رسالة من المستشار/ محمد المأمون الهضيبي المرشد العام للإخوان المسلمين
بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله- صلى الله عليه وسلم-، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد...
تشهد المنطقة العربية والإسلامية الآن أحداثًا مُزلْزöلَةً، وتُخيم عليها أجواءُ الحرب والظلم والعدوان من قُوى الشرّ والجَور من الأمريكيين والصهاينة، حيث تتواصل عمليات القتل لأبناء الشعب الفلسطيني، وتستمر الاغتيالات بأيدي اليهود الصهاينة لقادة المقاومة في محاولة يائسة للقضاء على مقاومتهم وإخماد انتفاضتهم المباركة التي أقضَّت مضاجعَ السفَّاحين وسفَّاكöي الدماء من بني صهيون، وفي العراق تسيل الدماء ظُلْمًا وجَورًا، ويسقط أبناء العراق قتلىº دفاعًا عن أرضهم وعöرضöهم ضدَّ السَّفَهö الأمريكي، ذلك الغول الذي يُريد أن يبتلع العالم كله، وينشر الظلمَ ويؤسس لشريعة الغاب، مستخدمًا في ذلك القوة الغاشمة ضد الأبرياء العُزّل من شعوب الأمة، فتعُمّ الفوضى، وتكثُر البلوى، وتُهدم القيم الإنسانية، وتتناثر أشلاء البشر في فلسطين والعراق وأفغانستان، وتَصöل يدُ الغدر والقتل إلى المساجد، ويقعُ التقتيل للمصلين والأئمة ورجال الدين حتى الداعين منهم إلى استنفاذ وسائل المقاومة السلمية قبل المقاومة المسلّحة للمعتدين، وما اغتيال الشيخ العلامة الإمام "محمد باقر الحكيم" في (النجف) عنا ببعيد.
وهكذا يتَّسع ويتفاقَم الخطر المُحدöق بالأمة، مُتحلّلاً من كافة القيم والمُثُل لöيَعيثَ في الأرض فسادًا، ويُعمل سöلاحَه المُجرم في رöقاب وأرضö وديار العرب والمسلمين ليقضيَ عليهم- تفتيتًا وتجزيئًا لعالمهم، وهدمًا وطمسًا لهويتهم، وصرفًا لهم عن دينهم-º ليصبح ما يجري في فلسطين وفي العراق وفي السودان، وكافة الأقطار نماذجَ صارخةً داميةً ووحشيةً لهذا العدوان، وصدق الله العظيم القائل: }وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتöلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دöينöكُمْ إöن اسْتَطَاعُوا} ( البقرة: من الآية 217 ).
ويتصور الظالمون المعتدون- عَبَثًا- أنهم بذلك يمكن أن يُحققوا السيطرة والاستقرار لاحتلالهم، وأن ينالوا ثماره ويحققوا أهدافه، فهل حدث هذا الاستقرار وتحققت هذه الأهداف؟ كَلا، لم ولن يحدث هذا الاستقرار، طالما أن المقاومة الباسلة الشجاعة من أبناء الأمة تُزَلْزöل الأرضَ تحت أقدام المحتلين، وتُهدد معاقل الظلم والجبروت، رغْم قöلَّة الإمكانات وانعدام النصير من دول الجوار التي أدارت الظهور، وجرى وضعُ الأصابع في الآذان كما جرى تكميمُ الأفواهº حتى لا يُسمح للشعوب أن تَنْصر الأشقَّاء المُعتدَى عليهم وعلى أرضهم وديارهم في فلسطين وفي العراق وفي كافة الأقطار.
وتتعرض المقاومة في فلسطين بفصائلها المختلفة- وخاصةً (حماس و الجهاد)- لموجات عاتية من العدوان الصهيوني- الأمريكي، ويجري حصارُها للقضاء عليها ولاجتثاث جذورها، إلاَّ أن الله العليَّ القدير أعلى وأعزُّ، وهو ناصرُ حزبَه ومعزُّ جندَه ولو كره الكافرون، وعلى ذلك مضَت سُنَّة الله في كونه، وكتب الأسلاف الصالحون من المؤمنين وسجَّلوا صحائف من نور ستظل خالدةً أبد الدهر حتى يرöثَ اللهُ الأرضَ ومن عليها، وبالإيمان والجهاد والفَنَاء فيهما- عن كل ما سواهما- انتصر الإسلام بالأمس وسينتصر بإذن الله اليوم، وستعلو رايته، وتظهر كلمته، مادامت هناك أجيال لا تحني الهامة إلا للرب، ولا تفرطُ في حق، ولا تنسلخُ عن هوية، ولا ترضى بهوان، ولا تَقْبلُ على دينها وأرضها وديارها وأعراضها أيَّ عدوان، يتمثَّلون ويَمْتثöلون لقول الحق عزَّ وجلّ- كما تمثَّل وامْتثل له أسلافهم-: }قُلْ إöن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإöخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشöيرَتُكُمْ وَأَمْوَالñ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتöجَارَةñ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكöنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إöلَيْكُم مّöنَ اللهö وَرَسُولöهö وَجöهَادٍ فöي سَبöيلöهö فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتöيَ اللهُ بöأَمْرöهö وَاللهُ لاَ يَهْدöي الْقَوْمَ الْفَاسöقöينَ} (التوبة:24).
ولكن هل يستوعب المعتدون الدرس، ويدركون أو يتعلمون من التاريخ ومن الحاضر أن القوة الظالمة لا تُجدي أمام أصحاب العقائد من جند الله، وأن أصحاب الحق منتصرون، ماداموا لربهم ينصرون، ولدينهم متمسكون ومنحازون، لا تغيب عنهم آياتُ الله في كونه وخلْقه وفي كافة الجبارين الطغاة، ولا يغيب عنهم وعدُه للصادقين من عباده، وهو القائل سبحانه: }وَنُرöيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذöينَ اسْتُضْعöفُوا فöي الأَرْضö وَنَجْعَلَهُمْ أَئöمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارöثöينَ* وَنُمَكّöنَ لَهُمْ فöي الأَرْضö وَنُرöيَ فöرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مöنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرونَ} (القصص:5-6).
مسئولياتñ جöسامñ:
إن مسئوليات الحكام والشعوب اليوم جسام، والحساب عليها عسير وعسير، أما مسئولية الدعاة إلى الله- إزاء المجاهدين في فلسطين وفي العراق وكافة الأقطار والديار، وعن مواجهة أعداء الأمة في سعيهم لتركيعها ومصادَرة حقّها في الحياة الحرَّة الكريمة، والنهوض بدورها الريادي والحضاري لنشر النور والحق وتأكيد العدل والإنصاف وترسيخ القيم والمثل- فهي عظيمة.
وإذا كانت الشعوب قد أكدت تمسكها بوحدة الصف والكلمة فعلى الدعاة والمخلصين أن يجسّöدوا هذه الوَحدة حقيقةً على أرض الواقعº بتأكيد وتعميق أواصر الأخوة، وتعزيز وتوثيق روابط العقيدة، كما أن الشعوب قد أكدت في كل المواقف وأمام كل الشدائد أنها مع الجهاد والتصدّöي للعدوان، وأنها الكريمة في العطاء والبذل، والسبَّاقة إلى التضحية... فإنَّ على الدعاة وكافة المخلصين في كافة الديار أن يعملوا حتى يظلَّ سيلُ العطاء والبذل والتضحية مُتدفّöقًا لا ينقطع ولا يتوقف، حتى لو صدرت قراراتñ تُصادر وتجمّد أموال ومصادر إنفاق الذين اعتُقöل عوائلهم، وهُدمت بيوتُهم، وجُرفت أرضُهم، وأُغلقت أو دمّöرت معاهد تعليمهم.
كما أن مهمة المخلصين المهمومين بهموم الأمة والدعاة إلى الله، على كافة الساحات، هي تفويت الفرصة على قوى البغي، التي تسعى لبثّ الفتن الطائفية لدفع قوى وطوائف الأمة لمحاربة بعضها البعض.
والتفجير الإجرامي الذي أوْدَى بحياة آية الله السيد "محمد باقر الحكيم" ومائةٍ وعشرين من أبناء الشعب العراقي الأبرياء- في بيت من بيوت الله- مثالñ من أمثلة السعي الدنيء لإحداث هذه الفتنة النّكراء البشöعةº مما يحتّöم على علماء الأمة الدعاةö والمخلصين كشْفَ مخططات الطغاة.. وتوجيهَ الأذهان والأبصار إلى خُبْث مقاصدöهم، وسُوء نواياهم، وليظل قول الله- عز وجل- راسخًا متجذّöرًا في القلوب والعقول، ينطبع عملاً وفعلاً على السلوك والتصرف... }وَالْمُؤْمöنُونَ وَالْمُؤْمöنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلöيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بöالْمَعْرُوفö وَيَنْهَوْنَ عَنö الْمُنْكَرö وَيُقöيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطöيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئöكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ إöنَّ اللهَ عَزöيزñ حَكöيمñ} (التوبة:71).
واجبñ مقدسñ:
إن جهاد الأعداء واجب مقدس، والأُمَّة أمام موقف فاصل... إما الركوع لغير الله، وطمس وضرب العقيدة، والسيطرة على الأرض والديار والمقدسات، ونهب الثروات... وإما المواجهة استجابةً لأمر اللهº دفاعًا عن العقيدة وعن الأرض، وعن العزة والكرامة... وصدق الله القائل: {يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا اسْتَجöيبُوا للهö وَلöلرَّسُولö إöذَا دَعَاكُم لöمَا يُحْيöيكُمْ} (الأنفال: من الآية24).
أما رجال المقاومة في فلسطين والعراق وكافة الديار فنقول لهم صبرًا، ونذكُر معهم ونذكّöرُهم وكافةَ المجاهدين في كل حين بقول الله: {يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا اصْبöرُوا وَصَابöرُوا وَرَابöطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلöحُونَ} (آل عمران:200 )، وقولöه: {وَلاَ تَهöنُوا فöي ابْتöغَاءö الْقَوْمö إöن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإöنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مöنَ اللهö مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللهُ عَلöيمًا حَكöيمًا} (النساء:104 ).
إن ما يجري اليوم على ساحة عالَمنا هو حلقةñ من سلسلة الصراع بين الحق والباطل، وهي حلقةñ ممتدةñ منذ آدم إلى قيام الساعة، والحق فيها منتصرñ، والباطل فيها زهوقñ، وسيُهزَم الجمعُ ويولُّون الدُّبر، ما دام لله في أرضه جنودُه الصادقون، الذين ينصرونه فيستحقون وعدَه ونصرَه... {يَا أَيُّهَا الَّذöينَ آمَنُوا إöن تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبّöتْ أَقْدَامَكُمْ} (محمد:7)، {وَاللهُ غَالöبñ عَلَى أَمْرöهö وَلَكöنَّ أَكْثَرَ النَّاسö لاَ يَعْلَمُونََ} (يوسف: 21).
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.