إن من يتمعن في النهج التربوي القرآني ، ويجرى مسحاً للآيات التربوية يجد أن التركيز إنما ينصب على البناء الوقائي للفرد و للمجتمع ، وعلى تقوية المناعة المكتسبة لدى الناس ، تداركاً للأمور و المشكلات ، وتحوطاً منها ، واتقاء لشرها قبل وقوعها .
إن النهج القرآني يعمد إلى تجنيب الفرد و المجتمع كل السباب و العوامل المرضية و المؤدية إلى المرض ، سواء كانت عقيدية أو نفسية أو فكرية أو جسدية أو خلقية حتى يكون الأصل في حياة الناس العافية وليس المرض ، وحتى لا يتحول المجتمع كله بفعل الأمراض و المشكلات المختلفة إلى ( مصح أو مسشتفي ) كما هو الحال اليوم .
كل المجتمعات البشرية اليوم مجتمعات موبوءة عليلة لأنها فقدت مقومات الوقاية فاستشرت فيها الأمراض و العلل بلا حدود ، فالعافية في هذه المجتمعات استثنائية، وأهل العافية قلة ، وهذا بعكس ما عليه المجتمع الإسلامي ، حيث العافية هي الأصل و المرض هو الشذوذ .
إن جولة سريعة في الرياض العطرة من كتاب الله تعالى تؤكد لنا وقائية النهج القرآني ، من خلال عدد من محطات الإنذار المبكر ، التي من شأنها شد الانتباه ، والأخذ بكل أسباب الحيطة و الحذر لضمان عدم الإصابة بالمرض و الوقوع في العلة ، وفيما يلي نماذج من هذه اللفتات القرآنية الكريمة :
- ففي الوقاية من الشرك قال تعالى :{ فاجتنبوا الرجس من الأوثان } ، وقال :{ لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموماً مخذولاً } ، وقال :{ ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم نذير مبين } .
- وفي وقاية الأنفس والأهل من النار :{ يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس و الحجارة } ، { واتقوا يوماً لا تجزى نفس عن نفس شيئاً } .
- وفي الوقاية من الشح و البخل { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } .
- وفي الوقاية من العدو ، كل عدو { يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم } ، { واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك } .
- وفي الوقاية من الربا يقول تعالى { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين } .
- وفي الوقاية من الخمر و الميسر وغيره { إنما الخمر و الميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ...}
- وفي الوقاية من قول الزور ( و التزوير عموماً ) يقول تعالى ر ... واجتنبوا قول الزور ... )
- وفي الوقاية من الظن { يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً ، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم } .
- وفي الوقاية من الآفات الجنسية ، يقول تعالى { ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً } ، { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن } ، { فاعتزلوا النساء في المحيض ... } .
- وفي الوقاية من الخلاف و التفرق { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات ... } ، { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا ... }
هذه بعض نماذج من النهج القرآني في التربية الوقائية التي يذخر بها كتاب الله تعالى عرضناها هنا على سبيل المثال لا الحصر .