الدكتور عصام الراوي .. شهيد الكلمة المجاهدة
هكذا هو حال المسلم الداعية العالم العامل، مشروع شهادة وتضحية وبذل في سبيل الله، لا يكل ولا يمل، لا توقفه العوائق او العقبات، يخرج من محنة ليواصل الدرب ويستأنفه من جديد، لا يعرف قاموسه كلمات التراجع والهرب والنكوص حتى لو كان الثمن حياته التي وضعها كلها مع ما يملك من أجل الدعوة التي إنتمى إليها وتشرف بالإنتساب لها.
وهكذا كان شهيدنا الأخ الغالي د. عصام الراوي، رحمه الله، والذي ارتقت روحه الطاهرة بعدما بذل كل ما يملك خدمة لدينه ووطنه وأبناء شعبه، فالذي يعرف الشهيد عن كثب يدرك إنه كان مثالاً حياً للإلتزام الصادق بتعاليم هذا الدين الذي آمن به وفهمه من خلال المنهج الوسطي المتوازن الذي لا يعرف التطرف ولا الغلو مطلقاً ه، فعكس بذلك الصورة المشرقة للإسلام في مختلف المحافل العربية والعالمية وكان خير سفير للدعوة المباركة في شتى الأصقاع والأنحاء.
يحار المرء وهو يكتب عن رجل صدق العهد مع الله، من أين يبتدئ وعن أي مرحلة يركز وعند أي محطة من محطات حياته الكثيرة الحافلة يقف؟!! فالرجل الذي إلتزم طريق الدعوة منذ نعومة أظفاره كان معروفاً عنه همته العالية ونشاطه الواسع الذي لم يتوقف أبداً حتى حان موعد نيله شرف الشهادة في سبيل الله.
وكانت هذه الهمة العالية هي الدافع لكي يواصل الشهيد عصام الراوي طريق العلم حتى نال الدكتوراه في علوم الجيولوجيا وبتفوق ومن ثم عرفته الجامعات العراقية والعربية بعد ذلك أستاذاً يمتاز باتساع المعرفة والقدرة الفائقة على إيصال المعلومات الثرة الغنية إلى المتلقين بمختلف اعمارهم بسهولة ويسر.
وضم الشهيد الراوي إلى جانب معرفته العلمية الواسعة تلك خُلقاً إسلامياً رفيعاً وعالياً فالرجل يهزك تواضعه ويؤثر فيك شخصه الذي لم يعرف التكبر او الكره أو البغضاء يوماً، أبداً بل على العكس إنك لا تستطيع إلا أن تكبر فيه هذه الصفات الحميدة حتى وإن إختلفت معه في الأفكار والمواقف.
وعرفت الساحة الدعوية ومنذ ستينات القرن الماضي الراوي داعية هماماً وفارساً من فرسان الدعوة حتى كاد يفقد حياته بسببها وبسبب مواقفه المبدئية المعارضة للنظام السابق في عام 1987، فكان أن مد الله في عمره ليواصل البذل ولينال الشهادة بعد 19 عاماً على يد من لم يراعوا حرمة الدم المسلم وهي عند الله عظيمة.
ومن طبيعة المسلم الصادق المخلص أن يكون رجل الميدان في اوقات المحن والتحديات، وهكذا كان شهيدنا الحبيب عند وقوع العراق تحت الإحتلال البغيض، فمنذ اليوم الأول لم يقف مكتوف الأيدي او ظل حبيس داره او فعل مثل الكثيرين ممن آثروا الهروب إلى الملاذات الآمنة، أبداً فقد كان السباق إلى الإسهام بكل الأعمال التي رأى فيها مصلحة البلد وأهله فكان عضواً مهماً في هيئة علماء المسلمين، وأسس رابطة التدريسيين الجامعيين في العراق، وأصبح المدافع الأول عن حقوق أساتذة الجامعات والكفاءات العراقية ولطالما عرفته المنابر والمحافل بصوته الصادح بالحق بوجه من أصبح اداة بيد الأجنبي ليفرغ العراق من كل الكفاءات العلمية من أجل إرضاء الأعداء الماكرين القابعين خلف الحدود.
وحين بدأت بوادر الفتنة تلوح بالأفق من خلال المخططات الخبيثة التي تروم إيقاد نار الحرب الأهلية كان صوت الأستاذ الراوي، رحمه الله، حاضراً كذلك فهو من أبرز الشخصيات الداعية للوحدة وظل حتى إستشهاده يرفع لواء الدعوة إلى التكاتف والتآزر وإبطال مخططات الأعداء والخصوم والكل يعلم موقفه المشرف عقب أحداث تفجيرات سامراء التي كانت نقطة البدء لمسلسل القتل والإغتيال الذي تقوم به الميليشيات الطائفية، ولا تزال بحق أهل العراق الأصلاء فقد وقف بصلابة مع إخوة له يدافع عن وحدة البلد وبقي المنادي بشعار العراق الموحد القوي وظل المؤكöد على اليد الأجنبية التي تعيث بالعراق اليوم فساداً.
هذا هو الدكتور الشهيد عصام الراوي، رحمه الله، سجل حافل بالعمل والعطاء ومجاهدة بالكلمة الصادقة ومرابطة على أرض العراق حتى نيل الشهادة، فرحمك الله يا أستاذنا وتقبلك شهيداً وحشرك مع النبيين والصديقين والشهداء وحفظ الله العراق وأهله وحسبنا الله ونعم الوكيل.
إنا لله وإنا إليه راجعون.