كما بدأنا هذه الدراسة التحليلية لوسائل التربية عند جماعة الإخوان المسلمين بحمد الله والصلاة والسلام على رسله º نختمها كذلك بحمد الله والصلاة والسلام على رسله وأنبيائه º فلله الحمد رب االسماوات والأرض رب العالمين ، والصلاة والسلام على محمد المبعوث هدى ورحمة للعالمين º وعلى سائر أنبياء الله ورسله والداعين بدعوتهم والمهتدين بهديهم إلى يوم الدين .
وأخيرا. .. . وبعد هذه الدراسة التحليلية المستقاة من رسائل الجماعة وأوراقها ووثائقها ، وما كتبه عنها الأولياء والأعداء ، أرجو أن تكون الصورة التى حاولت رسم أبعادها لوسائل التربية عند الإخوان المسلمين ، قد استجمعت من العناصر ما زادها وضوحا ، وقد تهيأ لها من الأسباب ما يسره الله وأعان عليه ، حتى أؤدى واجب الأمانة التاريخية لكبرى الحركات الإسلامية فى العصر الحديث ، ولكى أفسح المجال لغيرى من الباحثين والمحللين الأكثر قدرة وإجادة .
ومهما قال القائلون عن هذه الجماعة مما يرضى الحق أو يغضبه ، ومهما يقل القائلون فيها مدحا أو قدحا ، فإن كل ما يقال لن يغير شيئا من الحق والحقيقة ، إذ يبقى لهذه الجماعة دائما رصيد هائل فى تاريخ الإسلام والمسلمين فى العصر الحديث ، رصيد من العمل والإخلاص للدعوة الإسلامية ، ومن الجهد والمثابرة والصلابة والإصرار على التمسك بهذا الدين ، والتضحية فى سبيله بكل غال ونفيس.
إن المنصفين وغير المنصفين ممن يتصدون لتاريخ هذه الفترة من حياة الأمة الإسلامية ، لن يستطيعوا إنكار جهد هذه الجمإعة وجهادها وماقدمته من شهداء استعذبوا الشهادة فى سبيل الله ، فى قضية فلسطين على مدى أربعين سنة أو تزيد ، وفى معركة قناة السويس لزحزحة المحتل الغاصب لأرض مصر ، يوم كانت مواجهة الإنجليز - بكل مالهم من ثقل فى العالم العربى - نوعا من التحدى الذى لا يخوضه إلا أولئك الذين يؤمنون بأن الموت فى سبيل الله أسمى الأمانى وإحدى الحسنيين . لن يتجاهل التاريخ والمؤرخون - على اختلاف مذاهبهم - ما قدمت هذه الجماعة من خدمات للإسلام والمسلمين ، ولا ما أعدت وربت من رجال قادوا العمل الإسلامى فى العصر الحديث فى مجالات كثيرة ، فى مصر وغيرها من بلدان العالمين -العربى والإسلامى .
ولن ينسى التاريخ والمؤرخون لهذه الجماعة ماعانت وما تحملت من أذى فى سبيل الله ، كان أقله الاعتقال والسجن والمحاربة فى الرزق والتشريد من الأوطان ، وكان منه المحاكمات الظالمة والمشانق والتصفيات الجسدية ، وما ضعفت الجماعة ولا استكانت ولا تباهت بما لاقت فى سبيل الله ، ولا أضمرت حقدا لحاكم ظالم أو مستبد غاشم ، وإنما صبرت واحتسبت وطلبت لظالميها الهداية من الله .
إن هذا الرصيد الهائل فى تاريخ الإسلام والمسملين المعاصر ، لم تحظ بمثله جماعة من الجماعات فيما نعلم ، وفيما نرصد من الجماعات التى تعمل من أجل الإسلام .
ولقد حارب هذه الجماعة وكاد لها شكول من الأعداء وألوان ، حاربها الإنجليز المحتلون لمناطق عديدة من بلدان العالم الإسلامى ، وحاربها أولياء الإنجليز ممن خلعوا انتماءهم لأوطانهم وما لؤوا من يدنسون أرضها ، وحاربتها الصهيونية العالمية ، وحاربها الغافلون اللاهون من الحكام والأتباع ، الذين لا يدركون بعمق حركة التاريخ للأمة العربية والإسلامية ، وأنها أمة لا تموت ولن تموت ما دام فيها كتاب الله وسنة رسوله ، وأهل الغيرة على دينهم ومنهجهم فى الحياة . وحارمها الذين ضل سعيهم فى الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ، من أولئك الذين توهموا أن النظم الغربية فى السياسة والاجتماع والاقتصاد تستطيع أن تحل فى المجتمعات المسلمة محل الشريعة الإسلامية الصالحة لكل زمان ومكان ، التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها لأنها تنزيل الحكيم الحميد .
وحاربها عشاق السلطة وأحلاف الاستبداد والعسف ، وكالوا لها من شرهم ما استطاعوا ، شر النية وشر القول وشرالعمل ، حتى خيل إليهم أنهم قضوا عليها القضاء الأخير فخاب ظنهم وساء ما كانوا يعملون º وإذا الصحوة الإسلامية تملأ أفق العالم الإسلامى فى مصر وفى غير مصر ، وإذا برجل الشارع ينادى بتطبيق الشريعة الإسلامية ، ويأمل أن يعيش حتى يرى اليوم الذى يحكم فيه عباد الله بشريعة الله .
ولكم تعرضت الجماعة لمساومات - كما تحدثت عن ذلك وثائق
أعدائها قبل أوليائها - وعرض عليها وزارة ووزارات ، فكان الرد الشامخ الذى سجله التاريخ ولن ينساه رد أصحاب المبادئ على لسان قادتها :
" ليس الهدف أن نتسلم الوزارة ولكن الهدف أن تطبق الشريعة الإسلامية على يد أى وزراء ، فإذا طبقت الشريعة فهو أملنا وإذا لم تطبق فما جدوى أن يكون لنا وزارة أو وزراء وقد لا قت الجماعة من أجل التمسك بهذه المبادئ ما لا قت واحتسبت كل ذلك عند الله .
ولكم ظن من حاربوا الجماعة وكادوا لها º أن هذا التحدى وتلك الضربات سوف تسكت صوتها ، أو تدخل بها فى مجال الاستكانة والرضى بالحياة أى حياة ، ولكن شاء الله أن تخيب هذه الظنون ، وأن تطش سهام أعداء الحق ، وأن تبقى الجماعة فكرا إسلاميا رائدا شامخا ، يهدى ويقوم ، ويؤثر الأسلوب التربوى الهادئ الهادف ، الذى يشبه قطرة الماء التى تغادر منبعها فى إصرار على البحث عن تربة صالحة ، وأرض خصيبة ، تمدها بهدوء وإصرار بأسباب الحياة والنماء ، جارفة أمامها بنفس الهدوء والإصرار أعتى العقبات وأمنع الحواجز - كما أشرنا إلى ذلك فى بداية هذه ا الدراسة .
إن تربية الأفراد بهذه الوسائل التى ذكرنا وفق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلمهى الأسلوب الأمثل فى بناء الأمم، الأسلوب الذى لا تجد له بين أساليب التربية الأخرى مثالا .