ما علاقة المطالبة بنزع السلاح الفلسطيني بما يحدث في المخيمات وعلى مداخلها؟
ثمة أحداث أمنية وسياسية غريبة تجري في المخيمات الفلسطينية وعلى مداخلها، التدقيق في المسائل لا يُفضي إلا إلى نتيجة لا تنفصل عن القرار الدولي القاضي بنزع سلاح المنظمات الفلسطينية الموجودة على الأراضي اللبنانية، لا سيما أن ثمة من يذهب إلى ربط الاحداث الأمنية التي تجري في لبنان - بدليل او بدون دليل – بالمخيمات، وثمة من ينطلق من أسس قانونية على علاقة باحترام القانون الدولي الذي أفرز القرار 1559 مدعوما باستطلاعات للرأي تؤيد الشق المتعلق بالسلاح الفلسطيني في القرار المذكور بنسبة 80 %، وثمة من ينطلق من موقف مبدئي بأن لا سلاح شرعي إلا سلاح الجيش والقوى الأمنية اللبنانية الأخرى، وموقف هذا الفريق ينسحب على سلاح المقاومة أيضا، ولا يخفي البعض عنصريته التي تذهب إلى حد رفض أي تسهيل لحياة الفلسطيني في لبنان، ولو كانت شكلية، كحال القرار الذي أصدره وزير العمل طراد حمادة في 27 حزيران الماضي، رافعا بموجبه جزئيا الحظر المفروض علي الفلسطينيين منذ 22 عاما في ما يتعلق بممارسة حوالي خمسين مهنة من القطاع الخاص.
على الصعيد الشعبي، فإن اللبنانيين في غالبيتهم يؤيدون نزع سلاح المخيمات الفلسطينية وفق ما أفاد استطلاع للرأي أعدته شركة مختصة ونشر في 28-7-05 في عدد من الصحف، حيث جاءت النتيجة: 79.25% من اللبنانيين يؤيدون،82.05% منهم مسيحيون مقابل 77.46% مسلمون،18.50% يرفضون، 2.25% ممتنعون عن الإجابة. وقد شمل الاستطلاع 400 شخص انقسموا بنسب متساوية بين الجنسين، وتوزعوا علي مختلف المناطق والفئات العمرية والاجتماعية. ويبدو أن نسبة المؤيدين لنزع سلاح المخيمات قد تصاعدت بشدة في الفترة الأخيرة نتيجة التركيز الإعلامي على الموضوع، ما ولّد قناعة لدى الكثير من اللبنانيين بأن هذا السلاح لم يعد من مبرر له، وهو لا يستخدم إلا في الاقتتال الداخلي وفي زعزعة الأمن، لكن الفلسطيني الذي يعاني في لبنان من أوضاع ضاغطة داخل المخيمات وعلى مداخلها، ويئن تحت وطأة تشريعات جائرة حرمته من حق التملك العقاري ولو على سبيل السكنى، فضلا عن حرمانه من العديد من الحقوق المدنية الأخرى، يرى غير ذلك، وهو إذ يربط المطالبة بنزع سلاح المخيمات بالتطورات السياسية الأخيرة في لبنان وبالقرار الدولي رقم 1559، يعتبر أن ثمة نظرة "غير أخوية" في التعامل معه لدى الكثير من اللبنانيين المحكومين بالهاجس الطائفي. من جهته يربط مصدر فلسطيني على صلة بمنظمة التحرير الفلسطينية الترويج للاستطلاع سالف الذكر ولازدياد الصغوط الأمنية والسياسية على المخيمات بعودة "قوى مسيحية غير صديقة إلى الساحة السياسية، واضطرار قوى إسلامية عديدة لمجاراتها في مواقفها، بل المزيدة عليها أحيانا".
التغيرات في لبنان وفتح ملف المخيمات كان قد دفع القيادة الفلسطينية إلى تعيين عباس زكي مسؤولا عن هذا الملف، وإلى إيفاده إلى لبنان أكثر من مرة، فضلا عن زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس نفسه للبنان واجتماعه مع المسؤولين فيه، وتتركز المطالب الفلسطينية في مواجهة مطالبة الدولة اللبنانية بنزع سلاح المخيمات بجملة أمور تبدأ بالسؤال عن الضمانات الأمنية لئلا يتكرر ما جرى في صبرا وشاتيلا بعيد الإجتياح الإسرائلي للبنان عام 82، وتمر بالحقوق المدنية والإنسانية للفلسطينيين في لبنان، وصولا إلى المطالبة بإعادة فتح مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت المغلق منذ العام82، وحل مشكلة المطلوبين، والعفو عن العميد سلطان ابو العينيين. وفي الزيارة الأخيرة لعباس زكي إلى لبنان كرر المسؤول الفلسطيني طرح هذه المطالب مضيفا إليها طلبا عاجلا بتخفيف الطوق الأمني المضروب على المخيمات والذي يعيق الحياة اليومية للفلسطينيين، وقد علل الجانب اللبناني الإجراءات الأمنية التي يتخذها الجيش على مداخل المخيمات بِ"الضرورات الأمنية" كاشفا عددا من الوقائع تتعلق بنقل أسلحة من وإلى المخيمات، وبتواجد شبكات مشبوهة "ثبت لدى الأجهزة الأمنية اللبنانية أنها تعمل على ضرب الإستقرار في لبنان"، فضلا عن شكوك "مبررة" باستخدام المخيمات للانطلاق في الأعمال الإجرامية التي تضرب لبنان، وأن الأجهزة الأمنية اللبنانية تشتبه في أن البيان الأخير المنسوب إلى تنظيم القاعدة والذي يهدد شخصيات شيعية بارزة، مصدره مخيم عين الحلوة لا سيما أن هذه الأجهزة سجلت مكالمة تهديد هاتفية لأحد المساجد في الضاحية الجنوبية فجر 28 تموز الماضي، وأنها أوقفت الشخص المشتبه به، وقد تبين أنه أجرى اتصاله من حاجز تابع اِ"الكفاح المسلح" المتمركز على مدخل المخيّم المذكور!، وإذ أبدى الوفد "استنكاره لأي عمل يستهدف أمن الأشقاء اللبنانيين" اتفق مع الجانب اللبناني على متابعة الإتصالات "لتنظيم العلاقات الفلسطينية- اللبنانية".
وبعيدا عن "دفء" العلاقات الرسمية، لا شيء تغير على الأرض، فالإجراءات ما زالت مشددة حول المخيمات، وقيادة الجيش تردها إلى قرار من أعلى المستويات في لبنان "بضرورة التشدد حفاظا على الأمن"، لكن ثمة من يعتقد أن ما يجري على مداخل المخيمات يهدف أيضا إلى دفع الفلسطينيين إلى القبول بتسليم سلاحهم، ولا يخفي مصدر فلسطيني مسؤول تفهمه للمبررات الأمنية، لكنه يلفت الإنتباه إلى أن "سلاح المخيمات الثقيل والمتوسط قد تم تسليمه في العام 1991، أما السلاح الخفيف والفردي فهو موجود كما هي حال 90% من بيوت اللبنانيين، أما فيما يتعلق بالشبكات التخريبية فهي موجودة في أكثر من مكان في لبنان بدليل الأعمال الإجرامية الأخيرة، وهي على الأرجح ترتبط بجهات خارجية ولا علاقة للأصولين بها، وإذا كان ثمة دليل على وجودها في المخيمات فنحن نرحّب بالتعاون مع الدولة اللبنانية في القضاء عليها، لأنها تسيء إلى الفلسطينيين قبل اللبنانيين".
في الأيام والأسابيع القليلة القادمة ستتكثف الضغوط على الحكومة اللبنانية من الخارج والداخل لحسم مسألة السلاح الفلسطيني، لكن لا يبدو أن الحكومة بوارد فعل هذا الأمر بالقوة، لاعتبارات عديدة على صلة بالأمن والسياسة معا، وترجح التوقعات أن تتركز الجهود اللبنانية على تنظيم العلاقة اللبنانية – الفلسطينية، و"ضبط" السلاح الفلسطيني بما يمنع من استخدامه في الاقتتال الداخلي، أو استغلاله في أي عمل أمني يضر بلبنان، وفي هذا الإطار كشفت مصادر لبنانية ذات صلة بأن العمل سيتركز على تفعيل الحوار والتفاهم مع الفلسطينيين للتوصل إلى "صيغة مقبولة" لمسألة السلاح الفلسطيني، وأن لقاءً لبنانيا – فلسطينيا يتم التحضير له ويرجح انعقاده منتصف الشهر الجاري في صيدا لهذا لغرض، ويتوقع أن يكون هذا اللقاء مقدمة للقاء آخر على مستوى وطني عام، وتبدي هذه الأوساط تفاءلها بأن تؤتي هذه الحوارات ثمارا جيدة لا سيما مع المرونة التي أبداها الرئيس الفلسطيني ومبعوثه إلى لبنان عباس زكي، وإبلاغ عباس المسؤولين اللبنانيين بأنه "مع القانون اللبناني وليس فوقه"، وتعهده السابق أمام الرئيس الفرنسي جاك شيراك "بتسليم السلاح الذي بحوزة منظمة التحرير، إذا ما طلبت الدولة اللبنانية ذلك" وفق ما تسرب من معلومات قبل أشهر.