زيارة وزير الدفاع الامريكي المفاجئة الى بغداد حملت اكثر من إشارة ومن مغزى. دونالد رامسفيلد لم يكلف نفسه إبلاغ الحكومة العراقية "المنتخبة" مسبقا بزيارته رغم ان الامر يبدو مناقضا للسيادة العراقية المزعومة والتي جرى نقلها "إعلاميا" قبل ما يقرب العام. ولعل في تجاوز رامسفيلد للقيادة العراقية الجديدة بالاضافة الى الاستهتار الواضح بها وعدم إعتبارها, علامة على عدم الثقة بها وبأنها مخترقة إن كان من فصائل المقاومة العراقية او من استخبارات الدول المختلفة لذلك ومن باب الحفاظ على سلامة الوزير تم إخفاء موعد الزيارة وهو ما يشير في الوقت نفسه إلى حقيقة الوضع الامني المتدهورة رغم التراجع "الاعلامي" في فعاليات المقاومة.
أحد الاسباب المعلنة لزيارة الوزير المتعجرف هو لتوجيه توبيخ للقادة العراقيين الجدد بسبب انتشار الفساد والمحسوبية في الحكومة، ومحذرا من ان ذلك قد يقوض الثقة في الحكومة الجديدة. والعجيب ان هذا التوبيخ كان من الممكن ان يتم بالهاتف او بالبريد الالكتروني مثلا او حتى عن طريق المسؤولين الامريكيين في العراق والذين يديرون البلاد بشكل فعلي. ربما ان إعلان هذا السبب كان لإخفاء الاسباب الحقيقية للزيارة كما إنها محاولة من الادارة الامريكية للنأي بنفسها عن الفساد الذي وصفته صحيفة وول جورنال ستريت بأنه الاسوأ في العالم. ثم لماذا لجأ رامسفيلد الى التوبيخ العلني مما يخالف الاعراف الدبلوماسية ويقوض مصداقية الحكومة المدعومة من الاحتلال شعبيا؟ إضافة الى ما أشرت إليه من الاستخفاف والاستهانة الامريكية بالحكومة وشخوصها فإنه من المحتمل أن يكون التوبيخ العلني مجاولة من الادارة الامريكية للضغط على أعضاء الحكومة وإبتزازهم حتى لا يتجرؤا على فتح ملف الانسحاب الامريكي ولو للاستهلاك الاعلامي. ألم يسرب البنتاغون تقارير صحفية عن تورط الجعفري في صفقات وعن تلقيه عمولات تصل الى ثلاثة ملايين دولار؟
الهدف الثاني المعلن للزيارة المباغتة هو لتحذير الحكومة الجديدة من إجراء أي تغييرات على بنية أجهزة الامن والجيش العراقي والتي تمت على أعين الامريكيين في عهد علاوي, فالديمقراطية العراقية لها حدود واضحة وخطوط حمراء فاقعة وهي مصالح الاحتلال وأهدافه ومخططاته. أية ديمقراطية هذه والتي يتجاوز فيها الوزير الامريكي العابر للمحيطات الارادة الشعبية العارمة حسب ما زعم الاعلام الامريكي والعربي المساند له في توصيف مهزلة الانتخابات؟!
لعل السبب الرئيسي لزيارة رامسفيلد مرده التدهور الكبير في الوضع الامني والذي تجلى في تنوع وتطور اساليب المقاومة وجرأتها والتي شكلت عملية ابوغريب منعطفا هاما لها, والاشتباكات المستعرة في الانبار والقائم وغيرهما. كما إن إختطاف "المقاول" الامريكي والدبلوماسي الباكستاني أظهرا جليا تضعضع الاوضاع وخروجها شيئا فشيئا عن دائرة السيطرة. أضف الى ذلك المظاهرة المليونية والتي خرجت عشية الذكرى الثانية لسقوط بغداد والتي أظهرت حجم السخط الشعبي من الاوضاع الراهنة مما يوسع من دائرة الاحتضان الشعبي للمقاومة وربما يمهد لثورة شعبية واسعة.
الموقف الامريكي على الارض يشهد تراجعا واضحا, ومما يعمق المأزق الامريكي انفراط عقد التحالف العسكري وبشكل متسارع, فبعد أن أعلن برولونسكي عن نيته سحب جزء من القوات الايطالية في وقت لاحق هذا العام, كما أعلنت بولندا الحليف الاوثق للادارة الامريكية مؤخرا عن عزمها الخروج من المستنقع العراقي نهاية العام الجاري.
بغض النظر عن الاجتهادات والتحليلات لزيارة رامسفيلد وتداعيات الاوضاع في العراق وهي وان كانت مرجحة إلا انها لا تصل الى درجة القطعية, غير أن حقيقة واحدة وجلية تؤكدها الاحداث المتعاقبة والمتلاحقة والتي كان آخرها زيارة الوزير الامريكي رامسفيلد لبغداد, وهي أن اصحاب نظرية المقاومة السلمية والتحرير بالوسائل السياسية والذين أوهموا المواطن العراقي أن الانتخابات هي بداية التحرير والاستقلال إنتهوا إلى ان يكونوا أحجارا على رقعة الشطرنج الامريكية وجزءا من أدواتها في مشروعها الكبير نحو تفكيك المنطقة والهيمنة الامريكية والاسرائيلية عليها وعلى مقدراتها.
ياسر سعد - كندا