في الأسبوع الماضي – وفي مقابلة مع صحيفة هآرتس الصهيونية- أعرب السيد ياسر عرفات الذي تحاصره القوات الإسرائيلية بالمقاطعة في رام الله عن تفهمه لبقاء إسرائيل دولة يهودية، ولمح بان اللاجئين الفلسطينيين في الأردن ومصر وأوروبا الشمالية وألمانيا لا يريدون العودة.!! وقال أن المجلس الوطني قد وافق على ذلك رسميا وبشكل علني أثناء اجتماعه في 1988 وأكد على ذلك بحضور بيل كلينتون عام 1996.
وللأسف فإن هذا التصريح ليس جديدا ، فقد سبق للرئيس المؤتمن على حقوق الشعب الذي انتخبه أن صرح في مقاله الشهير الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية يوم الثالث من شباط / فبراير 2002، والذي جاء فيه أن "حق العودة الوارد في القرار رقم 194 يجب أن يطبق بطريقة تأخذ في الحسبان الوضع الديموغرافي في إسرائيل". وسبق للرئيس أن وافق على خريطة الطريق التي تفرط بحق العودة والتي قال وزير خارجية الكيان الصهيوني في أكثر من مناسبة أن تطبيقها متعذر دون التنازل الصريح عن حق العودة. ووافق الرئيس على إرسال وفد فلسطيني لحضور حفل التوقيع على التفريط بحق العودة وفقاً لوثيقة العار المسماة وثيقة جنيف، كما سبق للرئيس أن وافق على خطاب بوش في مؤتمر البحر الميت في العقبة أمام رئيس الوزراء الفلسطيني والملك الأردني والرئيس المصري، والتي أكد فيها على يهودية دولة الاحتلال بما يعنيه ذلك من أن المؤامرة ليس فقط على حق خمسة ملايين من اللاجئين الفلسطينيين .. بل ويهدد الوجود الفلسطيني داخل الخط الأخضر ويعني إعطاء شرعية لعملية تهجير لفلسطينيي 48 مستقبلاً باعتبارهم ليسوا يهوداً. كما وافق على تعهدات بوش الأخيرة للمجرم شارون بشأن عدم عودة اللاجئين.. ووافق ضمناً على مخطط شارون للتوسع والاستيطان الذي اشترط فيه شارون بالإضافة للتخلي عن حق العودة شروطاً كثيرة.. منها أن يقوم الفلسطينيون بتغيير قيادتهم!!.
يبدو أن السيد الرئيس ما زال يظن أنه بتقديم المزيد من التنازلات سترضى عنه أمريكا وإسرائيل وتعطيه شيئاً من الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني، أو أن التنازلات يمكن أن تؤدي إلى تغيير السياسة الصهيونية، فقد ثبت على الدوام أن التنازل يؤدي إلى مزيد من التشدّد الصهيوني، ومزيد من المراوغات، ومزيد من المطالبات التي لا تنتهي وأن التنازل لا يقود إلا إلى المزيد من التنازل وضياع الحقوق، وقد غاب عن سيادة الرئيس كذلك بأنهم يريدون من خلال الضغط والحصار المتواصل أن يقدم المزيد من التنازلات لتشويه تاريخه النضالي واستخدام ما تبقى من ذلك الرصيد للحصول منه على توقيع مهين يتنازل بموجبه الرئيس عن تلك الحقوق الثابتة والتاريخية للشعب الفلسطيني، وهم يعلمون أن توقيع الرئيس الرمز ليس كتوقيع أي من القيادات المحسوبة عليهم والتي يطالبون صباح مساء بتسليمها الصلاحيات. وبعدما يتحقق لهم ذلك سيصدر سيد البيت الأبيض أوامره بالتغيير وتبدأ مراسم التنصيب لأحد "النصابين" الذين تصنعهم أمريكا وإسرائيل وتهيؤهم لهذه المرحلة... وعند ذلك سوف يصعب على محبي الرئيس عرفات الدفاع عنه لأن هامش الفرق بينه وبين غيره سيضيق لدرجة الانعدام.
فهل يدرك الرئيس خطورة الموقف قبل فوات الأوان، ويتخذ القرار الصحيح ويقلب الطاولة على أولئك الطامحين الصغار الذين يتطلعون إلى السيطرة على البيت الفتحاوي ومن ثم الاستيلاء الكامل على السلطة بدعم وتشجيع من أطراف عديدة خارجية: أمريكية وإسرائيلية... وعربية! هل يدرك الرئيس ذلك ويكف عن هذا المسلسل من التصريحات والتنازلات ويعود إلى التمسك الكامل بالحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني وعلى رأسها حق العودة..؟
ومما لا شك فيه بأن السيد الرئيس يدرك بأن قضية اللاجئين وحق العودة قضية في غاية الحساسية والخطورة ، وأن محاولات القفز عنها ستؤدي إلى مضاعفات خطيرة على القضية الفلسطينية برمتها وعلى الشعب في الداخل وفي الشتات ... وللتدليل على ذلك أذكر بعدد من الحوادث ذات الدلالة الواضحة والتي بعثت برسائل مفادها بأن الشعب الفلسطيني لم يعد يحتمل المتاجرة بحقوقه وشهدائه ، وأنه لن يسمح لأحد مهما كان موقعه أن يستمر في الاستخفاف بحقوقه الثابتة والمتاجرة بها....
فقبل سنة تقريباً، وعلى بعد مئات الأمتار من المقر الذي يحاصر فيه السيد الرئيس ياسر عرفات هاجم جمع غفير من الفلسطينيين الغاضبين المركز الفلسطيني للبحوث والدراسات ومركزه رام الله وقاموا بتكسيره وإتلاف ما فيه من أجهزة وأثاث لأنهم شعروا بالإهانة الشديدة عندما نشر المركز استطلاعا للرأي ادعِِى فيه أن نسبة 10% فقط من اللاجئين الفلسطينيين في الضفة والقطاع وفي الأردن ولبنان يرغبون في العودة إلى بيوتهم التي هجروا منها عام 1948. ولم ينفِع المركز حينئذ محاولات القائمين عليه تفسير الأرقام لصالح التمسك بحق العودة وأن المقصود هو التأكيد أن حق العودة هو أحد الشروط التي يجب تحققها من أجل أن يكون هناك سلام دائم وعادل في المنطقة.
وقبل ستة أشهر شهدت رفح تظاهرة حاشدة ضد وثيقة جنيف المشبوهة، كما نفذ إضراب تجاري احتجاجا على توقيعها. ورفع المتظاهرون الذين تقدمتهم طلائع حركتي فتح وحماس لافتات تندد بالوثيقة وطالبوا بمقاطعة وملاحقة ومحاسبة كل الأطراف الفلسطينية التي شاركت في هذه الوثيقة. واتهم المحتجون أعضاء الوفد الفلسطيني بالخيانة، وقام عدد من المتظاهرين الغاضبين بمحاولة ضرب أعضاء من الوفد الفلسطيني الذين كانوا في طريقهم إلى القاهرة للمشاركة في حفل توقيع الوثيقة. أما كتائب شهداء الأقصى المنبثقة من حركة فتح فقد اعتبرت أن مبادرة جنيف "تشكل تنازلا خطيرا عن جوهر القضية الفلسطينية وتخليا عن الحقوق الوطنية والتاريخية الثابتة للشعب الفلسطيني", وحذرت-حسب بيانها- "الساقطين المرتدين من التلاعب بمصير الفلسطينيين".
وقبل شهر تقريبا احتشد الآلاف من فلسطينيي أوروبا -الذين يقول الرئيس بأنهم لا يريدون العودة إلى وطنهم- في مؤتمر تاريخي نظمه مركز العودة الفلسطيني في لندن والجالية الفلسطينية في برلين وحضره ممثل منظمة التحرير الفلسطينية السيد عبدالله فرنجية وعشرات المؤسسات من دول أوروبية مختلفة تمثل الجالية الفلسطينية في أوروبا.
هذا المؤتمر الحاشد الذي عقد في برلين الشهر الماضي تحت شعار "لن نتنازل عن حق العودة ولم نخول أحداً بالتنازل عنه" صدرت عنه "وثيقة برلين التاريخية" للرد على وثيقة جنيف وغيرها من المشاريع الهزيلة التي تفرط بحق العودة، هذه الوثيقة المهمة تؤكد تمسك فلسطينيي أوروبا بحقهم في العودة وتعلن أن كل المشاريع والحلول المطروحة لن تكون مقبولة ولن يكتب لها النجاح ما لم تأخذ بالاعتبار إعادة الحقوق الكاملة للشعب الفلسطيني وعلى رأسها حق العودة لكل اللاجئين والنازحين والمبعدين إلِِى بيوتهم وقراهُم ومدنَهم التي هجّروا منها قسراً. وأن الشعب الفلسطيني الذي ضحى طيلة ست وخمسين سنة من أجل استعادة حقوقه الكاملة على استعداد للاستمرار في التضحية والمقاومة إلى أن يتحقق حلم العودة والتحرير وإقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
في ذلك المؤتمر الذي حضره آلاف الفلسطينيين من أنحاء أوروبا كانت الرسالة في غاية الوضوح وهي أن اللاجئين الذين يتمتعون بكل أسباب العيش بأمن وكرامة ورخاء حريصون كل الحرص على حقهم في العودة ويرفضون مشاريع التوطين.
نعم .. لقد قال المؤتمرون بكل وضوح أن أجسادهم تعيش في لندن وبرلين وكوبنهاجن وبرشلونة وفي روما وأثينا ... ولكن قلوبهم معلقة بالقدس وبيت لحم ونابلس ويافا وحيفا وصفد وجبال الكرمل وسهول جنين القسام.
وقالوها صراحة أن حق العودة هو حق للاجئ الفلسطيني وليس لسياسي أو أكاديمي صاحب أفكار براغماتية تصفق لها واشنطن. وليس من حق أحد أن يساوم على القرار الفلسطيني الذي أستشهد لأجله الألوف وقتل من أجله خيرة شباب هذا الوطن ممن حاول اختراق الحدود للعبور إلى الوطن المغتصب.
وفي المؤتمر خاطب السيد جمال الشاتي، رئيس لجنة اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية، المؤتمرين مؤكدا لهم بأنّ المنظمة ما زالت تعتبر قضية اللاجئين هي القضية المركزية للشعب الفلسطيني وأنها هي جوهر الصراع. وأكد للحضور بأن من يحاول التطاول على الإجماع الوطني الفلسطيني، والتطاول على الثوابت الوطنية الفلسطينية، سواء ممن يحملون الصفة التمثيلية للشعب الفلسطيني أو غيرهم من قصيري النفس الذين يتخذون من الضعف الحالي للأمة مبررا للتنازل بحجة الواقعية.. فيظلموا بذلك أنفسهم ويظلموا الأجيال القادمة ويظلموا القضية .. وعندئذ لن يرحمهم الشعب ولن يرحمهم التاريخ، وفي هذا السياق لم يتردد الشاتي بالقول أن "حق العودة حق مقدّس تُجندل دونه الرقاب".
هذه بعض الرسائل التي يرسلها الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات لرئيسه المؤتمن على الحقوق الوطنية، و هذه عينة من مواقف الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع وهذه ردة فعلهم تجاه من يحاول التلاعب بحقوقهم الثابتة، فهل يستمد الرئيس منها الأمل والقوة ... أم أن رأي الشعب لم يعد له قيمة ؟
وأخيراً آمل أن لا تكون حالة الحصار والتهديد التي يعاني منها الرئيس قد بدأت تؤتي أكلها وتؤثر على معنويات الرئيس، ويبدو أنها قد ألغت من قاموس الرئيس عبارته المشهورة " يا جبل ما يهزك ريح".
---------------------------------------
* رئيس أمناء مركز العودة الفلسطيني - لندن