والشدة الرابعة التي يتعرض لها الداعية، والتي تفوق في ضراوتها وخطرها كل الشدائد، بل هي مفتاح كل شدة وبلاء، وسبب كل انحراف والتواء، تلكم هي شدة مكائد الشيطان وتلبيس ابليس ومضلات الهوى..
والداعية يبقى بخير، كائنا ما كانت الشدائد الخارجية الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها، ما لم يتخاذل ويضعف أمام شيطانه..
فالشيطان هو العدو الأكبر للمؤمنين، لا يفتأ يمكر ويوسوس ويستدرج ما بقيت الحياة وبقي الايمان { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين* الا عبادك منهم المخلصين* قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين} الزمر 82.
ودعاة الاسلام يجب أن يكونوا أشد احتراسا من الشيطان منهم من عدوهم.. لأنه أعدى الأعداء وأمكر الماكرين { ان الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا، انما يعدو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} { ألم أعهد اليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان انه لكم عدو مبين، وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم، ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون}.
وخطورة ما في الشيطان وتلبيسه ووسوسته أنه ان أغلق دونه منفذ جاء من ثان، وان خنس من جانب وسوس من آخر.. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث يقول:{ ان الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم من الجسد} متفق عليه، وقال رجل للحسن، يا أبا سعيد: أينام الشيطان؟ فتبسم وقال: لو نام لاسترحنا..
واذا أراد الدعاة أن يعرفوا مكائد الشيطان وطرق غوايته فحسبهم أن يستمعوا الى قصة رواها رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال:{ كان راهب في بني اسرائيل، فعمد الشيطان الى جارية فخنقها وألقى في قلوب أهلها أن دواءها عند الراهب. فأتوا بها اليه فأبى أن يقبلها، فلم يزالوا به حتى قبلها. فلما كانت عنده ليعالجها أتاه الشيطان فزين له مقاربتها ولم يزل به حتى واقعها فحملت منه. فوسوس اليه وقال: الآن تفتضح، ياتيك أهلها، فاقتلها فان سألوك فقل ماتت. فقتلها ودفنها. فأتى الشيطان أهلها فوسوس اليهم وألقى في قلوبهم انه أحبلها ثم قتلها ودفنها. فأتاه ألها فسألوه عنها فقال: ماتت، فأخذوه بها، فأتاه الشيطان فقال: أنا الذي خنقتها وأنا الذي ألقيت في قلوب أهلها، فأطعني تنجح وأخلصك منهم، قال: بماذا؟ قال: اسجد لي سجدتين. فسجد له سجدتين، فقال له الشيطان، اني بريء منك. فهو الذي قال تعالى فيه:{ كمثل الشيطان اذا قال للانسان اكفر فلما كفر قال اني برئ منك}.