"المدخل الى القلوب الجديدة فيه نوع من المعاناة و الحيرة و التردد، و بعد هذه السياحة هناك الكثير من الوسائل، فهل من المقبول أو من المعقول أن تذهب الى انسان ليس لك به سابق معرفة فتقول له لو سمحت.. أنا أريد أن أتعرف اليك. لا شك ان هذا الرجل ينظر اليك في دهشة و استغراب، و ربما في سخرية.
و لكن لو حدث هذا في احدى الصلوات في مسجد ربما يكون ذلك مقبولا نوعا ما، لأن الذين يفدون الى المساجد لا يظن بهم مثلما يظن في رجل الشارع، و كذا لو تم ذلك في حفل ما، فيه تقارب و أنس و محبة، فماذا لو لم تحظ بمثل هذه الظروف؟ فكيف السبيل؟ هذا هو ما أرشدنا اليه الرسول صلى الله عليه و سلم حين قال: ""و الذي نفس محمد بيده.. لن تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا و لن تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم"" صدق رسول الله صلى الله عليه و سلم.
إن أول خطوة الى القلب أن تلقي عليه السلام، تلقيه على من تعرف و من لا تعرف، لأن دعوة الاسلام عامة، و انت تريد الناس، فاذا القيت عليه السلام- وهو سنة – فيجب عليه ان يرد السلام لأن رد السلام أصبح عليه فرضا كفائيا (و إذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها) النساء:86.
و ليست العبرة ان تلقي السلام كما اعتاده الناس، بلا شعور و لا تأثير، فأحيانا تقول: السلام عليكم، فبعضهم يرد: سلام!! و هذا خطأ.. و إنما يجب أن نلقي تحية السلام بِ السلام عليكم و رحمة الله و بركاته لأن بعض الناس يقولونها عادة، و نحن نقولها عبادة، فحين نلقي السلام نستشعر أنه دعاء و يجب أن نلقيه بروح الدعاء ، و نتوجه بالسلام على الانسان في مواجهته، فرسولنا يقول: ""و أن تأتيه من قبل وجهه"" لأن الوجه هو مرآة الانسان، و تستطيع أن تلاحظ تأثير القاء السلام عليه بانطباعات وجهه، فترى ان كان قد استأنس بك أو تجهم عند لقائك، ثم يتبع رسول الله صلى الله عليه و سلم بالمرحلة الثانية حين يقول: ""تبسمك في وجه أخيك صدقة"" فهو يدعونا عليه السلام أن نبتسم في وجه من نلقى، لأن الابتسامة المشرقة لها تأثير كبير في تحريك قلبه، و انعاش فؤاده "" بسمة كضياء الشمس مشرقة تجلو عن القلب ما قد ران من نكد"" ثم نتبع الابتسامة بنظرة معبرة عميقة.
إنك قد تحس بالأسى والخجل حين يصافحك أحدهم مصافحة متجاهلة خاطفة، باردة بليدة، لاتجدى ولا تفيد! ثم هو حين ذاك ينظرإليك نظرة ميتة، بابتسامة باهتة!، أو طيف ابتسامة!، ورسول الله صلى الله عليه وسلم، يضع أيدينا على معالم الطريق إلى القلوب، بخطوات طبيعية فطرية، غير مصنوعة، وغير متسرعة، فيها تؤدة، وتدرج، وصبر، فإذا كان الشيطان يستعين على الشر بأسلوب التدرج والخطوات، فإنه أجدى بالداعية أن يستعين بها على الخير والإنقاذ، فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "" حق المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، وإذا استنصحك فانصح له، واذا عطس فحمد الله فشمته، وإذامرض فعده، وإذا مات فشيعه"" رواه مسلم.
وقد تحدثنا عن الفقرة الأولى من الحديث ""إذا لقيته فسلم عليه""، وفى حديث آخر: "" أن تبدأه بالسلام ""، ذلك لأنك أنت الذى تطلبه وتسعى إليه، فلابد إذن أن تبدأه بالسلام، فأنت إذا كنت فى حاجة إلى نوع معين من الدواء.. فلا شك أنك تبحث عنه فى كل الصيدليات حتى تجده.
فإذا ربطت تحية السلام بعد حين بينكما، وتعارفتما، وعرف كل منكما اسم أخيه، ثم حدث فاصل من الزمن فغاب عن لقائك، فغيابه ظرف مناسب، فيجب عليك أن تتفقده، أى تسأل عنه لتطمئن عليه، وهكذا تمضى الأيام، ولا صلة بينكما موصولة بلا تسرع ولا لهفة، فيغيب فترة أخرى، فإذا هو مريض ""فإذا مرض فعده "" فتذهب إليه لتعوده ومعك هدية رمزية بلا تكلف، ثم تدعو له بالمأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدعاء، ولا تطيل.
وبما أن القرآن الكريم نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم منجما حسب الأحداث، فإن الأحداث والظروف إذن مما يساعد على تكوين الروابط، وتدعيم العلاقات، فإذا حدثت لصاحبك مناسبات سعيدة تدعوك لزيارته فزره، فهى كذلك من الخطوات التى تدعم ما قبلها بما بعدها، وترسب فى الأعماق الأساس الأخلاقى، الذى ينمو بمحاسن الأخلاق.
هى الأخلاق تنموكالنبات إذا سقيت بماء المكرمات
وفيما أنت تعيش فى المجتمع الواسع الفسيح، لن تعدم فرصة أو مناسبة تناديك للمبادرة، فحين يصادفك من يعطس ويحمد الله، تتجه إليه بوجهك على المنوال الذى سبق شرحه، وتقول له: يرحمك الله يا أخى، فيقول لك: يرحمنا ويرحمك الله، فتقول له: جزاك الله خيرا، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا أن نقول: يهديكم الله ويصلح بالكم، وفى الحال تقول له: من أى بلد أنت يا أخى؟ فيقول لك مثلا: أنا من طنطا، فتقول له: من بلد الرجل الصالح السيد البدوى؟ وهل تعرف فلانا؟ وتذكر له من الأسماء الإسلامية المعروفة، فإذا قال إنه يعرفه، تذكر له اسمك، وترجوه أن يبلغه تحياتك، وحين تذكر له اسمك أولا يطمئن حين ذاك ويذكر لك اسمه ومن هنا يبدأ التعارف.
ومن المفيد أن نوضح للاخ الداعية أن التدرج والتؤدة وعدم التسرع الذى ننهجه فى الوصول إلى القلوب، والذى نقطع فى سبيله أياما وسنين، ليس أمرا بلا هدف ولا غاية، فإن الدعوة الإسلامية لاتخرج عن نواميس الكون فى النشأة والتكوين والتربية، فالطفل حين يولد يرضع لبنا بغير دسم، يسمى عند الفلاح "" لبن سرسوب ""، ويستمر حينا حتى تبرز أسنانه وتفطمه أمه، ئم يبدأ أكل الطعام، ثم يكبر، ثم يدخل روضة الأطفال، ويتدرج إلى ما شاء الله، وفيما هو فى هذا الطريق تتشكل شخصيته حتى يكون رجلا سويا، ولا يمكن بحال من الأحوال أن يولد الطفل ويصير رجلا بين يوم وليلة!
فالوقت فى الدعوة- سواء الفردية أو غيرها- عامل أساسى للتربية والتكوين وترسيب المعانى، وتساعد على ذلك كل الظروف الطبيعية والاختيارية والجبرية."