ومن الربانية في التعليم مزج كل علم بالرقائق كي تتحقق السكينة الإيمانية، ولا يسيطر العقل وحده على القلب ، والفكر على الروح ، فتتحول المعاني الإيمانية إلى فلسفة عقيمة، وتضيع المقاصد الأصلية لعملية التعليم التربوي ، إذ أن أصل المقاصد في التعليم ربط المخلوق بربه ، وتذكيره بالآخرة ، وجعله يشمر بساعد الجد للعبادة والعمل، وإلا فدراسة العلم دون هذه النية مضيعة للوقت ، والتها بالشهوات، وقد قبل:
( رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يكاد يكفي في صلاح القلب إلا من أن يمزج بالرقائق ولنظر في سير السلف الصالحين، فأما مجرد العلم بالحلال فليس له كبير عمل في رقة القلب، وإنما يرق القلب بذكر رقائق الأحاديث، وأخبار السلف الصالحين ، لأنهم تناولوا مقصود النقل وخرجوا عن صور الأفعال المأمور بها إلى ذوق معانيها والمراد بها.
وما أخبرك بهذه إلا بعد معالجة وذوق. فأفهم هذا ، وأمزج طلب الفقه والحديث بمطالعة سير السلف الزهاد في الدنيا ليكون سبباً لرقة قلبك .. ) (42).
ولما كان هدف عملية العلم والتعليم القرب من الله تعالى ، وليس طلب الدنيا بها ، ففي هذا المعنى صلاح للمعلم والمتعلم ، إذا فيه يتذكر المتعلم أن مال العلم القرب إلى الله ، وقصده في القراءة أو السماع تحليه الباطن، وأن لا يقصد به مباهاة الأقران، والتفاخر على الغير، ويذكر المربي أو العالم نفسه دائما بنفس المعاني ، ويتذكر أن تعليمه: لله تعالى ، دون الرئاسة والمباهاة والمنافسة ، ويقد تقبيح ذلك في نفسه بأقصى ما يمكن فليس ما يصلحه العالم الفاجر بأكثر مما يفسده إذا تجافى عن الصواب، أو فسدت النية.
وهذا المسلك في التعليم لا بد من التذكير به دائما ، وعدم الأخذ بالأساليب الغربية الباردة حيث الاكتفاء بجوهر الموضوع فقط ، فإنما تصلح هذه الطريقة للمباحث الطبيعية لاختلاف أهدافها ومقاصدها، أما التعليم الدعوى فلا بد له من حديث القلب، وأسلوب القرآن الكريم أكبر دليل على هذا الأمر ، فليس فيه اقتصار على معان محددة، وإنما يخلط الفقه والأحكام يذكر الموت والآخرة، وربطها بالثواب والعقاب ، والله تعالى أعلم بقلوب عباده وما تحتاج إليه.