"الدعوة الجماعية تعتمد على الخطابة والحماسة وإثارة المشاعر، والدعوة الفردية لها خصائص وأسلوب ومراحل، فهى المرحلة الثانية للشرح، والتوضيح، والتبيين بالحجة، والدليل، والبرهان، وفى النهاية هى بيت القصيد وجنى الثمار.
فإن الأخ الذى ندعوه للفهم لا يعتنق الفكرة بين يوم وليلة!، وليس فى أى حال، سواء نفسيا أو صحيا أو اجتماعيا، بل أحيانا تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن!!، وإنما تبنى وتتركز الفكرة على القراءة، والحوار، وعلى مدى سنوات طوال، وأحيانا على المراجعة، حين تتدخل عوامل، وهواجس نفسية أو ظنية، بفعل الحوادث التاريخية، وكذب وتضليل الإعلام وأصحاب الأقلام العدائية.
لهذا ينبغى أن نتأنى على الفرد، حتى تتاح له فرصة أوسع، فى جو آمن نفسيا، بعيد عن ضغوط الزملاء، الذين ربما يكون منهم من تنتابه مشاعر الكراهية أو العداء الخفى، الذى يكمن فى أعماقه، فيكون عاملا مثبطا أو معكرا لجو المناقشة، أو عنده عادة الجدل والمراء الذى لا يأتى بخير.
ولكن الدعوة مع الفرد فى جو سمح هادئ ودود تتيح فرصة للتفاهم، والرد على ما يوجهه من أسئلة أو تهم، أو شبهات، مما يكون قد قرأها، أو سمع بها، أو تدور فى نفسه، ويكن الرد عليه فى صراحة ووضوح كامل لا لبس فيه ولا غموض، بحيث لا يكون هناك مجال للجدل بعد ذلك، فتضيع الثقة، وينهار البناء، ومع الأيام يدعم هذا النقاش الفكرى: السلوك الإسلامى الرفيع، الذى نتعايش به معا فى مجموع الإخوة، بما يعمق فى نفسه تقديرا للفكرة والجماعة: من حسن المعشر، وحسن السمت، والحكمة فى التعامل، والتصرف اللائق، والحدب والحب، والعون فى قضاء حاجات الإخوان، والسؤال عن غائبهم، والتكافل فيما بينهم، وحب الخير للناس كافة.
إن معايشة الأخ فى الدعوة الفردية لها أهميتها الكبرى فى توثيق الروابط بينهما، والتقاء قلبيهما، والتعاطف والحب الذى يوثق هذه الرابطة، ويقوى أواصر العقيدة، مع الحرص على تهيئة المناخ للاندماج فى محيط الجماعة، وحين ذاك تستقبله القلوب بالحب والترحاب."