\" أنت هندى \" كانت تعنى فى يوم من الأيام بين المصريين أن المخَاطَب ساذج أوسطحى ، أو أنه قليل الفهم ، و يمكن أن يُخدع بسهولة، وهذه الأفكار العقيمة التى سيطرت على عقلية الكثير من خلال وسائل الإعلام الرسمية المضللة ، فضلا عن الأفلام المصرية السطحية ، و هذا المفهوم يعنى أن منا من ينظر الى الشعب الهندى على أنه شعب متخلف ، يعيش بطريقة عبثية ، ليس له تاريخ يفخربه ، وليست لديه القدرة على التفاعل مع شعوب العالم الأخرى ثقافيا أو علميا أو اقتصاديا أوحضاريا ، وكذلك فهذا الشعب من خلال هذه النظرة السطحية ليست لديه أية طموحات أو آمال يعمل من أجل تحقيقها ، وتسيطر على الكثير منا – نحن المصريين - فكرة أننا أفضل من كل الشعوب ومن الشعب الهندى بصفة خاصة .
استطاعت الهند ( التى يسخر أكثرنا من شعبها )أن تثير دهشة العالم حين أطلقت في 22 أكتوبر/ تشرين الأول من عامنا 2008، مركبة فضائية إلى القمر ستقضي عامين في استكشاف طبقات سطح الكوكب والبحث عن معادن ومياه ومواد كيميائية، وقد تحققت نهضة تعليمية هائلة ضمنت تكافؤ الفرص بين الأغنياء والفقراء في إتاحة التعليم وإعداد الشباب للمشاركة في اقتصاد المعرفة، وارتبط بذلك الاستثمار في مجال تكنولوجيا المعلومات واحتلت شركات البرمجيات الهندية مكانة رائدة في مجالها، و قد ترتب علي ذلك – كما جاء فى التقارير الإقتصادية المُعَدة من جهات عالمية متخصصة - أن أصبح قطاع الخدمات هو القطاع الأكثر إسهاما في حجم الناتج القومي حيث يمثلþ52.9%þ يليه قطاع الصناعةþ29.4%þ والزراعةþ17%.þ ولم يكن من شأن التركيز علي قطاع الخدمات إهمال القطاعات الاقتصادية الأخري فقطاع الزراعة ينمو بمعدلþ11%þ والصناعة بمعدلþ9%.þ وأدي ذلك إلي نمو الاقتصاد الهندي بشكل منتظم بنسبةþ7%þ علي مدي عشر سنوات زادت في عاميþ2006þ وþ2007þ إليþ8.5%þ وتقليل نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر إليþ25%þ ووصول متوسط عمر الإنسان إليþ69.2þ سنةþ.
واذا أردنا أن نقارن بين أحوالنا وأحوال هذه البلاد أوهمنا الكثير من ولاة أمورنا بأن هذه المقارنة ظالمة ، وهذا هو الخداع بعينه لتمييع القضايا، وحتى نرضى بالأمر الواقع الذى يكسوه اليأس والقنوط ، ولذلك فلو قالوا لنا أننا تخلفنا لأننا خُضنا عدة حروب ضد اسرائيل ، فالرد عليهم أن الهند دخلت في عدة حروب مع باكستان والصين ، فضلا عن الصراع الدائر ضد المسلمين فى كشمير، ومع ذلك لم تكن هذه الحروب معوقا للتقدم فى كافة المجالات ، واذا خدعونا بادعائهم أننا نواجه مشكلة زيادة السكان المستمرة ، فالهند سكانها أكثر من المليار نسمة ،ولكنها أيقنت أن مفتاح فهم التقدم الهندي هو التركيز علي الاستثمار في البشر، و أن إنتاج المعرفة وإدراك أهم مصدر لثراء الأمم هو حجم الذكاء والقدرات والمهارات التي يمتلكها الشعب وليس أي شيء آخرþ،þ لذلك ركزت الهند علي التعليم وتحديدا تعليم الرياضيات والعلوم، ونظمت الحكومة مسابقات دورية في المهارات الحسابيةþ،þ وقدمت منحا دراسية للمتفوقينþ.þ
مليارنسمة ( وهو عدد سكان الهند أو يزيد ) ممزقة ين مئات القوميات والأديان والمذاهب والطوائف، شعب يتكلم بأربع عشرة لغة رئيسة، فضلا عن أربع وعشرين لهجة، اسقلت هذه الدولة عام 1949، ومع ذلك استطاعت الهند أن تطور نفسها وأن تنطلق باقتصادها لتصبح أحد أبرز القوي الصاعدة في القرن الحادي والعشرين، بالإدارة الحازمة استطاعت هذه الدولة أن تبنى اقتصادا قويا ، وأن تتقدم فى مجال الصناعات الثقيلة والصواريخ العابرة للقارات ، وأن تغزو الفضاء بأقمارها الإصطناعية ، وكذلك نجاحها منقطع النظير فى صناعة البرمجيات والإلكترونيات وأجهزة الكمبيوتر ، وتصدير كل هذا الإنتاج الضخم الى معظم دول العالم،وتفوقت فى مجال السياحة العلاجية ،وبذلت جهودا هائلة فى مكافحة المخدرات وعلاج المدمنين وتخفيض انتاج المخدرات ، والأهم من هذا وذاك أنها استطاعت فى مدة زمنية قصيرة أن تحقق الإكتفاء الذاتى فى الغذاء وخاصة القمح، نجح الهنود فى تحقيق كل هذه الإنجازات الهائلة - بالطبع فى المجالات المادية – لأنهم يعملون أكثر مما يتكلمون ، ولايحبون المظاهر الكاذبة، ولا يحلمون الا بما يمكنهم تحقيقه ، المساواة بين الجميع أساس حياتهم ،والهند من أكثر الدول تطبيقا للديمقراطية ، ولكن دون ضجيج اعلامى ، كل ذلك مع رغبة صادقة فى النجاح.
وبعد كل هذا السرد ، مازلنا – نحن المصريين – ينادى بعضنا البعض : هندى ... يا هندى .
كتبها : محمد شوكت الملط
Msh_malt2011yahoo.com