جوانب الأمن كثيرة ومتعددة تبعًا لاتساع نطاق العمل أو التنظيم أو الحركة ، وتعدد جوانب نشاطها .. فما تحتاجه دولة كبيرة قد لا تحتاجه دولة صغيرة ، وما تحتاجه التنظيمات غير ما تحتاجه الدول ، وهكذا ..
ولكن يمكننا هنا استعراض أبرز الجوانب التي تحتاج إلى الأمن ، كائنًا ما كان حجم العمل أو التنظيم أو الحركة .. من ذلك :
1 ِ أمن الأفراد :
وهو السهر على سلامة الأفراد من كل ما يتهددهم أو يعرضهم لمكروه أو اختراق ، أو انتكاس عند وقوع المكروه ، وسنتناول ذلك بالتفصيل في سياق الكلام عن ( التربية الأمنية ) في نهاية هذه الحلقة ..
فالحركة مسئولة ِ إلى حد ِ عن الأخذ بكل الأسباب الآيلة إلى توفير سلامة أفرادها والحفاظ على دمائهم وأرواحهم ، وعدم تعريضهم إلى التهلكة ، أو التفريط بهم جزافًا .
إن هذا الكلام لا يتناقض مع ( التربية الجهادية ) التي سبق الكلام عنها ِ كما قد يبدو لأحد من الناس ِ ولكنه يتلازم معها ، بل هو الفاصل ما بين مجالي : التهلكة والجهاد .
فتحقيقًا لأمن ( القيادة ) اقترح سعد بن معاذ على رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ بناء ( عريش ) أي مركز للقيادة ، وقال : ( يا نبي الله ، ألا نبني لك عريشًا تكون فيه ، ونعد عندك ركائبك ، ثم نلقى عدونا ، فإن أعزنا الله وأظهرنا على عدونا ، كان ذلك ما أحببنا ، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك ، فلحقت بمن وراءنا .. إلخ ).
وتوفيرًا لسلامة ( الأفراد ) شرعت إقامة الصلاة في جماعتين على خطوط القتال ، كيما لا تتعطل الحراسة لحظة واحدة على ثغور الإسلام ، وفي هذا يقول الله ِ تعالى ِ : { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ، وإن الكافرين كانوا لكم عدوًّا مبينًا . وإذا كنت فيهم فأقمت الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ، فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ، ولتأت طائفة لم يصلوا فليصلوا معك ، وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ، ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم ، فيميلون عليكم ميلة واحدة .. } ( النساء : 101 ) .
2 ِ أمن المستندات والأسرار :
ذلك أن لكل تنظيم وجهة مستنداتها ومخططاتها وأسرارها التي لا يجوز أن تقع في يد أعدائها .. والدول الكبرى تنفق أحيانًا الملايين لكشف خطة عسكرية أو تصميم عسكري ، أو مركب كيميائي ، أو سر من أسرار الطاقة ، أو غيرها ، من أجل صناعة ما يضاهيها ..
وهذا ما يجعل الدول والجهات والتنظيمات حريصة على ما عندها ، موفرة لها كل أسباب المنعة والحيطة والحماية .
ورسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ حين عزم على فتح مكة بعد أن نقضت قريش عهدها ، تكتم على المسلمين وقال : ( اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها .. ) حتى أن أبا بكر الصديق ِ رضي الله عنه ِ يدخل على ابنته عائشة ِ زوج الرسول ِ ويسألها عما إذا كانت تعرف شيئًا فتقول : ( لا والله ما أدري ) .
قال ابن إسحاق : ( ولما أجمع رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ المسير إلى مكة كتب حاطب بن أبي بلتعة كتابًا إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله ، ثم أعطاه امرأة ، وجعل لها جعلاً على أن تبلغه قريشًا ، وأتى رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ الخبر من السماء بما صنع حاطب ، فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام في أثر المرأة ، فأدركاها ، وأتي بالكتاب إلى رسول الله ، فدعا حاطباً وقال له : ( ما حملك على هذا ؟ ) قال حاطب : يا رسول الله ، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله ، ما غيرت ولا بدلت ، ولكني امرؤ ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة ، وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل ، فصانعتهم عليهم .
والحقيقة أن هذه الفعلة كانت تستحق الموت ، ولقد هم عمر بن الخطاب بتنفيذ ذلك ، وقال لرسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ : ( دعني فلأضرب عنقه ، فإن الرجل قد نافق ) ولكن رسول الله كان له رأي آخر ، حيث رأى في سابقته للإسلام وللجهاد ما يشفع له ، فقال : ( وما يدريك يا عمر ، لعل الله قد اطلع على أصحاب بدر يوم بدر ، فقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ) ولقد نزل في حاطب وفعلته قوله ِ تعالى ِ : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم بما جاءكم من الحق ، يخرجون الرسول وإياكم ، أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادًا في سبيلي وابتغاء مرضاتي ، تسرون إليهم بالمودة ، وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ، ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل } ( الممتحنة : 1 ) .
3 ِ الأمن العسكري :
والأمن العسكري يعتبر من أشد الجوانب أهمية لما يتسببه فقدان الأمن فيه من هزائم وانتكاسات لا حد ولا حصر لخطورتها ..
ِ ففي موقعة ( أحد ) وحين ترك الرماة الخمسون الذين وكل إليهم رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ حماية ظهور المسلمين ِ مع تأكيد الرسول عليهم بعدم مبارحة موقعهم ( ولو رأوا الطير تتخطف العسكر ) ِ حينذاك انكشف المسلمون ، وخلص المشركون إلى رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ فجرحوه جراحات بليغة ، وكسروا رباعيته ، وقتل عدد كبير من الصحابة .
ِ وبعد غزوة ذات الرقاع ، نزل رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ بالجيش الإسلامي منزلاً يستريحون فيه ، ولاتخاذ الإجراءات الأمنية اللازمة لحماية الجند انتدب رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ رجلاً من المهاجرين وهو عمار بن ياسر ، وآخر من الأنصار هو عباد بن بشر للحراسة ..
فلما خرج الرجلان لأداء المهمة ، قال الأنصاري للمهاجري : أي الليل تحب أن أكفيكه ؟ أوله أم آخره ؟ قال : بل اكفني أوله .. فاضطجع المهاجري فنام ، وقام الأنصاري يصلي ، فأتى رجل من الأعداء فوجد عباد بن بشر يصلي ، فرماه بسهم ، فنزعه عباد واستمر في صلاته ، فرماه بسهم ثانٍ فنزعه فرماه ، فرماه بثالث ، فركع وسجد ثم أيقظ صاحبه .. ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء ، قال : سبحان الله ، أفلا أهببتني أول ما رماك ؟! فقال الأنصاري : كنت في سورة أقرؤها ، فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها ، فلما تابع الرمي ركعت فأذنتك ، وايم الله ، لولا أن أضيع ثغرًا أمرني رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ بحفظه ، لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها.