عجيب أمر القائمين على الدبلوماسية المصرية، فقد وصلت العلاقات المصرية الإيرانية إلى أعلى مستوياتها فى عهد الشاه ، والذى كان يمثل الحليف الإستراتيجى الأكبر لإسرائيل وأمريكا آنذاك ، وبمجرد قيام الثورة الإيرانية توترت هذه العلاقات ، ووصلت ليس إلى أدنى مستوياتها ، بل إلى مرحلة العداء التى مازالت مستمرة إلى الآن ، وإن كانت قد مرت فى بعض الفترات بمراحل تهدأة ، تنحصر بين مغازلة إيرانية وتنمع مصرى.
وقد برر النظام المصرى وجود هذا العداء لأسباب غالبيتها ساذجة ، طالما سوقها النظام المصرى - ومازل يسوقها - من خلال تصريحات مسئوليه ، وعبر وسائل إعلامه الرسمية، وأبرز هذه الأسباب الخوف من قيام إيران بتصدير ثورتها الإسلامية إلى المنطقة العربية وبالأخص مصر ، بالرغم من عدم ظهور مصدّöرين لهذه الثورة ولا مستوردين بين الشعوب العربية ،والتى لم يظهر عليها أى تأثير مباشر أو غير مباشر ، اللهم إلا التعاطف المتنامى مع إيران فى نزاعاتها الدائمة مع إسرائيل وأوربا وأمريكا ،وكذلك الخوف من تنامى المد الشيعى فى مصر ، بالرغم من أن الشعب المصرى منذ الفتح الإسلامى لمصر ومرورا بالعصر الفاطمى ، وفى ظل الأنظمة الحاكمة المتعاقبة عليه لم يتأثر من قريب أو من بعيد بالمذهب الشيعى ، نظرا لطبيعة هذا الشعب المتفردة بين شعوب المنطقة .
لم يفتأ النظام المصرى عن إصدار التصريحات والبيانات التى تُظهر أنه ضد إيران على طول الخط ، فى أى مكان وفى أى زمان ، متهما إياها بأنها تسعى جاهدة للهيمنة على دول الخليج العربى - والذى تسميه الخليج الفارسى – وأنها لاتدخر جهدا فى التدخل فى الشئون الداخلية لهذ الدول ،ويخشى النظام المصرى كذلك من إمتلاك إيران السلاح النووى لإحتمال توجيهه ضد الدول العربية ، فى الوقت الذى يغض الطرف عن إمتلاك الكيان الصهيونى لأكثر من مئتى قنبلة نووية لإستخدامها ضد الدول العربية ومنها الموجهة صوب مصر بمدنها المختلفة ، الأمر الذى لاتنكره إسرائيل بل تعمل على نشره لزرع روح اليأس والقنوط لدى الشعوب العربية ، فتستسلم وترضى بالأوضاع الراهنة ولاتفكر فى تغييرها ، وكذلك ليَسبح الحكام العرب فى فَلكها دون إنحراف ، وإلا فقدوا عروشهم ، وهذه الأسباب وغيرها من الأسباب الأخرى التى دأب الإعلام المصرى على ترديدها من حين لآخر ما هى إلا أسباب واهية .
والحقيقة التى لايستطيع أحدñ إنكارها هى أن إيران ضمن الدول التى تمثل محور الشر فى نظر أمريكا وإسرائيل ، وأيضا فى نظر النظام المصرى الحاكم ، وعلى ذلك فإن النظامين المصرى والإيرانى لن يلتقيا – ولو على الأمور التى لايختلف عليها أحد – حتى إشعار آخر، ولذلك فإن النظام المصرى لم يدخر جهدا فى العمل – ودون ملل – على تهميش الدور الإيرانى فى المنطقة بالرغم من أنها من دول الجيران ، ومن الدول المؤثرة فى تلك المنطقة ، ومازال يحرض دول الخليج على التباعد عن إيران وعدم السماح لها بأن تلعب دورا محوريا فى النزاعات التى تقع فى منطقة الشرق الأوسط ، فضلا عن اللعب على وتر الخلاف المذهبى بين السنة والشيعة ليكون الخلاف دائما هو سيد الموقف ، وبالرغم من فشل تلك المحاولات لأن إيران مرتبطة بدول الخليج إرتباطا دينيا وجغرافيا وإسترتيجيا وإقتصاديا ، ومع ذلك فلم ييأس النظام المصرى من الإستمرار فى إتباع هذه السياسة الفاشلة .
إن الموقف المصرى لم يتغير تجاه إيران منذ أن شن الرئيس الراحل صدام حسين الحرب على إيران ، فكان النظام المصرى معاديا لها ، مع أن العراق هو الذى بدأ الحرب بتوجيهٍ من أمريكا ، وإستمر هذا الحال حتى حرب إسرائيل تموز 2006 على لبنان ، والتى إنتهت بإنتصار حزب الله على إسرائيل ، فكان موقف النظام المصرى ضد إيران التى إعتبرها المحرض الأول لحزب الله – والذى يُعتبر فى نظره إمتدادا لإيران الشيعية – والتى تساعده وتدعمه بالسلاح ، وكأن موقفها هذا موقفا إجراميا ضد مصر والعرب ، وليس موقفا بطوليا ضد الكيان الصهيونى ، وجاءت المجزرة الإسرئيلية على غزة لتكشف المستور ، فقد إعتبر النظام المصرى إيران التى تساعد وتدعم حركة حماس وهى التى تعمل على شق الصف العربى وتثير الفتنة بين الفلسطينيين ،و كأن العرب والفلسطينيين متحدون بعيدا عن إيران ، وهذه هى المأساة المبكية المضحكة .
بإستمرار العداء المصرى الإيرانى لن ينصلح حال العالم العربى أو الإسلامى ، أما إتحادهما فسوف يكون له أثره الهائل لجمع شمل الأمة الإسلامية فى أقصر وقت وبأقل جهد ، هذا إذا صلُحت النوايا وتتطهرت النفوس ، وعاد الحكام إلى رشدهم وإبتعدوا عن شياطين الجن – وما أكثرهم ، وما أخطرهم – وشياطين الجن كذلك .
كتبها : محمد شوكت الملط
Msh_malt2011@yahoo.com