إن أبرز المتغيرات السياسية بالنسبة للعالم الإسلامى ، هى ما توجهه إليه الصهيونية والصليبية الاستعمار والغزو الفكرى والثقافى من ضربات ، وإن التعرف على هذه التيارات السياسية ورصد ما تقوم به من أهم ما يوجه له الإخوان العناية كل العناية ، وهم يمارسون التربية الإسلامية للناس فى مجال هذه المتغيرات . كما أن من أبرز المتغيرات الاقتصادية ، ما أدخل على العالم الإسلامى من استغلال الأجانب لخيرات بلادنا ، وإدخالنا فى مجال الديون ، المتفاقمة الفوائد ، وشيوع الربا والتبعية الاقتصادية لدول الغرب أو الشرق ، وجرنا إلى حروب تتطلب أسلحة تستنزف إمكاناتنا ومقدراتنا ، وشيوع الكسب الخبيث والإثراء الفاحش º وفى كل ذلك نجد لجماعة الإخوان المسلمين موقفا من هذه المتغيرات ، موقفا تربى أبناءها عارفين وقادرين على مواجهة هذه المتغيرات .
. أما الصهيونية : فهى حركة سياسية استهدفت أن تقيم دولة لإسرائيل على غرار الدولة اليهودية القديمة التى قضت عليها روما . ولقد تزعم الحركة الصهيونية أو اليهودية ' تيودور هرتزل ' وعقد لذلك مؤتمرا فئ بال بسويسرا عام 1897 م ، قرر فيه تكوين منظمات صهيونية فى البلاد التى يوجد فيها عدد كاف من اليهود . وقدتطلعت اليهودية أو الصهيونية إلى وطن لهم فى فلسطين ، وجاء وعد ' بلفور ' وزير خارجية إنجلترا عام 1917 محققا لهم هذه الأمنية . وبدأ يهود العالم يهاجرون إلى فلسطين من عام 1923 م ، ولما كانت فلسطين فى ظل الانتداب البزيطانى زادت الهجرة ، ثم أوقفت فى الظاهر سنة1945 م بعد أن أصبح عدد اليهود فيها خطرا على العرب ، ثم قامت الحرب بين اليهود والعرب سنة 1948 م وتفاقمت المشكلة على النحو المعروف . وقد واجهت جماعة الإخوان المسلمين الصهاينة عا م 1948 م ، وأبلى المجاهدون الإخوان بلاء حسنا شهد به القاصى والدانى ، فكان ذلك درسا عمليا لمواجهة هذا التغير السياسى .
. وأما الاستعما ر : بمعنى سيطرة شعب على خيرات شعب اخر ، فقد عافى منه العالم الإسلامى معاناة بالغة ، بخا صة بعد تألبت دول الغرب والشرق على القضاء على دولة الخلافة ، فأصبح العالم الإسلامى كله تقريبا مستعمرا من أعدائه من غرب وشرق ، ولقد كان للاستعمار فى العالم الإسلامى من أسوأ الاثار السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية ما كان ، وأصبح هذا المتغير من أخطر المتغيرات وأضرها وافتكها بالعالم الإسلامى .
ولقد كان لجماعة الإخوان المسلمين جهد تربوى هائل فى تنوير أذهان المسلمين وتبصيرهم بعدوهم .
يقول فى ذلك الإمام حسن البنا : ' أريد أن أستخلص من هذا كله ، أن الوطن الإسلامى واحد لا يتجزء ، وأن العدوان على جزء من أجزإئه عدوان عليه كله ، هذه واحدة .
والثانية : أن الإسلام فرض على المسلمين أن يكونوا أئمة فى ديارهم ، سادة فى أوطانهم ، بل ليس ذلك فحسب ، بل إن عليهم أن يحملوا غيرهم على الدخول فى دعوتهم ، والاهتداء بأنوار الإسلام التىإهتدوا بها من قبل .
ومن هنا يعتقد الإخوان المسلمون أن كل دولة اعتدت وتعتدى على أوطان
المسلمين ، دولة ظالمة لابد أن تكف عدوانها ، ولابد أن يعد المسلمون أنفسعهم ويعملوا متساندين على التخلص من نيرها .
. ثم جاء حديثه ضافيا عن إنجلترا وفرنسا وإيطاليا، وما قامت به كل واحدة منه من عدوان على أوطان إسلامية فى مصر والسودان والشام والمغرب العربى وليبيا وغيرها . . ثم ختم حديثه بقوله : وهذا الكلام يدمى القلوب ويفتت الأكباد ، وحسبى هذه الفواجع فى هذا البيان ، فتلك سلسلة لا آخر لها ، وأنتم تعرفون هذا ولكن عليكم أن تبينوه للناس ، وأن تعلموهم أن الإسلام لايرض من أبنائه بأ قل من الحرية والاستقلال ، فضلا عن السيادة وإعلان الجهاد ، ولو كلفهم ذلك الدم والمال ، فالموت خير من هذه الحياة ، حياة العبودية والرق والاستذلال ، وأنتم إن فعلتم ذلك وصدقتم الله العزيمة فلابد من إلنصر إن شاء الله ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلى إن الله قوى عزيز )
. وأما الغزو الفكرى والثقافي : فقد أخذ فنونا وأشكالا عديدة ، منها : أن تظل بعض الدول الصغيرة خاضعة لنفوذ إحدى الدول الكبرى ، خضوعا سياسيا أو اقتصاديا أو ثقافيا ، سواء أكان هذا الخضوع منظورا محسا أو غير منظور ، فيحول ذلك بين الدولة الصغيرة والتقدم واتخاذ القرار المناسب .
ومنها : أن تتبنى إحدى الدول الصغيرة معتقدات دولة كبيرة وأفكارها وأخلاقها وقيمها ، فتمسخ بنفسها شخصيتها وقوميتها وحاضرها ومستقبلها .
ومنها : أن تتخذ أمة صغيرة مناهج التربية لأمة كبيرة ، فتجعلها معتمدا تستند عليه تربيتم لا لأبنائها ، فينشأ الأبناء مشوهى الفكر والشخصية والانتماء .
ومنها : أن تحول أمة كبيرة غازية بأساليبها المختلفة فيه ، أمة صغيرة وتاريخها وسيرة الصالحين المصلحين من أبنائها ، لتحل محل ذلك تاريخ هذه الأمة الكبيرة وسير رجالها ، فتقضى بذلك على تراثها وعلى تواصل الأجيال من الصالحين المصلحين فى كل زمان .
ومنها : تلك الحملات المس عورة ، التى تشنها بعض الدول الكبرى ، المعادية
للإسلام ، على القران الكريم والحديث الشريف والسيرة النبوية ، لتحول بين المسلمين وكتابهم ومنهجهم وقدوتهم ، فتتلقفهم المناهج الفاسدة والنظم الخبيثة الغازية .
ومنها : ما وجه للغة القرآن ' اللغة العربية ' من حملات ضارية ، تستهدف مزاحمتها بلغات أخرى ، أو أن تحل محلها عاميات محرفة ، فيؤدى ذلك إلى مسخ فكر الأمة-لأن الفكر لا يمارس إلا باللغة - ثم مسخ شخصيتها وكيانها لترتمى خاضعة ذليلة فى فكر أمة أخرى وأدبها لا وثقافتها .
. ومنها : تبديل عادات الأمة واخلاقها آدابها ، وهذا التبديل لابد أن يكون إلى الأسوأ لأن الأمة الإسلامية صاحبة عادات وأخلاق واداب جاء بها الوحى الشريف ، فيكون فى ذلك الضياع كل الضياع .
ولقد كان لجماعة الإخوان موقف من هذا الغزو الفكرى منذ زمن بعيد فى نشأة الجماعة ، فقد تركزت الأهداف العامة التى اتضح منها منهج الجماعة السياسى فى نقطتين :
1- أن يتحرر الوطن الإسلامى من كل سلطان أجنبى ، وذلك حق طبيعى لكل إنسان لا ينكره إلا ظالم جائر أو مستبد قاهر .
2- أن تقوم فى هذا الوطن الحر دولة إسلامية حرة ، تعمل بأحكام الإسلام وتطبق نظامه الاجتماعى ، وتعلن مبادئه القويمة تبلغ دعوته الحكيمة للناس ، ومالم تقم هذه الدولة فإن المسلمين جميعا اثمون بين يدى الله العلى الكبير عن تقصيرهم فى إقامتها وقعودهم عن إيجادها ، ومن العقوق للإنسانية فى هذه الظروف الجائرة أن تقوم فيها دولة تهتف بالمبادىء الظالمة ، تنادى بالدعوات الغاشمة ولا يكون فى الناس من يعمل لدولة الحق والعدالة والسلام .
نريد تحقيق هذين الهدفين فى وادى النيل ، وفى بلاد العروبة وفى اى أرض أسعدها الله بعقيدة الإسلام : دين وجنسية وعقيدة توحد بين جميع الناس . وواضح من النقطة الأولى موقف الإخوان المسلمين من ضرورة تحرر الوطن الإسلإمى من كل سلطان أجنبى- سواء أكان هذا السلطان ظاهرا كالغزو
ا لعسكرى ، او مستترا كالغزو الفكرى والثقافى .
. وأما الاقتصاد والمتغيرات التى جلبها إلى العالم الإسلامى ، ابتداء من استغلال خيرات الوطن الإسلامى ، والربا وإغراقه فى الديون والمشكلات ، وتعويق الصناعة والإنتاج فيه ليظل عالة على الغرب أو الشرق ، وما أفرزته المتغيرات الاقتصادية من فقر ومرض وجهل ، فقد واجه الإخوان هذه المتغيرات مواجهة عملية تجلت فى تيارين كبيرين :
ِ تيار التوعية .
ِ وتيار العمل والتنفيذ .
ِ أما التوعية فإن الإخوان فى مقالاتهم وبحوثهم ورسائلهم رفضوا الأنظمة الاقتصادية الوافدة من الشرق أو من الغرب ، وكتبوا ما شاء الله لهم فى محاربة الربا وسوء توزيع الثروة والملكية الفردية والإقطاع والاستبداد الرأسمالى .
وأما العمل والتنفيذ ، فقد أسست الجماعة سبع شركات اقتصادية من مساهمات أعضائها وهذه الشركات هى :
1- شركة المعاملات الإسلامية .
2- الشركة العربية للمناجم والمحاجر .
3- شركة الإخوان المسلمين للغزل والنسيج .
4- شركة المطبعة الإسلامية .
5- شركة التجارة والأشغال الهندسية بالإسكندرية .
6- شركة التوكيلات التجارية .
7- شركة الإعلانات العربية.
فضلا عن كثير من المحلات التجارية التى كانت تؤسسها بعض شعب الإخوان بمساهمة أعضاء الشعبة ، وتوزيع الأرباح مناصفة بين المساهمين وبين الجماعة نفسها.