"زارنى فى المكتب أربعة من الإخوة، وكانت فرصة- كما تعودنا - أن نسأل السؤال الذى درجنا عليه فى حالة التعارف، وكان الأربعة على رأسهم الأخ الشيخ "" عبد الدايم ضيف "" وهو من سكان عزبة البر القبلى باسكندرية.
فسألته: كيف تعرفت على جماعة الإخوان المسلمين يا شيخ عبد الدايم؟.
قال: كنت أعيش فى مدينة طنطا، وكنت أنتمى إلى الطريقة الأحمدية، نسبة إلى الشيخ ""السيد البدوى"" صاحب المقام الكبير فى مدينة طنطا، وهى طريقة صوفية ذائعة الصيت، وكان ذلك عام 1940.
وأضاف: ذات يوم حدثنى أحد الزملاء فى الطريقة الأحمدية، وقال: إنه قد جاء إلى طنطا رجل اسمه الشيخ ""حسن البنا"" يقوم بإعطاء دروس ومواعظ للناس فى المساجد، ويتهم الطرق الصوفية بأنها تقوم بطقوس وأعمال منافية لروح الإسلام، مما استفزنى أنا واخوانى فى الطريقة..!، وعزمنا على التصدى له حين يجئ إلى طنطا مرة أخرى، وترقبنا ذلك اليوم بلهفة واهتمام..، وفعلا، ذات يوم أعلنت جمعية الإخوان فى طنطا عن إقامة حفل فى ميدان الساعة، وسيخطب فيه الشيخ ""حسن البنا""، فعقدنا العزم على حضور هذا الاحتفال، وارتدينا الملابس الخاصة بالطريقة الأحمدية، وذهبنا مبكرين، وجلسنا فى الصف الأول فى انتظار حضور الشيخ .. وعند قدومه تعالت الهتافات: الله أكبر ولله الحمد، ووجدنا الشيخ ""البنا"" قادما، ولما اقترب منا لم يكن فى عزمنا أن نستقبله.. أو نقف له، ولكنه أقبل علينا: باشا، مبتسما، وسلم علينا بشوق وحرارة! ثم جلس إلى جوارنا مرحبا بنا..! وبقينا جالسين فى صمت ووجوم، رغم ما أبداه نحونا من مشاعر و إيناس.
ولما حان وقت إلقاء حديثه، توجه إلى المنصة، تحيط به مشاعر إخوانه بالهتافات الإسلامية.
فوقف على المنصة بروح مشرقة، ووجه وضاء، وتحدث إلينا حديثا جذابا منعشا، وبعد أن جال وأفاض فى معانى الدعوة الإسلامية، التى أنعشت الآمال، وأحيت موات القلوب.
وفى حديثه العذب، قال:
أيها الإخوان الكرام.. كثير من الناس يظن أن الطرق الصوفية فى مصر، قامت وتأسست بصورة عشوائية، وأنها ليس لها مبادئ، ولا أهداف، ولا غايات عظيمة للنهوض بالمسلمين لتحقيق مجد الإسلام، وبناء دولته التى تحكم بالقرآن، ويجهل كثير من الناس.. أن الطرق الصوفية لها تاريخ أصيل فى كل العالم الإسلامى العربى وغير العربى، وأنتم ترونهم بملابسهم وأزيائهم التقليدية التى ترمز إلى كل طريقة.. يسيرون فى الشوارع، فى طوابير منظمة، تتقدمهم أعلامهم المميزة، وهذا دليل على أنها طرق منظمة، على نسق فرق الجهاد فى سبيل الله، فهم رصيد عظيم لخدمة الإسلام فى مشارق الأرض ومغاربها.
يقول الشيخ ""عبد الدايم"": لقد انتابنا شعور بالفرح والاعتزاز، وكأننا نسمع هذا الكلام لأول مرة فى حياتنا! فلما نزل الشيخ من على المنصة، ذهبنا إليه مسلمين، وحاولنا أن نقبل يده.. فلم يمكنا من ذلك..!، وبعد أن كنا قد حضرنا أعداء مخاصمين! غادرنا ونحن إخوان مسلمون..!!.
وأضاف: ثم شاء الله تعالى، ونقلت من طنطا إلى الإسكندرية عام 1947، وانضممت إلى شعبة "" الإخوان المسلمين "" فى محرم بك، وانتقلت نقلة واسعة فى فهم دعوة ""الإخوان المسلمين""، حتى إذا دعا داعى الجهاد فى فلسطين فى إبريل 1948، تطوعت جنديا مع متطوعى جماعة "" الإخوان المسلمين ""، ومعى الإخوة الحاضرون، وشاركنا فى المعارك الإسلامية ضد فصائل اليهود- وأخرج لنا بعض الصور الفوتوغرافية التى يحتفظ بها للذكرى، وهو يرتدى البدلة العسكرية ويقف وراء مدفع هاون وكان الإخوة: الأخ ""محمد الريس"" والأخ ""عبد المنعم سعيد"" والأخ ""الحاج عيسى شحاته"" والإخوة الثلاثة كانوا معه فى هذا اللقاء.
إن الذى يقرأ هذه القصة، يتبادر إلى ذهنه أن الإمام "" حسن البنا "" قد اصطنع هذا الموقف كى يجذب هذه القلوب نحو الدعوة... وهو ظن يجافى الحقيقة.. بل هو فهم خاطئ فى ظن وفهم من يقول به.
فِ ((حسن البنا)) داعية لكل الناس، على اختلاف طبقاتهم وفهمهم للإسلام، فإن الداعية يصدر عن فطرة مستكنة فى ضميره، وفهم شامل كامل لأهداف الدعوة التى تقول: نحن قوم نجمع ولا نفرق، نبنى ولانهدم، فأهداف "" حسن البنا "" أن يجمع شتات هذه الامة على فهم الإسلام الصحيح، (إن هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون) الأنبياء: 92، فهو يقترب من الناس، ويتودد إليهم، وهذا هو فهمه الصحيح كداعية، وتلك رسالته، وهذا منهجه وفطرته التى انطبع بها، وذاب فيها.
فالناس- كلهم أو جلهم- للدعوة، إلا ما ضاع منا بإهمالنا وتفريطنا، أو بسبب خلل فى مراكز اليقظة، إن اهتمام "" حسن البنا "" و اخلاصه العميق حول هؤلاء الإخوة من حال ""سلبية"" إلى ساحة الجهاد فى فلسطين!!، إن الاهتمام بالناس يجذب القلوب!، وهذه فطرة كل داعية مطبوع بالأمل: أن يفتح به القلوب على نغم حلو، أو حديث طيب، أو موقف يهز القلوب والمشاعر، ""لأن يهدى الله بك رجلا واحدا، خير لك مما طلعت عليه الشمس وغربت "".
إن "" حسن البنا "" حين يدخل السرادق ويجد هذا النفر من أبناء الطريقة الذين جاءوا ليستفزوه! يتهلل وجهه، وينشرح صدره، حيث يريدهم هو، وهى فرصة لا تعوض، ففى عقيدته (و ترجون من الله ما لا يرجون) النساء: 104، وهكذا تكون رسالة الداعية أوسع وأعظم وأجل من حدود الأنانية، أو الذاتية، أو القومية (إنما المؤمنون أخوة)الحجرات: 10."