لقد حدد الإمام البنا رحمه الله في دعوته مراحل هذه الدعوة واعتبر أن الهدف النهائي وهو تغيير الأوضاع الجاهلية واستئناف الحياة الإسلامية يقوم على مراحل متدرجة كل مرحلة تسلم إلى التي تليها وكل مرحلة لها من الوسائل ما يناسبها:
فالمرحلة الأولى: مرحلة تعريف الناس بأهداف الجماعة ووسائلها وإقناعهم بالفكرة الإسلامية التغييرية التي يدعو إليها الإخوان المسلمون.
والمرحلة الثانية: تكون باختيار العناصر التي تكونت لديها القناعة بالعمل لاستئناف الحياة الإسلامية وإقامة الدولة الإسلامية. وتربية هذه العناصر تربية متكاملة روحياً وعقلياً وجسدياً حتى يكونوا الجنود الأوفياء لهذا الذين يجاهدون في سبيل إعلاء رايته وإقامة دولته.
والمرحلة الثالثة: مرحلة التنفيذ والعمل والإنتاج وهي الخطوة العملية التي تظهر بعدها الثمار الكاملة لدعوة الإخوان المسلمين، وهذه المرحلة لا تظهر نتيجتها إلا بعد أن تسبقها مرحلة التعريف ثم مرحلة التكوين.
وفي الحق إن هذه المراحل قد سلكها رسول ( في دعوته الأولى، كما تبعه أصحابه من بعده، إنها مرحلة التعريف ثم التكوين ثم التنفيذ.
وهذه المراحل تحتاج إلى وقت طويل وصبر وتحمل. وأخطر شيء عليها التسرع والتهور، فإن النفس تغامر دون دراسة وحساب للظروف المحيطة فتهلك وتهلك من معها.
وقد يوجد في صف الجماعة من هو عاطفي مُتسرّع هاجت به عاطفته وثارت فحملته على الفعل في غير وقته. ولقد كان الإمام البنا رحمه الله حازماً مع هؤلاء المتعجلين صريحاً كل الصراحة حين قال:
"أيها الإخوان المسلمون وبخاصة المتحمسون المتعجلون منكم .. إن طريقكم هذا مرسومة خطواته موضوعة حدوده، ولست مخالفاً هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول – أجل قد تكون طريقاً طويلة ولكن ليس هناك غيرها. إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الدائب. فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها أو يقتطف زهرة قبل أوانها، فلست معه في ذلك بحال، وخيرñ له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها من الدوات، ومن صبر معي حتى تنمو البذرة وتنبت الشجرة وتصلح الثمرة ويحين القطاف فأجره في ذلك على الله، ولن يفوتنا وإياه أجرُ المحسنين إما النصر والسيادة وإما الشهادة والسعادة.
أيها الإخوان المسلمون: ألجموا نزوات العواطف بنظرات العقول، وأنيروا أشعة العقول بلهب العواطف.. ولا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة، ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن غالبوها واستخدموها وحوّöلوا تيارها، واستعينوا ببعضها على بعض ، وترقبوا ساعة النصر، وما هي منكم ببعيد.
إن التجاري في الماضي والحاضر قد أثبتت أنه لا خير إلا في طريقكم، ولا إنتاج إلا مع خطتكم، ولا صوابَ إلا فيما تعملون، فلا تغامروا بجهودكم، ولا تقامروا بشعار نجاحكم".
المؤتمر الخامس من مجموعة الرسائل ص256-257.
وفي نهاية الرسالة يقول رحمه الله: "لقد خاطبت المتحمسين منكم أن يتريثوا وينتظروا دورة الزمان، وإني لأخاطب المتقاعدين أن ينهضوا ويعملوا، فليس مع الجهاد راحة. (والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين (69) ) [العنكبوت].
المرجع السابق 298.