أحداث أمنية كثيرة ارتبطت إعلاميا بجند الشام.. الغموض والشك غالبا ما رافق تلك الأخبار، غير أن ما يثير الدهشة بحق، ذلك التضخيم الإعلامي غير المعقول لهذا التنظيم المزعوم، وهذا ما حداني لأدخل إلى معقله في مخيم عين الحلوة، وأسأل بنفسي عنه..
في البداية ظننت أنني سأواجه صعوبات، ذلك أن تنظيما يملك خلايا ناشطة ونائمة في كل لبنان وسوريا وغيرهما، وقادرا على تنفيذ عمليات نوعية، لا بد أن يحيط نفسه بجدار من السرية، لذا اعتمدت على بعض الأصدقاء للوصول إلى غايتي، التي تبين أنها أسهل مما كنت أتصور، ولكم دهشت عندما قال لي أحد "العارفين" في مخيم عين الحلوة، "سأنادي" لأمير التنظيم، لكن أحب أن أقول لك إن التنظيم لم يعد موجودا منذ أكثر من عام!
عبارة "سأنادي" أوشت لي بأن محدثي ممن يرغب في إظهار نفسه، إذ كيف سينادي "لأمير" يرعب المخابرات كافة!! .. تحليت بالصبر، وما هي إلا دقائق، حتى رأيت رجلا بسيطا يقف أمامي، إنه أبو يوسف شرقية "أمير" ما كان يعرف يوما بجند الشام، وما صار بعد ذلك اسما رخيصا تستعمله أجهزة المخابرات في أعمالها القذرة كلما احتاجت.
من البدايات إلى النشأة
ذكر الإمام أحمد في مسنده الحديث التالي: قال رسول الله ( صلى الله عليه وسلم )، "سيصير الأمر إلى أن تكون جنود مجندة، جند بالشام وجند باليمن وجند بالعراق"، فقال أحد الصحابة- راوي الحديث- "خر لي يا رسول الله إن ادركت ذاك"، قال: "عليك بالشام – ثلاثا- فإنه خيرة الله في أرضه، يجتبي إليه خيرته من عباده..." هذا الحديث كان وراء التسمية التي أطلقها جمع من الشباب المتحمس على نفسه في شهر أيار من العام 2004، ويبدو أن التسمية كانت معتمدة في أحد مخيمات التدريب في أفغانستان من قبل عدد من الوافدين من أرض الشام أيام الجهاد ضد الاتحاد السوفياتي، لكن ليس ثمة رابط بين الفئتين لدرجة أن أحد مؤسسي التنظيم في مخيم عين الحلوة ذكر لي أنه هو من استخرج الإسم من الحديث الشريف ببراعة لم يسبقه إليها أحد!.
التأسيس جرى في أحد مساجد مخيم عين الحلوة حيث كان أبو يوسف شرقية – فلسطيني الجنسية- ينشط في الدروس المسجدية التي تركز على مفاهيم "الولاء والبراء" وضرورة مقارعة "أعداء الله"، كان ذلك عقب هروبه في تشرين أول عام 1989من مخيم نهر البارد في شمال لبنان، نتيجة انتقاداته اللاذعة لممارسات المجلس الثوري، المدعوم من المخابرات السورية في تلك الفترة، وعلى مدى سنوات صار لأبي يوسف بعض الأتباع، غير أنه لم يحظ بفرصة تربية هؤلاء، فالرجل لم يكن يوما مربيا، ولكنه كما يصف نفسه عاشق للجهاد!
لم يكن شرقية راغبا بِ"الإمارة" – كما يقول- ولكن الشيخ يوسف الشهابي وعماد ياسين وأفرادا ممن هربوا من جرود الضنية، طلبوا منه أن يكون "أميرا" عليهم، فاشترط الطاعة "ما أطاع الله فيهم"، فبايعوه ولم يكن عددهم يتجاوز الثلاثين حينها.
لم تكد تمضي شهور حتى اكتشف شرقية أنه غير قادر على المتابعة، مرضه كان السبب المعلن – اقترب من الستين وهو يعاني من أمراض كثيرة فضلا عن فقدانه إحدى قدميه-، لكن السبب الحقيقي كان "عدم طاعة المجموعة له"، وارتكابهم الكثير من الأخطاء التي ألّبت الناس عليهم، إضافة إلى تصادمهم المسلح مع حركة فتح وإصابة مسؤولهم العسكري عماد ياسين، المنشق أصلا عن عصبة الأنصار، ورفض الأخيرة لممارساتهم، فضلا عن إصدارهم بيانات "غير ناضجة"، تكفّر أفرادا وجماعات، وقد كان الاستغلال الأول لهذا التنظيم من خلال بيان مدسوس عليهم – كما تبين لاحقا- يتبنى اغتيال أحد "كوادر" حزب الله، الأمر الذي نفاه الحزب وجند الشام في آن معا.. وقد أعلن شرقية تخليه عن "الإمارة" ببيان مقتضب وزع في مخيم عين الحلوة في 6-10-2004، ومن وقتها لم يعد جند الشام موجودا كتنظيم، لا سيما بعد تقلّص أعداد مجموعة الضنية فيه، وعودة بعض المنشقين عن عصبة الأنصار ممن التحق بالتنظيم إليها، والاشتباكات القاسية مع حركة فتح.
إحياء مخابراتي سوري مشبوه!
خبا ذكر جند الشام حينا من الزمن، لكنه عاد إلى الظهور بقوة بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فلقد كان واضحا أن ثمة من يريد استغلال "التنظيم المنحل" للإيحاء للعالم بأن خطرا أصوليا داهما يتهدد لبنان وسوريا، وأن أجهزة الأمن السورية مستهدفة، وأن التنظيم متورط في جريمة اغتيال الحريري، من خلال محاولة ربطه بِ"كذبة أبو عدس"، حيث تلاحقت أنباء الاشتباكات بين عناصرالأمن السوري ومن سمّتهم البيانات السورية الرسمية "جند الشام".
ففي 22 آب الماضي قال بيان سوري إن اشتباكا وقع قرب الحدود اللبنانية في منطقة مضايا أسفر عن قتل بعض أفراد "جند الشام"، وفي 2 أيلول أعلنت وزارة الداخلية السورية أن وحدة مكافحة الإرهاب "داهمت مخبأ لمجموعة إرهابية تابعة لجند الشام في محافظة حماة" وأن اشتباكا وقع أدى إلى مقتل خمسة من المجموعة في منطقة جبرين، ثم بيان مشابه في الثامن من نفس الشهر تحدث عن اشتباك واعتقالات لِ"جند الشام" في إحدى ضواحي مدينة الحسكة شمال شرق سوريا، وقد قامت السلطات السورية لاحقا باعتقال زوجات بعض المطلوبين بتهمة الإنتماء إلى هذا التنظيم، ما دفع منظمة العفو الدولية لإصدار بيان في 1-10-2005 يطالب بالإفراج عنهن، مشككا بالوقت عينه بالرواية الرسمية المتعلقة بالاحداث التي وقعت في بلدة جبرين حيث قال البيان ما نصه:" ليس من الواضح ما إذا كان "جند الشام" هم أنفسهم تنظيم "جند الشام"، وهو منظمة يقال إن لها قاعدة في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين الكائن في جنوب لبنان..ويتضاعف هذا الغموض جراء الشكوك التي تحوم حول إمكانية أن تكون أجهزة المخابرات السورية تعمل ضمن الجماعات الإسلامية المتشددة أو تسمح لها بالعمل بدون عراقيل، بحيث تتاح للسلطات فرصة لتصوير سورية على أنها "ضحية" للإرهاب".
بعيدا عن البيانات الرسمية، بدا الشارع السوري غير مقتنع، فيما تحدثت مصادر كردية من الحسكة أن ما جرى هناك لا يعدو كونه اشتباكا بين عناصر من المخابرات العسكرية وبين عصابة مختصة في تهريب الدخان، كما أفاد سكان من حي خشمان التي حصلت فيه الاشتباكات، فيما ذكرت صحف أردنية أن ما جرى من اشتباكات مزعومة في مناطق أخرى من سوريا كان مع تجار مخدرات بعضهم من التابعية الأردنية!.
وفي لبنان أيضا!
لم يقتصر التحرك المزعوم لجند الشام على سوريا، فقد ظهر بيان غريب على الإنترنت قبل أقل من شهرين باسم تنظيم القاعدة- جند الشام – يهدد شخصيات شيعية لبنانية بالقتل، وكان واضحا من صياغته أنه "فبركة مخابراتية". وفي الشهر الماضي دوى انفجار "تحذيري"عند الثالثة فجرا، في بلدة مزبود في إقليم الخروب، تبين أنه ناتج عن عبوة ناسفة وضعت تحت سيارة الإعلامي علي طعمة، الذي وقّع قبل أيام من الانفجار كتابا عن حياة الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وقد وجد طعمة لدى خروجه للاطلاع على ما جرى رسالة على سلم منزله، بخط اليد جاء فيها:"لن ينفعك توقيع الكتب ولا العمالة للأنظمة المشبوهة ..مستقبلا رأسك يكون الثمن، الله أكبر، جند الشام". وفي الخامس من الشهر الجاري ظهر بيان مشبوه في بلدة رحبة العكارية أقصى شمال لبنان، مذيل باسم جند الشام، يهدد السلطة الجديدة في لبنان على خلفية جلب "الهيمنة الأمريكية وعزل لبنان عن موقفه العربي الصامد والمقاوم" متهما الأكثرية النيابية الحاكمة بِ"جلب العار للأمة وتعليق مصير هذا الوطن بيد احد أكبر ضباط الموساد الإسرائيلي، ميليس وأكاذيبه" محذرا من أنه لن يتورع عن " ذبح كل من يتعامل معهم".
والنص كما هو ظاهر، لا سيما لمن يعرف أدبيات وأولويات الحركات الأصولية، فبركة مخابراتية واضحة التوظيف.
أمير جند الشام لم يسمع بكل ذلك!
بالعودة إلى مخيم عين الحلوة وأزقته، يبدو أن أحدا لم يسمع هناك بكل هذه الأحداث والبيانات، الأمير السابق لجند الشام نفسه لا يعرف أن جند الشام صار بهذه القوة المخيفة، وأن أعماله العسكرية تخطت الحدود، وأن ثمة من أخذته حماسة "الفبركة المخابراتية" فتبنى باسم التنظيم تفجيرات طابا الأخيرة!
مسكين هذا "الأمير" الذي ينام على الأرض – بجانب سلاحه طبعا- في بيت لا يصلح للاستخدام الآدمي لأجير، فكيف لأمير يرعب الدنيا بإرهابه المزعوم!! .