وعمل الرسول ِ صلى الله عليه وسلم ِ في مراحل النبوة كلها .. في غير مكة والمدينة .. في نطاق التربية أو نشر الدعوة أو الحرب أو غير ذلك ، إنما يقوم على نظرة أصيلة إلى التنظيم وعلى اهتمام بالغ به ..
ِ ففي بيعة العقبة الأولى :
بايع رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ من أهل المدينة ِ عند العقبة ِ اثنا عشر رجلاً .. يقول ابن إسحاق : ( فلما انصرف عنه القوم ، بعث رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ معهم مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف ، وأمره أن يقرئهم القرآن ، ويعلمهم الإسلام ، ويفقههم في الدين ، فكان يسمى المقرئ بالمدينة ) .
ِ وفي بيعة العقبة الثانية :
بايع رسول الله من أهل المدينة عند العقبة كذلك ِ وسرًّا دون أن تعلم قريش ِ ثلاثة وسبعين رجلاً وامرأتان ، ثم قال لهم رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ : ( أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبًا ليكونوا على قومهم بما فيهم ، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا ، تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس ، فأما نقباء الخزرج فهم : أسعد بن زرارة ، وسعد بن الربيع ، وعبد الله بن رواحة ، ورافع بن مالك ، والبراء ابن معرور ، وعبد الله بن عمرو بن حرام ، وعبادة بن الصامت ، وسعد بن عبادة ، والمنذر بن عمرو ، وأما نقباء الأوس فهم : أسيد بن حضير ، وسعد بن خيثمة ، ورفاعة بن المنذر .. ) .
ِ وفي هجرته ِ صلى الله عليه وسلم ِ تبدو طائفة من اللفتات التنظيمية الجديرة بالدراسة والتأمل ، والتي من شأنها أن تدحض مزاعم القائلين برفض المنطق التنظيمي في العمل الإسلامي ، منها :
1 ِ طلبه إلى علي بن أبي طالب المبيت في سريره لتضليل المشركين ريثما يكون هو قد غادر مكة وبلغ غار ثور .
2 ِ اختياره غار ثور الذي يقع في اتجاه معاكس لطريق المدينة زيادة وإمعانًا في تضليل المشركين الذين كانوا يدركون أنه سيهاجر إلى المدينة لا محالة .
3 ِ تكليفه عبد الله بن أبي بكر بنقل ما يجري في مكة من أخبار ليكون على اطلاع على ما يجري حوله .
4 ِ تكليفه أسماء بنت أبي بكر بتأمين ما يلزمهم من طعام وشراب .
5 ِ تكليفه عامر بن فهيرة ، أن يمر بغنمه مساء عليهما ليأخذا حظهما من اللبن ، ولتطمس الأغنام بحوافرها آثار الأقدام التي تتردد على الغار ، حتى لا ينكشف مخبؤه للمشركين ، وزيادة في تضليلهم .
فإذا كان رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ وهو المؤيد بالوحي المسدد بهدى العليم الخبير ِ قد اتخذ ( جملة ترتيبات ومجموعة إجراءات ) في حادثة واحدة من عشرات الحوادث .. فما بال هؤلاء ( المعطلة ) الذين يزعمون الغيرة على الإسلام والمسلمين ِ وقد انقطع الوحي ، وأشكلت الأمور ، وادلهمت الخطوب بكيد الأعداء ِ يدعون المسلمين للخروج على العمل الإسلامي المنظم ، ولا يستنيرون بسنة رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ فتكون لهم أعين يبصرون بها ، وآذان يسمعون بها ؟ .