بقلم الشيخ / محمود الحساني
لا أدري من أين أبدأ !! فالأسئلة كثيرة ومحيرة ولا تبدو بحيث يستطيع الإنسان تنظيمها وترتيبها بشكل يجعلها مترابطة يؤدي بعضها إلى بعض، لكن ثمة علاقات وثيقة بينها جميعا .. ولعل أقوى هذه العلاقات، أنها جميعها تحتاج إجابات من المجلس العسكري نفسه، حتى يطمئن قلبي وقلوب ملايين المصريين مثلي ..
وأرجو أن يتحمل المجلس أسئلتي، فأنا مواطن مصري - ومثلي كثيرون - لي الحق في معرفة مصير وطني، ومصير هذه الثورة التي راح ضحيتها شباب أطهار .. كما أن المجلس ليس فوق المحاسبة والسؤال، ولو كان يحكم مصر الآن .. فالمفترض أن عصر حكم الآلهة في مصر قد انتهى، وأعضاء المجلس مواطنون مصريون وكَّلَهُم الشعب عنه في اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية مكتسبات ثورته، ولم يعطهم تفويضا بالتصرف دون الرجوع إليه أو إطلاعه على ما يجري على الأقل، وأشدد على أنهم حصلوا على توكيل من الشعب لا تفويض.
أولا - لماذا يتباطأ المجلس العسكري والنائب العام في حبس مبارك ونجليه وزوجه سوزان ثابت إلى الآن، رغم تقدم عدد هائل من المواطنين والهيئات بدعاوى قضائية ضدهم جميعا ..
فالمفروض أن يتم التحفظ عليهم بحبسهم على ذمة التحقيقات، خاصة وقد صدرت تصريحاتñ وبياناتُ إدانة بحقهم من عدة جهات قضائية ورقابية، بات من المؤكد بعدها أنهم مجرمون وليسو بريئين .. وهذا يدفع من يراقب الموقف إلى الشك بإجراءات المجلس العسكري التي يتخذها ضد مبارك وأسرته، ويدفعه أيضا إلى الشك والتساؤل حول موقف المجلس من مبارك بالأساس ..
هل لا زال أعضاء المجلس يدينون بالولاء لمبارك على اعتباره كان رئيسا لهم في يوم من الأيام واختارهم ووضعهم في مناصبهم، ويريدون رد الجميل لمبارك بإبعاد يد القانون عنه ومحاولة عدم تحريك أي إجراءات عقابية ضده أو ضد أسرته، وإن لم يستطيعوا إبعادها فعلى الأقل يؤخرون هذه الإجراءات لوقت يتلاشى فيه غضب المصريين ويقل حماسهم في التساؤل عن مصير مبارك ثم ييأسون ولا يسألون عنه؟
الصورة تبدو هكذا بدون مجاملة للمجلس العسكري أو تضخيم لحجم التساؤلات والشكوك، ولا بد أن يوضح المجلس العسكري موقفه توضيحا كاملا لا يحتمل اللبس أو التأويل من هذه القضية التي هي من الغاية في الأهمية !!
لأن هذه الشكوك لو صحت، فهذا معناه أن كثيرا من المجرمين الذي أذاقوا مصر وأهلها لباس الجوع والخوف والقهر سيتحركون بكامل حريتهم وأموالهم، طالما أن للصداقة نصيبها من تخفيف العقوبة أو إبعادها .. فليس من المعقول أن المشير مثلا لم يكن يرتبط بصداقة مع زملائه من الوزراء، أو بعضهم على الأقل، وكذلك ليس من المعقول أن بقية أعضاء المجلس ليس لديهم عدد من الصداقات وربما المصالح مع بعض المتنفذين في النظام السابق، سواء كان المتنفذون وزراء أو رجال أعمال!!
ولا يزيل هذه الشكوك حبس العادلي وعدد من الوزراء، لأن تهدئة الناس كانت تستدعي القبض على أكثر الشخصيات من حيث الكراهية كالعادلي وأحمد عز وبقية اللصوص .. كما أنه لم تصدر أية أحكام إلى الآن بحقهم رغم ثبوت إدانة الجميع.
إذن لا بد من طمأنة الناس وإزاحة هذه الهواجس من رءوسهم بموقف وبيان حاسمين واضحين تمام الوضوح، وإلا فإن عدم تبديد تلك المخاوف ربما يتطور عند الناس إلى يقين، وربما يحدث ما لا يحمد عقباه بعد أن عرف الناس طريق الشارع.
- ثانيا: علامة استفهام على استمرار النائب العام الحالي .. وحتى بعد استمراره هناك علامة استفهام على عدم دعمه بمجموعة من المحققين أصحاب الخبرة القانونية ولو كانوا قضاة سابقين، كي يتمكن من إنجاز ما أوكل إليه من مهام محاكمة أركان الفساد ورموزه.
فنحن في ظرف استثنائي، يمكن من خلاله استدعاء بعض الكفاءات القضائية المتقاعدة لهذه المهمة المحددة !!
فالتطويل في اتخاذ إجراءات ضد من توجه إليه الاتهامات تتيح له الفرصة في تهريب أمواله إن كان لصا، أو الهروب إن كان مدانا بنوع آخر من الجرائم .. وعدم اتخاذ المجلس العسكري خطوة في هذا الصدد مع قدرته على ذلك يجعل المواطن يظن أن للمجلس رغبة في هذا التأخير .. ولا يخفى ما في هذا الظن من إيحاءات كثيرة تمس سمعة أعضاء المجلس نفسه، أو على الأقل تمس نواياهم الخاصة بمستقبل مصر.
- ثالثا: المجلس كما سبق وأشرت وكيل عن الشعب، ولم يحصل على تفويض بإدارة الأزمة واتخاذ قرارات حاسمة تخص مستقبل البلاد دون أن يرجع إلى الشعب بالسؤال والحوار ثم اعتماد ما يريده الناس في مستقبلهم.
رغم ذلك يرفض المجلس أن يشرك بعض المدنيين في إدارة الأزمة، ويتجاهل مطلب كل الأطياف السياسية التي أرادت مجلسا رئاسيا فيه بعض العسكر وليس كل أعضائه من العسكر ..
ثم بعد ذلك إذا بالمجلس يتصرف بطريقة الغرف المغلقة، ويجتمع أعضاؤه دون غيرهم – كما نرى – ويتخذون قرارات حاسمة من شانها أن ترسم مستقبل البلاد في الآجال القادمة ..
وليست أزمة التعديلات الدستورية منا ببعيد .. حيث قرر المجلس تسيير الشعب كله في اختيار نظام رئاسي، ولم يلتفت إلى المطالب بجعل النظام برلمانيا يكون فيه رئيس الوزراء هو أعلى سلطة .. وحتى لو لم يكن هذا هو اختيار قطاع كبير من الشعب، فكان لابد من إجراء استفتاء مهما طالت فترة المناقشة والتساؤل، لأنه نظام تتأسس عليه البلاد من جديد، وسيستمر إلى آجال مديدة في المستقبل، وإن كانت الفرصة لا زالت قائمة لمناقشة هذا الاقتراح ..
ثم أسند المجلس - منفردا بقراره أيضا - إلى لجنةٍ من الدستوريين تعديلَ عدد من مواد الدستور الذي يفترض أنه سقط منذ ذهاب مبارك، وهذه المواد حددها المجلس وانتقاها منفردا كذلك .. وزاد من الريبة حول هذا التصرف أن المجلس لم يطرحها للمناقشة، لا من حيث صياغتها ولا من حيث ما ورد فيها، ثم بعد التصويت بِ \"نعم\" اتضح للجميع أن \"نعم\" مثل \"لا\" .. ولا فرق بين الرأيين، إلا أن الموافقة معناها إطالة فترة اللا استقرار التي نريد أن نتخلص منها جميعا.. وكانت الحجة في ذلك أن المجلس العسكري لا يريد أن يبقى في السلطة، ويريد تسلميها للمدنيين ..
ربما هذه مجرد شكوك وأن المجلس يريد ذلك فعلا، لكن انفراد المجلس بقرارات مصيرية وعدم إشراكه لغيره معه في الحوار على الأقل وليس في السلطة جعله يقع فيما كان لا يريده .. ولا يخفى أن المدرسة العسكرية لها نمط خاص بها في التفكير، ولا يجدي تعدد العسكر في التشاور حول إدارة أزمة دولة بحجم مصر، بل لا بد من إشراك عدد من المدنيين أصحاب الكفاءة والنزاهة حتى يحدث التلاقح الفكري وتنفتح آفاق كثيرة للخروج من الأزمة على أفضل الوجوه.
وأنا لا أطالب المجلس بأن يستأذن الشعب في كل صغيرة وكبيرة، على العكس، فهذا تكبيل لا توكيل، وكثير من الإجراءات الإصلاحية لا تحتاج إلى أكثر من جرة قلم بيد رئيس المجلس، حيث يتفق عليها المصريون جميعا .. لكن القضايا الكبرى المتعلقة بالسياسات الخارجية مثلا أو نظام الحكم المستقبلي في مصر، يتحتم على المجلس أن يستطلع فيها آراء الناس بصورة تمكنهم من المشاركة الحقيقية في تحديد مصيرهم، لا أن يحشرهم في الزاوية كما حدث في موضوع التعديلات والنظام الرئاسي !!
والحال في تولية بعض القيادات المغضوب عليها شعبيا زمام عدد من المؤسسات الهامة كالتليفزيون والصحف والجامعات أو الإبقاء عليهم، لا يختلف عن الحال في قضية التعديلات، فالمجلس وحده ينفرد بالقرار دون الشعب، رغم تأكده من ثبوت الفساد أو الإفساد على هؤلاء، وأن أحدا لا يطيق رؤيتهم في مناصبهم.
وكذلك إسناد المهمة لشفيق وعدم أزاحته من منصبه إلا بعد تصاعد الاحتجاجات ضده وضد أحمد أبو الغيط وغيرهما، مما جعل الشكوك تحوم حول رغبة المجلس في السماح لهؤلاء بالتغطية على فساد النظام السابق.!!
ولا تخرج السياسة الخارجية كذلك عن هذا الإطار الفردي في التعاطي معها.!!
كل ذلك يجعل من الضروري خروج المجلس على الناس بتصريحات توضح موقفه من هذا التساؤل الملحّ في قضية تجاهل إشراك الغير في اتخاذ قرارات مصيرية، أو إطْلاعهم خطوة بخطوة على أقل تقدير، وهو حقهم وليس منة من المجلس عليهم .. لذلك فإن هذا الأمر يؤرق الكثيرين ممن تثور في نفوسهم تلك الشكوك، وهم بالمناسبة قطاع كبير جدا من الشعب، سواء كانوا من الجمهور أو من النخبة.
وبعد ذلك اكتشفنا أن هذه الطريقة في إدارة شئون البلاد في تلك المرحلة ليست سلوك المجلس العسكري وحده، بل هو أيضا سلوك وزارة الدكتور شرف .. فهناك قوانين مهمة تصدر بدون النقاش حولها، كقانون تجريم التظاهر والاعتصامات، وفرض غرامات خرافية على من يخالف القانون، الذي يراه الكثيرون من الخبراء بمثابة تكميم للأفواه على طريقة النظام السابق، وليس من باب \"دعونا نعمل في صمت\" .. حيث لم يتم تحديد المراد بالمصطلحات الواردة في القانون، مما يجعل تطبيقه انتقائيا أو ربما اجتهاديا، في مسألة لا تحتمل الاجتهاد!!
وأيضا ما ورد في عدد من الصحف عن بدأ التحرك في المشروع النووي المصري واتخاذ قرار بشأنه، ومثل هذا الموضوع لا يمكن اتخاذ قرار فيه أو السير في خطوات جادة تتعلق به قبل استقرار الأوضاع، حتى يمكن استطلاع رأي الشعب عن طريق المجلس المنتخب، أو إجراء استفتاء عليه بعد دراسته وطرحه للمناقشة.
وأرجو كما قلت أن يتحمل المجلس تلك الأسئلة، فالهدف من ورائها معرفة مصير بلادنا، وتوجيه النصح والاستفسار للمجلس باعتباره وكيلا عنا لا وصيا علينا.
- رابعا: التباطؤ في اتخاذ عدد من القرارات والإجراءات الإدارية التي لا تستحق كل هذا التأخير المريب.
والقضايا تحت هذا التساؤل كثيرة ومتشعبة، سأحاول تلخيصها في التالي.
1- عدم اتخاذ قرار بحل وإلغاء الحزب الوطني الديمقراطي وتسليم مقراته للدولة، وهو الحزب الذي لم يفسد الحياة السياسية المصرية فقط؟ بل أفسد حياة مصر بكل نواحيها، اقتصاديا واجتماعيا وأخلاقيا والموقف الإقليمي وقضايا الحريات ...... إلخ، كل ذلك ينبغي أن يجعل المجلس لا يتردد لحظة واحدة في اتخاذ قرار بإلغائه وحظر المشاركة السياسية على أعضائه في الانتخابات القادمة على الأقل .. وما حدث من تسليم بعض المقار للدولة لم يكن ناتجا عن قرار من المجلس، بل عن قناعة من بعض المنتسبين للحزب أنه لم يعد له قيمة أو أهمية في حياتهم، فيمن قاموا بتسليم المقار للدولة لم يكونوا من الفاسدين في غالبيتهم، بل كانوا مثل كثيرين في مصر مضطرين للحصول على عضوية الحزب حتى لا تتعطل مصالحهم .. والدليل على أنه لم يكن بقرار من المجلس، أن بعض القيادات التي كان لها نفوذ أيام مبارك لا زالت تضع أيديها على المقرات في المحافظات وتتحدث باسم الحزب إلى يومنا هذا !!
2- معضلة وزارة الداخلية، وجهازها سيء السمعة \"أمن الدولة\" الذي تحول إلى الأمن الوطني .. وهي ليست معضلة في الحقيقة .. لكن الذي جعلها معضلة هو تجاهل المجلس لمطالبة الجماهير المصرية كافة بحل هذا الجهاز وإعادة بنائه بعناصر جديدة لم تمارس سياسته وتتشبع بثقافته السابقة في التعامل مع المواطنين وقضايا الوطن. ولم يتخذ المجلس ووزارة الداخلية قرارا بحله – وهو قرار صوري من وجهة نظري - إلا بعد زحف الجماهير نحو مقراته .. ومع هذا لم يتغير شيء وعاد التعامل الشرطي المتجهم السيئ مع الجمهور، وتغيرت اللافتة من \"أمن الدولة\" إلى \"الأمن الوطني\" ولكن بنفس العناصر ..
وهذا يدفعنا إلى تساؤل مهم، لماذا تباطأ المجلس إلى هذا الحد في اتخاذ مثل هذا القرار. ولماذا لا يحقق المطالب التي يجمع عليها الشعب إلا بشق الأنفس؟
ورغم ذلك أيضا، فوزير الداخلية يدير الوزارة بالتعتيم والتكتم ولا يطلع الرأي العام على أيٍّ من القضايا المهمة في دليل خطير على سير الوزارة بنفس النهج القديم، وبنفس الثقافة التي لن تنتج إلا جيلا جديدا من الآلهة يرتدون ملابس شرطية!!
3- جهاز الإعلام المملوك للدولة تدور حوله العديد من التساؤلات أيضا .. فلماذا الإصرار على بقاء قيادات معروفة بفسادها المالي والإداري، والإعلامي أيضا، خاصة بعدما ورد ذكر اسم أحد أعضاء المجلس العسكري على لسان عبد الرءوف المناوي على سبيل التهديد للمحتجين على استمراره في رئاسة قطاع الأخبار، وبالتحديد اللواء إسماعيل عتمان .. أنا لا أتهم الرجل بالطبع، ولكن هذا يؤكد أن التعجيل بالإطاحة بهذه القيادات أفضل وأنظف حفاظا حتى على سمعة أعضاء المجلس العسكري.
ولا زالت نفس الوجوه تطل علينا من نوافذ التليفزيون المصري، وأصبحت تنافق الثورة والمجلس العسكري الآن بعد أن نشأت وترعرعت على نفاق النظام السابق، حيث لا يجيدون إلا النفاق. والأسماء معروفة ولا تحتاج إلى ذكرها.
- خامسا: هل هناك تساؤلات أو شكوك أخرى؟ أظن هناك الكثير .. لكن هذه هي أهمها الآن.
فأرجو أن يكون أعضاء المجلس العسكري الأفاضل مدركين لخطورة الوضع، فيبادروا بتطمين القلوب وإراحة النفوس بالإجابة على تلك التساؤلات بشفافية كبيرة ووضح لا يحتمل التأويل .. وإلا فإنها لن تعود شكوكا، وسيصبح توجيه الاتهام بسرقة الثورة أو حرفها عن مسارها لمصلحة قادة المجلس هو أسهل ما يمكن اتهامهم به.