ومن خلال استقرائنا للواقع الحركي ، ولتاريخ العمل الإسلامي ، يتبين لنا أن هنالك مجموعة من الأخطاء ، والتي تتكرر هنا وهناك معرضة الحركة الإسلامية للخطر .. ومن هذه الأخطاء :
1 ِ التصرفات الفردية غير المنضبطة :
كأن يقوم فرد ما من أفراد التنظيم أو مجموعة بتصرف فردي يتسبب بكارثة حركية ، وهنالك عشرات الأمثلة يمكن أن تساق على هذه الظاهرة من واقع العمل الإسلامي المعاصر ، والتي تسببت في أكثر الأحيان بتعريض التنظيم برمته إلى محن أخرت العمل الإسلامي عشرات السنين إلى الوراء ، وأوقعت فيه جراحات ثخينة على كل صعيد ، كل ذلك بدون ثمن ومن غير أن تتحقق للإسلام والحركة مصلحة ما .
ِ فهناك أفراد يرتبط تصرفهم بمشاعرهم وعواطفهم وليس بسياسة الحركة ومناهجها ، فهم متطرفون حيال كل قضية ، يفسرون الحكمة والتعقل على أنه جبن ، وينظرون إلى التخطيط والأخذ بالأسباب على أنه ضعف في الإيمان ، وهكذا .. هؤلاء خطرهم على العمل الإسلامي والحركة كبير ، ولذلك كان لا بد من التحفظ حيالهم .
ِ وهنالك أفراد يرتبط تصرفهم ِ إلى حد كبير ِ بمصالحهم ، فهم مع الدعوة ما دامت موافقة لمصالحهم ، وقد ينقلبوا أعداء لها متآمرين عليها مكيدين لها ، إذا ما تصادمت مع هذه المصالح ، وفي كثير من الأحيان يلجأ هؤلاء إلى تلمس أسباب ومبررات شرعية يخفون بها حقيقة الأمر .
ِ وهنالك أيضًا أفراد يوضعون في موضع المسئولية قبل نضجهم واكتمال جوانب شخصيتهم ، وقبل أن يوضعوا على المحك والتجربة التي لا تضر بالحركة ..
إن مثل هؤلاء يكون نموهم غير طبيعي ، ويكبرون في الدعوة دون أن تكبر الدعوة فيهم وعليهم ..
إن هؤلاء مآلهم أحد أمرين :
1 ِ إما أن يعمدوا إلى تسخير الدعوة وفق أهوائهم وتبعًا لمصالحهم .
2 ِ وإما أن يتركوا الدعوة ويبيعوها بثمن بخس مشترين بذلك عرضًا من الحياة الدنيا زائلاً .
ِ ثم إن هناك أفرادًا يفكرون دائمًا بصوت مرتفع ، لا يحفظون سرًّا ، ولا يكتمون أمرًا ، ولا يفرقون بين ما يجوز طرحه هنا وما لا يجوز ، وبين ما يمكن أن يقال هنا ولا يقال هناك ! .
إن هؤلاء لا يمكن أن يوصف مدى أثرهم وخطرهم على العمل والدعوة º لأن ذلك مرتبط ( باللسان ) الذي تكب حصائده الناس على مناخرهم في النار يوم القيامة .
ولقد أمرنا رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ أن نمسك علينا ألسنتنا º لأنها قد تكون سببًا في هلكتنا في دنيانا وآخرتنا .
2 ِ الانشقاقات الداخلية :
والانشقاقات الداخلية يمكن اعتبارها من الأسباب المدمرة للحركات ، الماحقة لها ، إن لم تتمكن من تطويقها وتحسن الاستفادة منها .
فالانشقاقات باعث على تفتيت الصف وتشتيت الكلمة .
والانشقاقات باعث على إضعاف الحركة وإنهاكها .
والانشقاقات باعث على إغراء الخصوم باختراقها وضربها وتصفيتها .
والانشقاقات ِ فوق هذا كله ِ باب كبير يلج منه الشيطان إلى النفوس ، فيشوه إيمانها ، ويفسد أخلاقها ، ويعبث بكل قيمها .
حادث بسيط وقع في العهد النبوي ، وهو مقاطعة المسلمين لثلاثة رجال تخلفوا عن الخروج مع رسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ ( إلى تبوك ) .. هذا الحادث أغرى ( ملك الغساسنة ) بمحاولة اختراق الصف لأنه وجد الفرصة مواتية وعليه أن يهتبلها .. فأرسل كتابًا مع رسول إلى أحد الثلاثة وهو ( كعب بن مالك ) ، فماذا حصل ؟ ..
يقول كعب : ( فبينما أنا أمشي بالسوق ، إذا نبطي يسأل عني من نبط الشام ، يقول : من يدل على كعب بن مالك ؟ قال : فجعل الناس يشيرون له إليَّ ، حتى جاءني ، فدفع إليَّ كتابًا من ( ملك غسان ) وكتب كتابًا في سرقة ( قطعة ) من حرير ، فإذا فيه : أما بعد ، فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة ، فالحق بنا نواسك .. قال كعب : قلت حين قرأتها : وهذا من البلاء أيضًا ، قد بلغ بي ما وقعت فيه أن طمع فيَّ رجل من أهل الشرك .. فعمدت إلى تنور فسجرته ( أحرقته ) بها ) .
إن ما يمكن أن تسببه الانشقاقات من سوء وإيذاء ومخاطر للإسلام والدعوة فضلاً عن غضب الله وسخطه ، هي الباعث لتكرار الوعيد والتهديد ِ قرآنًا وسنة ِ من مغبة الاختلاف والتفرق ، حتى أن الأمر ليصل برسول الله ِ صلى الله عليه وسلم ِ إلى أن يقول : ( إنه ستكون هنات وهنات ، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع ، فاضربوه بالسيف ، كائنًا من كان ) .
ولنعلم أن أعداء الإسلام وأجهزتهم الأمنية ومراصدهم تتابع بنهم ما يجري على الساحة الإسلامية ، مهتبلة كل فرصة من فرص الاختراق والاحتواء والتخريب .
وأود أن أسوق هنا مثالاً من كتاب ( الجاسوسية الأمريكية ) كصورة من صور تصيد الظروف والمناسبات بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي ..
وخلاصة الحادث أن ( المخابرات الأمريكية ) في واشنطن تلقت من أحد عملائها السريين في موسكو أن موظفًا سوفييتيًّا من موظفي ( الكريملين ) يدعى ( أندريه ) على استياء من الحكومة والقادة السوفييت بسبب رفض ترقيته مرتين متتاليتين ، بالرغم من كونه صاحب حق في هذه الترقيات .. فوجدت المخابرات الأمريكية أن الفرصة سانحة من أجل تصيد هذا الموظف ليكون جاسوسًا لها في قلب الكريملين .. وبالفعل بدأت المخابرات خطة محكمة أدت بالنتيجة إلى تكريس ( أندريه ) عميلاً للمخابرات الأمريكية في الجهاز القيادي المركزي للحزب الشيوعي !!.
3 ِ الوقوع في أيدي الأعداء والبوح بأسرار التنظيم :
فهنالك نوعيات معينة من الأفراد تستهين بالإجراءات الأمنية ولا تكلف نفسها الأخذ بأسباب الحيطة والحذر ، وقد يقدر الله أن يسقط هؤلاء بيد جهة عدوة ، فإذا بهم ينهارون ويتلاشون ، وكأنه لم يكن بحسبانهم أن يتعرضوا لأية فتنة أو ابتلاء ، وسرعان ما يبوحون بكل شيء ، ويكشفون كل شيء ! نسأل الله ِ تعالى ِ الثبات والسلامة .
ومن هنا كان على العاملين في الحقل الإسلامي أن يؤمنوا ( بحتمية المحنة ) ، { أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } ، كما أن عليهم أن يأخذوا من أسباب الحيطة والحذر ما وسعوا ، وليتوكلوا بعد ذلك على الله .. فإذا قدر الله عليهم المحنة كان عليهم أن يتماسكوا ويثبتوا كما ثبت الذين آمنوا من قبل ، وليذكروا آيات الله ِ تعالى ِ في مثل هذه الظروف الصعبة ، وهي تحكي قصة الصامدين في وجه الباطل ، الذين لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله .
ليذكروا أن طريق الإسلام هو طريق الجهاد وطريق ( ذات الشوكة ) وأنهم ليسوا أول الممتحنين ولن يكونوا آخرهم ، وإنما هي مواكب { فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلاً .. } .
وليدركوا أن نعيم الآخرة هو النعيم ، وأن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ، وأن فرحة المؤمن بلقاء الله لا تعدلها فرحة ، وإن الله ِ تعالى ِ قال في الحديث القدسي : ( وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين ، إذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة ، وإذا أمنني في الدنيا أخفته في الآخرة ) .
ثم إن مما يعرض العمل الإسلامي والدعوة لخطر شديد في حال وقوع الأفراد في أيدي أعداء الإسلام يتعلق بمدى ما لديهم من معلومات ، وكلما كثرت معلوماتهم اشتد خطرهم ، ولهذا كان من مصلحة الدعوة أن يعطى الفرد بحسب الحاجة º لأن فضول المعلومات سينقلب بلاء عليه وعلى دعوته .