رسالة إلى
بابا الفاتيكان :
مهلاً يا بابا ! إنّي أدعوك إلى الإسلام !
بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي
www.alnahwi.com
info@alnahwi.com
تحدَّث " بابا الفتيكان ِ بنديكت السادس عشر " في محاضرته في جامعة " ريجينسورج " في " بافاريا " بألمانيا حول ما يعتقده من خلاف بين الإسلام والنصرانية في العلاقة بين الإيمان والعقل .
لم تكن إساءته الأولى للإسلام فيما ادعاه من نقاط مثل سوء فهم الآية الكريمة : " لا إكراه في الدين ....." ومن مثل " الحرب المقدسة في القرآن "، ولا بقوله الذي خالف فيه الإيمان والعقل معاً في وقت واحد، حين قال : " أرني شيئاً جديداً أتى به محمد (صلى الله عليه وسلم )، فلن تجد إلا ما هو شرير ولا إنساني، مثل أمره بنشر الدين الذي كان يبشر به بحد السيف "، وهنا لم يكن خطؤه مخالفة الدين والعقل فحسب، ولكن وقع في خطأ كبير ألا وهو " الافتراء " أو الكشف عن جهله الواسع بالإسلام !
إن إساءته الأولى كانت لنفسه وللنصرانية التي أتى بها عيسى عليه السلام وللدّين كله والعقل كله . فهل يُعْقل أَنَّ الله الواحد الأحد، ربّ السموات والأرض وربّ العالمين، وجميع الخلق عباد له، هل يُعقَل أن الله الواحد يبعث لعباده بأديان مختلفة متصارعة، ثمَّ يُحاسöبهم يوم القيامة ؟! إذا كان الدين عند الله هو الحق، بعث الرسل والأنبياء ليُذكّöروا عباده بالحق الذي يجب أن يتّبعوه في الحياة الدنيا ليدخل المؤمنون الجنَّة برحمة من الله، ويدخل الكافرون النار عدلاً من الله سبحانه وتعالى، إذا كان الدين من عند الله هو الحق فهل يُعقل أن يبعث رسله بأديان متصارعة ؟! كلا ! ثمّ كلا ! فهذا لا يُعقل، فالدين عند الله واحد بعث جميع رسله بدين واحد هو دين الإسلام، ديناً واحداً ! فاستمع إلى ما يقوله الإسلام :
(إöنَّ الدّöينَ عöنْدَ اللَّهö الإöسلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذöينَ أُوتُوا الْكöتَابَ إöلَّا مöنْ بَعْدö مَا جَاءَهُمُ الْعöلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بöآيَاتö اللَّهö فَإöنَّ اللَّهَ سَرöيعُ الْحöسَابö)[ آل عمران : 19]
وكذلك قوله سبحانه وتعالى :
(وَمَنْ يَبْتَغö غَيْرَ الإööسْلامö دöيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مöنْهُ وَهُوَ فöي الْآخöرَةö مöنَ الْخَاسöرöينَ)[ آل عمران : 85 ]
وكذلك قوله سبحانه وتعالى :
(وَإöذْ أَخَذْنَا مöيثَاقَ بَنöي إöسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إöلَّا اللَّهَ وَبöالْوَالöدَيْنö إöحْسَاناً وَذöي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكöينö وَقُولُوا لöلنَّاسö حُسْناً وَأَقöيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إöلَّا قَلöيلاً مöنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرöضُونَ )[ آل عمران : 83 ]
هذه هي الحقيقة الأولى التي يفرضها العقل والدين في وقت واحد، ألا وهي : أنَّ الدين كله من عند الله وهو دين واحد ! فكيف غابت هذه الحقيقة عن إيمان البابا وعقله ؟!
ولذلك جاءت الآيات في القرآن الكريم واضحة جلية تبين بشكل حاسم أنَّ جميع الرسل والأنبياء جاءوا بدين واحد من عند الله هو الإسلام . فالإسلام دين نوح وإبراهيم وموسى وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وموسى وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وداود وغيرهم عليهم السلام ممن ذكرهم القرآن الكريم أم لم يذكرهم :
( إöنَّا أَوْحَيْنَا إöلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إöلَى نُوحٍ وَالنَّبöيّöينَ مöنْ بَعْدöهö وَأَوْحَيْنَا إöلَى إöبْرَاهöيمَ وَإöسْمَاعöيلَ وَإöسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطö وَعöيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُوراً * وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مöنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلöيماً * رُسُلاً مُبَشّöرöينَ وَمُنْذöرöينَ لöئَلَّا يَكُونَ لöلنَّاسö عَلَى اللَّهö حُجَّةñ بَعْدَ الرُّسُلö وَكَانَ اللَّهُ عَزöيزاً حَكöيماً * لَكöنö اللَّهُ يَشْهَدُ بöمَا أَنْزَلَ إöلَيْكَ أَنْزَلَهُ بöعöلْمöهö وَالْمَلائöكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بöاللَّهö شَهöيداً )[ النساء : 163-166]
ولقد جاءت الآيات البينات تبيّن أنَّ كلَّ نبيّ ورسول كان مسلماً، وكذلك أن الذين آمنوا به واتبعوه كانوا مسلمين . وهذه هي الحقيقة الثانية المرتبطة بالحقيقة الأولى السابق ذكرها : أن الإسلام هو دين جميع الأنبياء والرسل، والذين اتبعوهم .
ولذلك أصبح من أسس الإيمان في الإسلام، في دين الله، أن يؤمن المسلم بجميع الأنبياء والرسل . لا يُفرّöق بين أحد منهم :
( وَوَصَّى بöهَا إöبْرَاهöيمُ بَنöيهö وَيَعْقُوبُ يَا بَنöيَّ إöنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدّöينَ فَلا تَمُوتُنَّ إöلا وَأَنْتُمْ مُسْلöمُونَ )[ البقرة : 132 ]
وكذلك :
( قُولُوا آمَنَّا بöاللَّهö وَمَا أُنْزöلَ إöلَيْنَا وَمَا أُنْزöلَ إöلَى إöبْرَاهöيمَ وَإöسْمَاعöيلَ وَإöسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطö وَمَا أُوتöيَ مُوسَى وَعöيسَى وَمَا أُوتöيَ النَّبöيُّونَ مöنْ رَبّöهöمْ لا نُفَرّöقُ بَيْنَ أَحَدٍ مöنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلöمُونَ )[ البقرة : 136 ]
ونوح عليه السلام يقول :
( فَإöنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مöنْ أَجْرٍ إöنْ أَجْرöيَ إöلا عَلَى اللَّهö وَأُمöرْتُ أَنْ أَكُونَ مöنَ الْمُسْلöمöينَ )[ يونس : 72]
وإبراهيم عليه السلام :
( مَا كَانَ إöبْرَاهöيمُ يَهُودöيّاً وَلا نَصْرَانöيّاً وَلَكöنْ كَانَ حَنöيفاً مُسْلöماً وَمَا كَانَ مöنَ الْمُشْرöكöينَ )[ آل عمران : 67]
وموسى عليه السلام كذلك :
(وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمö إöنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بöاللَّهö فَعَلَيْهö تَوَكَّلُوا إöنْ كُنْتُمْ مُسْلöمöينَ )[ يونس : 84]
وعيسى عليه السلام ومن آمن معه :
( فَلَمَّا أَحَسَّ عöيسَى مöنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارöي إöلَى اللَّهö قَالَ الْحَوَارöيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهö آمَنَّا بöاللَّهö وَاشْهَدْ بöأَنَّا مُسْلöمُونَ )[ آل عمران : 52]
وكذلك سائر الأنبياء والمرسلين .
أما قول البابا عن التناقض بين ما تشير إليه الآية الكريمة : (لا إöكْرَاهَ فöي الدّöينö قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مöنَ الْغَيّö فَمَنْ يَكْفُرْ بöالطَّاغُوتö وَيُؤْمöنْ بöاللَّهö فَقَدö اسْتَمْسَكَ بöالْعُرْوَةö الْوُثْقَى لا انْفöصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمöيعñ عَلöيمñ ) [ البقرة : 256]، وبين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بنشر الدين بحدّ السيف .
كان أحرى بالبابا أن يذكر الآية كاملة حتى ينجلي المعنى . فلا تعارض بين قوله سبحانه وتعالى : ( ... لا إöكْرَاهَ فöي الدّöينö...)، وبين أمره سبحانه وتعالى بالجهاد في سبيل الله . قضيّتان متداخلتان تكملان المعنى والصورة لتكون جزءاً من نهج واحد متماسك .
فِ" لا إöكْرَاهَ فöي الدّöينö " تعني أنَّ الله لا يقبل من أحد إيماناً لم يكن نابعاً من قلبه متيقناً منه، فعلى الإنسان أن يستمع للدعوة إلى الإيمان الحق، إلى الإسلام، ثمَّ عليه أن يفكّر، ثمّ عليه أن يقرّر هو بنفسه آمن أم لم يؤمن، ثم يتحمّل هو مسؤولية قراره . ولكن المشكلة هنا أنه يجب أن تبلغه الدعوة واضحة جليّة ليفكّöر، وأن يُفْسَح المجال للإنسان ليستمع ثمَّ ليفكّöر، ثمَّ ليقرّر، ثمَّ ليتحمّل مسؤولية قراره. ولكل قرار نتيجة : فلو قرر الكفر فمصيره إلى النار، وإن قرر الإيمان فمصيره إلى الجنَّة .
وحين حمَّل الله الإنسان مسؤولية الإيمان أو عدمه، وفّر له جميع الإمكانات التي تعينه على اتخاذ قرار الإيمان لينجوَ عند الله . واستمع إلى آيات الله البينات :
(وَقُلö الْحَقُّ مöنْ رَبّöكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمöنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إöنَّا أَعْتَدْنَا لöلظَّالöمöينَ نَاراً أَحَاطَ بöهöمْ سُرَادöقُهَا وَإöنْ يَسْتَغöيثُوا يُغَاثُوا بöمَاءٍ كَالْمُهْلö يَشْوöي الْوُجُوهَ بöئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً * إöنَّ الَّذöينَ آمَنُوا وَعَمöلُوا الصَّالöحَاتö إöنَّا لا نُضöيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً * أُولَئöكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرöي مöنْ تَحْتöهöمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فöيهَا مöنْ أَسَاوöرَ مöنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثöيَاباً خُضْراً مöنْ سُنْدُسٍ وَإöسْتَبْرَقٍ مُتَّكöئöينَ فöيهَا عَلَى الْأَرَائöكö نöعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً )[ الكهف : 29-31]
ولذلك كان من أهمّö القضايا التي يؤكدها القرآن الكريم أمر الله للإنسان أن يفكر التفكير الإيماني السليم، ويلحُّ القرآن الكريم بهذه القضية إلحاحاً شديداً، ويوفّر الله لعباده سبيل التفكير الإيماني الذي يهدي إلى الإيمان والعمل الصالح، وذلك بنعم من الله كثيرة :
1.أن جعل الإيمان فطرة الإنسان التي يولد عليها وأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه، فتفسد فطرته، ويتحمل أولئك المسؤولية عند الله :
( فَأَقöمْ وَجْهَكَ لöلدّöينö حَنöيفاً فöطْرَتَ اللَّهö الَّتöي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدöيلَ لöخَلْقö اللَّهö ذَلöكَ الدّöينُ الْقَيّöمُ وَلَكöنَّ أَكْثَرَ النَّاسö لا يَعْلَمُونَ * مُنöيبöينَ إöلَيْهö وَاتَّقُوهُ وَأَقöيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مöنَ الْمُشْرöكöينَ * مöنَ الَّذöينَ فَرَّقُوا دöينَهُمْ وَكَانُوا شöيَعاً كُلُّ حöزْبٍ بöمَا لَدَيْهöمْ فَرöحُونَ )[ الروم : 30-32 ]
وكذلك الحديث الشريف :
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه، كما تنتج البيهمة بهيمة جمعاء هل تحسّون فيها من جدعاء )[ أخرجه أحمد ومسلم ](1)
ولذلك جعل الله برحمته دينه دين الفطرة التي يُفْطرَ الناس جميعاً عليها لا تبديل لخلق الله .
2. أن جعل آياته بينات في السموات والأرض وفي الإنسان نفسه آيات بينات شاهدات على أنَّ الله حق واحد لا إله إلا هو :
( قُلö انْظُرُوا مَاذَا فöي السَّمَاوَاتö وَالْأَرْضö وَمَا تُغْنöي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمöنُونَ )[ يونس : 101]
(وَفöي الْأَرْضö آيَاتñ لöلْمُوقöنöينَ * وَفöي أَنْفُسöكُمْ أَفَلا تُبْصöرُونَ * وَفöي السَّمَاءö رöزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ )[ الذاريات : 20-23 ]
3. أرسل الأنبياء والرسل في كلّö أمة حتى لا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل :
(وَلَقَدْ بَعَثْنَا فöي كُلّö أُمَّةٍ رَسُولاً أَنö اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنöبُوا الطَّاغُوتَ فَمöنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمöنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهö الضَّلالَةُ فَسöيرُوا فöي الْأَرْضö فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقöبَةُ الْمُكَذّöبöينَ )[ النحل : 36]
وختم الأنبياء والمرسلين بمحمد صلى الله عليه وسلم الرسول الذي بشّر به موسى وعيسى والأنبياء عليهم السلام .
4.أن أنعم على الإنسان بالسمع والبصر والفؤاد، وجعل الله كل أولئك عنه مسؤولاً :
(وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بöهö عöلْمñ إöنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئöكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً )[ الإسراء : 36]
لذلك أصبحت القضية الآن إيماناً وعقلاً أن تُبلّغ الدعوة إلى الناس كافّة، وأن لا يقف أمامها حاجز يصدُّ عن سبيل الله، ويمنع وصول الحق إلى الناس فيبدأ المؤمنون بالتبليغ والبيان والتعهد والموعظة الحسنة :
(ادْعُ إöلَى سَبöيلö رَبّöكَ بöالْحöكْمَةö وَالْمَوْعöظَةö الْحَسَنَةö وَجَادöلْهُمْ بöالَّتöي هöيَ أَحْسَنُ إöنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بöمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبöيلöهö وَهُوَ أَعْلَمُ بöالْمُهْتَدöينَ * وَإöنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقöبُوا بöمöثْلö مَا عُوقöبْتُمْ بöهö وَلَئöنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرñ لöلصَّابöرöينَ * وَاصْبöرْ وَمَا صَبْرُكَ إöلَّا بöاللَّهö وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهöمْ وَلا تَكُ فöي ضَيْقٍ مöمَّا يَمْكُرُونَ * إöنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذöينَ اتَّقَوْا وَالَّذöينَ هُمْ مُحْسöنُونَ ) [ النحل : 125-128]
ولم يكن الأمر بالدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة أمراً مرهوناً بزمن، ولكنه أمر ممتد امتداد الدعوة الإسلامية ما دامت الطرق مفتوحة والأبواب مشرعة، ولا يوجد اعتداء على الإسلام ولا ظلم ولا صدّñ عن سبيله، وهذا قوله سبحانه وتعالى :
(وَلا تُجَادöلُوا أَهْلَ الْكöتَابö إöلَّا بöالَّتöي هöيَ أَحْسَنُ إöلا الَّذöينَ ظَلَمُوا مöنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بöالَّذöي أُنْزöلَ إöلَيْنَا وَأُنْزöلَ إöلَيْكُمْ وَإöلَهُنَا وَإöلَهُكُمْ وَاحöدñ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلöمُونَ ) [ العنكبوت : 46]
نعم ! " إöلا الَّذöينَ ظَلَمُوا مöنْهُمْ " ! فهم الظالمون المعتدون !
ولما نزل قوله سبحانه وتعالى :
(وَقَاتöلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فöتْنَةñ وَيَكُونَ الدّöينُ كُلُّهُ لöلَّهö فَإöنö انْتَهَوْا فَإöنَّ اللَّهَ بöمَا يَعْمَلُونَ بَصöيرñ ) [ الأنفال : 39]
وقوله سبحانه تعالى :
( أُذöنَ لöلَّذöينَ يُقَاتَلُونَ بöأَنَّهُمْ ظُلöمُوا وَإöنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرöهöمْ لَقَدöيرñ * الَّذöينَ أُخْرöجُوا مöنْ دöيَارöهöمْ بöغَيْرö حَقٍّ إöلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهö النَّاسَ بَعْضَهُمْ بöبَعْضٍ لَهُدّöمَتْ صَوَامöعُ وَبöيَعñ وَصَلَوَاتñ وَمَسَاجöدُ يُذْكَرُ فöيهَا اسْمُ اللَّهö كَثöيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إöنَّ اللَّهَ لَقَوöيّñ عَزöيزñ ) [ الحج : 39-40]
فما كان الجهاد في الإسلام إلا ردَّاً لعدوان عليه أو بلاغاً لرسالة الله إلى الناس بعد أن صُدَّ عن سبيله، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( خلُّوا بيني وبين الناس حتى أبلّغ رسالة ربي ) !
وكان أعداء الإسلام هم المعتدين بصورة مستمرة، ولذلك جاء قوله سبحانه وتعالى :
(لا يَرْقُبُونَ فöي مُؤْمöنٍ إöلّاً وَلا ذöمَّةً وَأُولَئöكَ هُمُ الْمُعْتَدُونَ ) [ التوبة : 10]
وكذلك جمع الرومان حشودهم حول الجزيرة العربية قبل غزوة مؤتة التي أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يتحركوا إليها لمواجهتهم .
وأعجب من كلام البابا هذا بأنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم أمر بنشر دينه بالسيف، وتناسى الآيات الكريمة التي تدعو إلى الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة . والإسلام يريد أن تبلّغ رسالته فحين تكون الحكمة والموعظة الحسنة هي السبيل الممكن يتبع، وإن كان هنالك عدوان وصدّ عن سبيل الله فقد شرع الله سبحانه وتعالى الجهاد في الإسلام حقّاً .
إنَّ الإسلام جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الكفر إلى الإيمان، ولينقذهم من عذاب جهنّم إلى نعيم الجنّة . وهذا هو أخطر ما في حياة الإنسان على الأرض في الحياة الدنيا، أيعقل بعد ذلك أن يُتْرك الإنسان على هواه إن اختار الشرك أو الكفر دون بذل الجهود لإنقاذه . أرأيت لو أنك عاينت رجلاً يكاد يغرق في البحر، أتتركه دون أن تنقذه وأنت قادر على ذلك، فكيف إذا كان الإنسان سيُلْقَى في نار جهنم أتتركه دون محاولة إنقاذه .
ولو أنك كنت تسير على طريق تعرفه، وأمامك يسير رجل لا يعرف الطريق، وأمامه هوّة عميقة فيها نار تلظى . فلو تركته يتابع سيره سيهوي في لهيب النار، أكنت تتركه يهوي أم تقبل عليه ليرجع . فإذا اقتنع وعاد إلى الصواب والحق فذلك هو المقصود، وأما إذا أبى وأصرّ على أن يمضي إلى هلاكه أكنت تتركه أم تمنعه ولو بالقوّة ؟! وإذا كان هذا الرجل ابنك، أو أخاك، أو رجلاً آخر، أكنت تاركه .
وهكذا الإسلام جاء ليمنع الناس من أن يهووا في نار جهنم، لينقذهم من النار إلى الجنَّة، فالأمر أخطر من أن يؤخذ بهذه البساطة، بساطة العلمانية التي تترك أمر الدين للفرد نفسه، لا تحرص على آخرته .
وهذا الذي ضرب البابا مثلاً به، الطالب في الجامعة الذي أعلن كفره صراحة وأنكر وجود الرب، فترك هو وشأنه، يقول البابا إن التماسك الداخلي للإيمان داخل هذا الكون لم يتأثر بكفر هذا الرجل . هذا ظنّñ ووهم ! وإلا ما قيمة الدين والرسالات السماوية إذا كان شأنها أن تترك الملحد على إلحاده ليهوى في جهنم إذا مات على الإلحاد ؟! ما قيمة الدين إذن، والنتيجة واحدة إذا كان هنالك دين أم لم يكن هنالك دين ؟! كيف لا يتأثّر التماسك الداخلي للإيمان في داخل الكون بوجود ملحدين تتركهم وإلحادهم ؟!
إن الدين جاء لينقذ الناس من خطر هو أعظم من أي خطر في الحياة الدنيا، لينقذهم بالحكمة والموعظة الحسنة ما دامت تفيد، وبالقوة والشدة إذا لزم الأمر . وترك الملحد لإلحاده سينشر الفساد في الأرض ويمتد الإلحاد وتطغى الفتن في الأرض كما هي تطغى اليوم في ظلّö سيطرة النصرانية، ويُفْتَنُ الناس عن دينهم وإيمانهم .
ولكننا نعجب من البابا كيف يتهم الإسلام بأنه نشر بالسيف، ويتناسى العالم النصراني منذ قرون طويلة وهو يحمل كل أنواع السلاح والتدمير غارات متواصلة على العالم الإسلامي، وما زالت ممتدة ترتكب أسوأ أنواع الجرائم في الأرض . هذه الجرائم باسم الديمقراطية يقودها العالم الغربي باسم النصرانية كذلك كما أعلنها بوش بأنها حرب صليبية، وكما أعلنها غيره، وكما تنطق التصرّفات المتتالية المختلفة من العالم الغربي .
وموقف بابا الفاتيكان موقف العداء من الإسلام والمسلمين ليس جديداً . وإنما هي مواقف متكررة في حقد وعداء مكشوف . ولا نراه بذلك يطبق ما يزعمونه بأنه دين عيسى عليه السلام .
ولا حاجة لأن أذكّر بابا الفاتيكان كيف تكوّنت الكنيسة الكاثوليكية في قلب الإمبراطورية الرومانية، بعد صدام وصراع مع الوثنية لمدة تزيد عن ( 300) سنة، أثرت الوثنية اليونانية الرومانية فيها، فمنها أخذت طقوسها التي لم يأتö بها عيسى عليه السلام، ومنها أتت فكرة التثليث التي رفضها طائفة الأريوسيين وتمسكوا بالتوحيد الخالص لله، فقضوا عليهم قضاء مبرماً .
وإذا كان البابا حريصاً على الإيمان والعقل، ففي كلامه فارق الإيمان وفارق العقل، وأغرب في الافتراء والظلم .
نقصد من هذه الملاحظات أن نعرّف بابا الفاتيكان على بعض القضايا في الإسلام، القضايا التي هي واضحة في كتاب الله ! ولكننا نظل نعجب أن يصدر عن رجل في هذا المركز الحساس ما يكشف عن جهل كبير بالإسلام، واضطراب في الإيمان ودور العقل .
فالإيمان يفرض عليه وعلى غيره أن لا يتحدّث عن أيّ موضوع إلا بعد دراسته دراسة أمينة . ونذكره بقوله سبحانه وتعالى :
(وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بöهö عöلْمñ إöنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئöكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً ) [ الإسراء : 36]
والعقل يفرض كذلك أن لا يتحدث الإنسان عن موضوع إلا بعد دراسته دراسة جادة ليكون أميناً في ما يعرضه . فالإيمان والعقل يفرضان الأمانة والصدق وعدم الافتراء .
هذه ملاحظات سريعة نسوقها عسى أن تصل إلى أذن بابا الفاتيكان وقلبه ليستفيد منها في حياته وآخرته .
وفي قوله : "أرني شيئاً جديداً أتى به محمد (صلى الله عليه وسلم )، فلن تجد إلا ما هو شرير ولا إنساني ..." !
فإنَّ محمّداً صلى الله عليه وسلم يردُّ على ذلك في حديثه الشريف الذي يرويه عنه أبو هريرة وأبو سعيد الخدري وأُبيّ بن كعب رضي الله عنهم :
( مثلي في النبيين كمثل رجل بنى داراً، فأحسنها وأكملها وأجملها، وترك منها موضع لبنة لم يضعها، فجعل الناس يطوفون بالبنيان ويعجبون ويقولون : لو تمَّ موضع هذه اللبنة، فانا في النبيين موضع تلك اللبنة )
[ أخرجه أحمد والشيخان والترمذي ](2)
وهذا تأكيد على أنَّ الدين واحد عند الله، وأنه دين واحد لجميع الرسل والأنبياء، وأنَّ محمداً صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين .
ولكننا من ناحية أخرى نعتب على أنفسنا، نحن المسلمين، الذين انتشروا في الأرض ملايين من الدعاة، ثم نكتشف كل يوم أنَّ رسالة الإسلام لم تبلّغ لا إلى هذا ولا إلى ذاك . وأول واجبنا قبل أن نهاجم البابا هو أن نوضح له الإسلام ثمَّ ندعوه بشكل واضح صريح إلى الإسلام، إلى دين عيسى عليه السلام ودين جميع الأنبياء والمرسلين، إننا ندعوه ونلحُّ بالدعوة عسى أن يهدي الله قلبه فيؤمن فينجو من فتنة الدنيا وعذاب الآخرة .
لقد سبق أن ذهب وفد من المسلمين إلى الفاتيكان لأجل الحوار ! أيُّ حوار كانوا يقصدون ؟! فهم يعرفون موقف البابا من الإسلام، والبابا يعرف موقف المسلمين من الفاتيكان، وكلاهما يعرف أنه لا نقطة لقاء بين الفريقين إلا أن يتنازل احدهما عن عقيدته . فهذا إذن ليس حواراً . وإنما كان يجب أن يدعو الوفد البابا دعوة صريحة إلى الإسلام . وأن تكون دعوة جلية جريئة لا مجاملات فيها على حساب الحق . وهذا هو أمر الله لنا، فلنستمع إلى ما يأمرنا به الله :
(الْحَقُّ مöنْ رَبّöكَ فَلا تَكُنْ مöنَ الْمُمْتَرöينَ * فَمَنْ حَاجَّكَ فöيهö مöنْ بَعْدö مَا جَاءَكَ مöنَ الْعöلْمö فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنöسَاءَنَا وَنöسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهöلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهö عَلَى الْكَاذöبöينَ * إöنَّ الَّذöينَ آمَنُوا وَالَّذöينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابöئöينَ مَنْ آمَنَ بöاللَّهö وَالْيَوْمö الْآخöرö وَعَمöلَ صَالöحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عöنْدَ رَبّöهöمْ وَلا خَوْفñ عَلَيْهöمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَإöذْ أَخَذْنَا مöيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بöقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فöيهö لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مöنْ بَعْدö ذَلöكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهö عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مöنَ الْخَاسöرöينَ ) [ آل عمران : 60-64]
شتَّان بين هذه الدعوة الواضحة إلى الحقّö وبين ما كان يجري عليه الحوار! حتى لقد صرح رئيس وفد الحوار إلى الفاتيكان أنَّ البابا قال لهم نحن لا نؤمن بأنَّ محمّداً (صلى الله عليه وسلم ) رسول من عند الله ! ثمَّ يتساءل : لöمَ الحوار إذن ؟! نعم ! لöمَ الحوار وهم لم يطلبوه ولكن أنتم طلبتموه وسعيتم إليه ! ذهبتم ولم تبلغوهم دين الله بوضوح . كانوا جريئين بضلالهم، ونحن ضعفاء بالحق الذي نؤمن به . هم لا يجاملون ولا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمّة، ونحن نتنازل كل يوم عن شيء من ديننا .
ومن أعجب ما قاله البابا : " أرني شيئاً جديداً أتى به محمد (صلى الله عليه وسلم ) فلن تجد إلا ما هو شرير ولا إنساني " ! فإن كان هناك شيء يكشف الجهل فلا شيء يكشفه أكثر من هذا القول . وليس هذا بجهل فحسب، ولكنه افتراء على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأهم ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مكارم الأخلاق والحبُّ في الله والكلمة الطيبة والإحسان وصلة الرحم وبرّö الوالدين والبرّ كله . علمنا محمد صلى الله عليه وسلم أدب الكلمة واللفظة، بحيث تكون صادقة لا كذب فيها ولا افتراء . معاني الإنسانية الحقة لا نجدها في أيّ رسالة كما نجدها في دين الإسلام، دين جميع الأنبياء والرسل الذين خُتöموا بمحمد صلى الله عليه وسلم .
ولو أردتُ أن أُعدّöدَ كلَّ ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند ربه من الخير ومعاني الإنسانية لاحتجتُ إلى مؤلفات . ولكن يكفي أن أقول إنه جاء بما أنت بحاجة إليه!
وحسبك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يرويه عنه أبو هريرة رضي الله عنه :
( إنَّما بُعثْتُ لأُتمَّم صالح الأخلاق )
[ أخرجه ابن سعد، البخاري، الحاكم، البيهقي ](3)
يا سيادة البابا ! إني أدعوك إلى الإسلام دعوة واضحة صريحة، فأسلم عسى أن تَسلم بين يدي الله . إنَّ الحقَّ جليّ والله أرحم بعباده من أن يترك الحق مبهماً غير بيّن أو جليّ .
فإذا قضيت وغادرت الدنيا، ورأيت انك كنت كما أنت الآن على غير الحق، وبدا لك أنَّ الحق هو ما جاءت به الرسل والأنبياء والنبيّ الخاتم محمد صلى الله عليه وسلم، فماذا أنت فاعل ؟! وماذا يفعل الذين اتبعوك !
أُكرّöر بإلحاح أيها البابا أن أَسْلöمْ، فعسى أن تنقذ نفسك وتنقذ الملايين ممن يتبعونك !
أنا لا أنتظر اعتذارك ! ولكن أنتظر توبتك إلى الله لأنك ارتكبت معصية كبيرة .
فالإساءة إلى أيّ نبيّ أو رسول إثم ومعصية عند الله وبخاصة إذا كانت إلى خاتم النبيين محمد صلى الله عليه وسلم، واستمع إلى قوله تعالى :
( إöنَّ الَّذöينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فöي الدُّنْيَا وَالآخöرَةö وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً مُهöيناً ) [ الأحزاب :57]