بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أوضح لعباده قيام دينه على المصالح ، والصلاة والسلام على نبيه الذي كبت المفاسد وأهلها .
أما بعد :
فقد استفتاني أهل الحرص على مستقبل الإسلام في بلاد الغرب حول مدى وجوب مشاركة المسلم في الانتخابات والإدلاء بصوته للمرشح الأقرب إلى العدل ، الأقل ضرراً على الوجود الإسلامي .
وواضح أن معظم أفراد الجالية الإسلامية في البلاد الغربية قد تجاوزوا الحاجة لبرهان يدل على جواز ذلك ، إذ المصلحة واضحة ، وكثر إفتاء العلماء الثقات بتسويغها ، وكنتُ ُأصرح بذلك من غير حماسة ، لهدوء الأحوال ، ولكني من بعد ما طرأ في الساحة التوجه العنصري القومي الحادّ الذي يريد أن يضيّق على الهجرة وعلى الجاليات الإسلامية ويمنعها حقوقها ، وما في ثنايا ذلك من احتمالات نمو العنف والعدوان على أبناء الجاليات ومؤسساتهم : أصبحتُ أرى عدم الاكتفاء بتجويز الإدلاء بالصوت الانتخابي ، وأن مَن شاء فعل ومن شاء سكت وتخلّف ، بل أنا الآن أجزم بيقينٍ أن إدلاء المسلم بصوته لصالح المعتدل الأقل ضرراً الأقرب إلى الحياد إنما هو واجب في النظر الشرعي لا يسعه التخلف عنه ، ويأثم المتخلف من غير عذر .
وتضاعف اعتقادي هذا بعد مراقبتي لمعركة الانتخابات الرئاسية الفرنسية يوم 5/5/2002 م ووضوح الخطورة التي كانت تصاحب فوز مرشح التيار العنصري ، وقد تبين لي أن الفوز الكاسح الذي حققه الرئيس شيراك بنسبة 82.5 % يجب أن يتكرر في البلاد الأخرى المهدَّدة بصعود المتطرفين ، وللقضية أبعاد سياسية أخرى تنعكس على بلادنا الإسلامية أيضاً وليس على الجاليات فقط ، لما عند المعتدلين من ميل لكبح جماح الغرور الأمريكي واليهودي ، ومحاولة رفع الحصار عن العراق ، وعدم إحراج السودان أو تفتيت اندونيسيا ، والتعامل مع قضايا إسلامية أخرى تعاملاً أقل توتراً ، ولا ينبغي لمسلم أن يتقاعد ويتكاسل عن الإدلاء بصوته إذا رأى أن رجحان فوز المعتدل يكون مضموناً ومؤكدا ، بل لابد من تحقيق الفوز الكاسح على المثال الذي حصل لشيراك ، لتضييق فرص المتطرفين في التأثير عبر البرلمان أيضاً وليس عبر مركز الرئاسة فقط .
ولذلك كله أرى ، وبالمقدار الذي حِصل لي بحمد الله من الموازين والعلوم الشِرعِية والفقه الإيماني : أن إدلاء المسلم بصوته الانتخابي لمرشحي التيارات المعتدلة في البلاد الغربية النصرانية صار في عداد الواجبات الإسلامية ، لوجود منافس متطرف عدو للإسلام ، وفتواي تسري على الأحوال المماثلة في بلاد الشرق الأقصى البوذية أيضاً ، وعلى الهند وسريلانكا ، وحيثما يكون هناك تنافس سياسي على هذا النمط .
وأنا في كل ذلك إنما ُأتابع على وجه الخصوص شيخنا كبير فقهاء العراق الدكتور عبد الكريم زيدان عميد كلية الحقوق في جامعة بغداد سابقاً ، حين انتهى في آخر بحوثه إلى القول بأن الموقف السلبي عند مثل هذه المنافسات في بلاد الكفر هو من ( غير الجائز شرعاً ) ، وهو تعبير في لغة الإفتاء يلتقي مع قولنا بوجوب التِصويت ويعِني نِفِس مفِاده . ثِم أردف ذلِك بِقِولِه : ( وعليهم أن ينِتِخبوا غير المسلم الذي يؤمل منه شيء من الخير بتحقيق شيء من المصلحة ودرء المفسدة للمسلمين في تلك الدولة أو للمسلمين الموجودين خارجها ) ، وتعبير " عليهم " له أيضاً نفس مفاد الوجوب عند متداولي اللغة الفقهية الأحكامية ، وقد أودع فضيلته هذين التعبيرين بحثه المعنون ( الديمقراطية ومشاركة المسلم في الانتخابات ) المقدم إلى مؤتمر رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة في 21 شوال 1422 هِ ، وأورد أولاً صيغة تساؤلية فقال : ( هل يجوز للمسلم المشاركة في هذه الانتخابات في ظل نظام الحكم الكافر لهِذه الِدولة الكافِرة ، فيِنِتِخب رجلاً كافراً ، أو لا يجوز له ذلك وعليه عدم المشاركة في هذه الانتخابات ؟ ) وأجاب واثقاً أن الذي يراه هو ( جواز ذلك كلما كان في هذه المشاركة مصلحة له ولغيره من المسلمين في داخل تلك الدولة أو في خارجها . ) .
ثم ساق الأدلة على صواب ما ذهب إليه فقال :
• جواز انتقاء جزئية نافعة من نظام كافر :
يجوز للمسلم أن يستفيد من جزئية نافعة له وإن كانت هذه الجزئية من نظام كافر ، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أخذوا من نظام الكفر في قريش ، جزئية الأخذ ( بالجوار ) ، بمعنى : يجوز أن يعلن الرجل الكافر ذو المكانة والنفوذ في قومه بأنه أجار فلانا ، وترتيب على هذا الإعلان تعهد المجير بالدفاع عن من أجاره ، وبالتالي فإن قوم المجير وغيرهم يحترمون جواره فلا يصلون إلى من أجاره بأذى ، لأن مثل هذا الصنيع يعتبر إيذاء للمجير واعتداء عليه ونقضا لعهده ، وكل هذا لا يجِوز في عِرفِهِم . وفي السيِرة النِبِوية الشريِفة وسيِرة أصحابه أمثِلة عِلى أخِذهِم بجِزئِيِة ( الجوار ) ومن هذه الأمثلة ما يلي :
• الأمثلة على أخذ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بجوار الكفار :
• أولاً : لما رجع صلى الله عليه وسلم من الطائف لم يدخل مكة إلا بجوار المطعم بن عدي فقد أرسل صلى الله عليه وسلم عبد الله بن الأريقط إلى المطعم بن عدي ليجيره ، فقال المطعم : نعم ، قل له فليأت ، فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم فبات عنده تلك الليلة : فلما أصبح خرج هو وبنوه ستة أو سبعة مقلدي السيوف جميعاً فدخلوا المسجد ، فأقبل أبو سفيان بن حرب إلى المطعم فقال : أمجير أم تابع فقال : مجير . فقال أبو سفيان إذن لا ُتخفر ذمتك ( 1 ) ، وكان ذهاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف ورجوعه منها بعد وفاة عمه أبي طالب .
• ثانياً : وكان صلى الله عليه وسلم في جوار عمه أبي طالب راضياً بهذا الجوار ، ولما دخل أبو سلمة بن عبد الأسد في جوار خاله أبي طالب سعى إليه جماعة من بني مخزوم فقالوا له : يا أبا طالب لقد منعت ِ أي أجرت ِ ابن أخيك محمداً فمالك ولصاحبنا ِ أي أبي سلمة ِ تمنعه منا ؟ فقال أبو طالب : إنه استجار بي وهو ابن أختي وإن لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن أخي ( 2 ) .
• ثالثاً : أراد أبو بكر الصديق رضي الله عنه الهجرة إلى الحبشة واللحاق بمن سبقه من المسلمين ولكن أحد أشراف العرب وهو ابن الدغنِّة لحق به وأجاره ورده إلى مكة ، وقال له مثلك لا يَخرج ولا ُيخرج ( 3 ) .
• رابعاً : ولما رجِع المهاجِرون المسِلِمون إلى الحبِِشة إلى مكة لما بلغهم خفة إيذاء قريش للمسلمين ، وتبين فيما بعد أن ما بلغهم من خفة إيذاء قريش غير صحيح لم يدخل من دخل منهم مكة إلا بجوارٍ أو مستخفياً ، وكان ضمن من دخل بجوارٍ : عثمان بن مظعون رضي الله عنه ، دخل بجوار المغيرة وهو كافر ( 4 ) .
• خامساً : أجار العاص بن وائل السهمي عمر بن الخطاب في مكة بعد أن علمت قريش بإسلامه( 5 ) .
_______________
( 1 ) ( 2 ) ( 3 ) ( 4 ) ( 5 ) السيرة النبوية للدكتور محمد أبو شهبة ج 1 ص 404 ، 36 ، 381 ، 361 ، 358 .
• الحكمة والدلالة من أخذ المسلم بجوار الكافر .
أما الحكمة في جواز أخذ المسلم بجوار الكافر فهي دفع الأذى والهلاك عن المسلم بطريقة لا تخدش معاني الإسلام وأحكامه ، والدلالة في هذا الجواز ، جواز القياس عليه بالأخذ بجزئية من نظام الكفار ، أي يأخذ المسلم وهو في الدولة الكافرة بجزئية من قانونهم إذا كان في الأخذ بهذه الجزئية مصلحة أو درء مفسدة له ولغيره من فئة المسلمين المقيمين في هذه الدولة ، وبناء على هذا يجوز للمسلم وهو في هذه الدولة غير الإسلامية إذا كان له حق الانتخاب ِ انتخاب أعضاء البرلمان ِ أن يستعمل حقه بالمشاركة في الانتخاب فينتخب من الكفار لعضوية البرلمان من يؤمل منه مصلحة أو درء مفسدة له أو لغيره من المسلمين داخل هذه الدولة أو خارجها أو يؤمل منه على الأقل الحياد في قضايا المسلمين ، لأنه إذا لم يتيسر تحقيق المصلحة أو درء المفسدة ، فعلى الأقل السعي لتقليل المفسدة ، ومن صور تقليل المفسدة انتخاب من يؤمل منه ذلك ، وأن لا بديل عنه إلا انتخاب الأسوأ والأكثر ضرراً ومفسدة ً للمسلمين ، أو ترك المشاركة في الانتخابات ، وليس في هذا الترك جهد يقدمه المسلم لجلب الخير ودفع الشر أو تقليله عن المسلمين قدر الإمكان وليس مثل هذا الموقف السلبي بالموقف المرغوب فيه شرعاً ، إن لم نقل غير الجائز شرعاً .
• ومن أدلة جواز مشاركة المسلم في الانتخابات بدار الحرب إضافة ً إلى ما قلناه :ِ أن الشرع أباح للمسلم النطق بكلمة الكفر لدفع الأذى عن نفسه ِ أذى الكفار الذين يريدون منه النطق بهذه الكلمة ِ فمن القياس المقبول على هذه الإباحة جواز مشاركة المسلم في الانتخاب بدار الكفر ، وانتخاب من يؤمل منه الدفاع عن حقوق المسلمين ودفع الأذى والضرر وتعسف السلطة معهم ، ولا يقال هذا مجرد أمل ولا يقين فيه ، لأن المعاملات يكفي فيها الأخذ بالظن الراجح أو المقبول ما دام الأخذ لا يخالف الشرع .
• ومن الأدلة أيضاَ للمشاركة أنها تبنى على أصل عظيم من أصول الشريعة وهو تحقيق مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية : ( إن الشريعة الإسلامية جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها . ) ( 6 ) وقال الإمام ابن القيم ( الشريعة بناؤها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها . ) ( 7 ) ومن الواضح أن مشاركة المسلم في الانتخاب بدار الحرب لينتخب من يأمل منه بانتخابه مصلحة أو درء مفسدة له ولغيره من المسلمين المقيمين في هذه الدولة ولغيرهم في خارجها ، هذه المشاركة تتفق وتنسجم مع مقصد الشريعة في تحقيق المصالح للعباد .
___________________
( 6 ) منهاج السنة النبوية لشيخ الإسلام ابن تيمية ، ج 1 ص 147 ، وج 2 ص 240 ، وج 3 ص 118 .
( 7 ) إعلام الموقعين لابن القيم ج3 ص1 .
• انتخاب المسلم أحد المسلمين لعضوية البرلمان :
ما تكلمنا عن مشروعيته وهو مشاركة المسلم في الانتخاب في دار الحرب ( الدولة غير الإسلامية ) من جهة مدى مشروعية انتخاب المسلم هنا لكافر لعضوية البرلمان ، وقد انتهينا في بحث هذه المسألة إلى جوازها ، ونتساءل الآن هل يجوز للمسلم في دار الحرب انتخاب واحد من المسلمين المقيمين معه في تلك الدار . الذي أراه إذا كان قانون تلك الدولة ُيجيز ذلك ، فأرى الاستفادة من هذا الجواز واختيار المسلم الكفؤ الصالح الورع الملتزم ليكون عضواً في البرلمان ليعلن صوته مطالباً بحقوق المسلمين ومدافعا عنهم ضد أي أذى وضرر أو تعسف في استعمال السلطة ، حتى لو اعتمد في مطالبته ودفاعه بقوانينهم الكافرة التي تمنع الإضرار بالغير أو التعسف في استعمال السلطة ، لأن النص في قانون كافر على جزئية صحيحة بذاتها ، كالنص منع على إلحاق الأذى والضرر بالغير أو منع الظلم أو منع التعسف في استعمال السلطة ، فهذه جزئيات صحيحة ونقبلها ويجوز أن نستند إليها في مطالبتنا بحقوقنا وبالدفاع عن أنفسنا ضد من يضرنا ويؤذينا ، وتجويزنا انتخاب المسلم غيرَه من المسلمين للعضوية في البرلمان إنما تجوز وتقدم على انتخاب الكافر ، إذا أمكن انتخابه بوجود عدد كاف من الناخبين له من المسلمين ومعهم بعض من غير المسلمين ، أما إذا لم يتيسر اختيار المسلم للعضوية في البرلمان لقلة أصوات الناخبين المسلمين ، فالذي أراه أن لا يبددوا أصواتهم فيما لا يجدي ، وعليهم أن ينتخبوا غير المسلم الذي يؤمل منه شيء من الخير بتحقيق شيء من المصلحة ودرء المفسدة للمسلمين في تلك الدولة أو المسلمين الموجدين خارجها . ) .
انتهى النص المقتبس من بحث الأستاذ الدكتور عبد الكريم زيدان ، وأنا من بعده بذلك ُأفتي ، مستشعراً مسؤولية الفتوى ، حامداً الله تعالى ، و مصلياً ومسلماً على نبيه وعلى آله وصحبه أجمعين .
محمد أحمد الراشد
6/5/2002 م