ومن معاني الربانية أن الواضح من المسائل مقدمة على الغامض منها، وهذا معنى قول ابن حجر أن المراد ( بصغار العلم ما وضح من مسائلة، وبكباره ما دق منها )، إذ أن من المعلوم أ، في كل علم جوانب واضحة بسهل فهمها وفيه ما قد يصعب فهمه، أو يحيطه شيء من الغموض، فيكون الواضح أولى بالتعلم من غيره.
والأصل في المفتي والكاتب والداعية والخطيب ابلاغ العلم لأهله على هذا المنوال، فلا يجوز للمفتي، عند ابن القيم. ( تخيير السائل ، والقاؤه في الأشكال والحيرة، بل عليه أن يبين بياناً مزيلاً للأشكال، متضمناً لفصل الخطاب ، كافيا في حصول المقصود ، لا يحتاج معه إلى غيره) (16).
ويقال على المفتي غيره من أهل التربية والتعليم.
وقد ورد في النصوص نهي الرسول – صلى الله عليه وسلم – عن الأغلوطات، وهي الألغاز الملتوية، وهذا الدليل ، وأن لم يكن مباشراً إلا أن الأمام الأوزاعي، رحمه الله – أخذ هذا المعنى المراد من الحديث.. فقال مفسراً:
( يعني صعاب المسائل) (17) .
وكما أن الأمر ينطبق على المعاني، فهو أيضا ينطبق على الألفاظ، فاختبار الواضح منها أولى من اختيار الغامض، والبلاغة الحقة في اختيار المفهوم، وترك المعقد، فالبيان في بعض ما قبل عنه:
أن يكون الاسم يحيط بمعناك، ويحكي عن مغزاك ، وتخرجه من الشركة ، ولا تستعين عليه بالفكرة ، ولذي لا بد منه أن يكون سليما من التكلف بعيدا من الصنعة ، بريئا من التعقد ، غنيا عن التأويل) (18).
ومما يتفرع عن ذلك كراهية التقعر في الكلام، والبعد عن بسيط القول والسهل المفهوم من الكلام ، والأجدي اختيار أقصر الطرق ، وأسهل الأساليب التي يفهمها المخاطب، ويدرك كنهها ، دون أن يؤدي به ذلك إلى عدم الفهم ، أو تحميل المعاني غير ما تحتمل.