُحسب للسلطة الفلسطينية إجراؤها للانتخابات البلدية دون عبث او تدخل مما يدفعنا الى التفاؤل باستمرار الحوار الداخلي والتعاون بين السلطة الفلسطينية والتيارات والفصائل المختلفة في الساحة الفلسطينية مما يعزز وحدة الصف الداخلي او على الاقل يبعد شبح الحرب الاهلية في مثل هذه الظروف الصعبة للغاية والتي تمر بها المنطقة العربية مع إختلال موازين القوى الكبير وتحول امريكا الى قوة إحتلال مشاركة الدولة العبرية في ذلك وفي تجاوزاتها المباشرة بعد أن شاطرتها رؤاها وساندتها بالدعم والتأييد دون إنقطاع.
ولعل الانتخابات البلدية الفلسطينية هي الاختبار الاول لولاية بوش الثانية والذي أعتبر الحرية والديمقراطية ونشرهما رسالته الاولى، فهل يهنئ بوش الطرف الفائز في الانتخابات الفلسطينية ولو كانت على المستوى البلدي لتشجيع حلفاء الولايات المتحدة الامريكية على إجراء الانتخابات التعديدة خصوصا تلك التي يفوز رؤساؤها بالتسعات المشهورة او التي يتحدث رئيسها عن نيته البقاء في ولاية جديدة لأن الشعب يريد ذلك دون ان نعرف كيف توصل الى هذا الاستنتاج خصوصا وان المواطن في بلاده عموما يعاني الامرين معيشة وفقرا فيما الوطن الكبير مهمشا وغائبا في المشهد السياسي الاقليمي الدولي الا في مجال مد اليد طلبا للمساعدات والمعونات.
رسالة الانتخابات الفلسطينية وإشاراتها واضحة وهي باتجاهين داخلي وخارجي، الرسالة المحلية تقول بأن الشعب الفلسطيني رغم تعرضه لحملات من القمع والتنكيل والحصار والتدمير فإنه لم يتعب ولن يتنازل عن حقوقه كما يريد ان يقنعنا بذلك دعاة الواقعية بل إنه يعمد لإختيار الطرف الاكثر وضوحا وأعلى صوتا في التمسك بالحقوق وعدم القفز عن الثوابت، أما الرسالة العربية فهي تظهر بأن الشعوب العربية سئمت اوضاعها الصعبة وهي تريد التغيير السلمي، التغيير لانظمة في الحكم والادارة أفرزت فقرا وقهرا وتعاملت مع المواطن بالقمع والكبت ولما ان جاء التهديد الخارجي اضافت لانجازاتها التاريخية السالفة الذكر الانحناء للعواصف الخارجية إنحناء يكسر الظهر وأنصاعت للاوامر الخارجية انصياعا يقهر القلب.
قد يقول قائل إن الانتخابات هي بلدية فلا تحملوا المشهد أكثر مما يحتمل، نعم الانتخابات محلية وبلدية ولكنها تعبير عن الثقة والالتفاف حول توجه معين وتيار محدد، فإذا كانت ثقة المواطن لمن يقوم ويشرف على الخدمات الحياتية اليومية كبيرة فمن باب اولى ان تكون الثقة في ذلك التوجه كبيرة ولو في ابعاد مختلفة، الم تكن خطوات جاك شيراك الاولى للرئاسة الفرنسية في فوزه في الانتخابات البلدية للعاصمة الفرنسية مع الفارق الكبير في المشهد والوقائع.
ياسر سعد - كندا