الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: التوكل
المؤلف: يوسف القرضاوي
التصنيف: أسرة
 

الفصل الرابع

التوكل ورعاية الأسباب

التوكل -الذي أمر به القرآن والسُنَّة- لا ينافي رعاية الأسباب، التي أقام الله عليها نظام هذا الكون، وأجرى عليها سُنَّته، ومضت بها أقداره وحكم بها شرعه.

يقول الأستاذ أبو القاسم القشيري في "رسالته":

"واعلم أن التوكل محل القلب، والحركة بالظاهر لا تنافي التوكل بالقلب، بعد ما تحقق العبد أن التقدير من قöبَل الله تعالى، فإذا تعسَّر شيء فبتقديره، وإن اتفق فبتيسيره".

واستدل لذلك بالحديث المشهور عن أنس بن مالك قال: جاء رجل على ناقة له، فقال: يا رسول اللهº أدعها وأتوكل؟ أو أرسلها وأتوكل؟ فقال صلى الله عليه وسلم: (اعقلها وتوكل).

وهذا نص حاسم صريح في مراعاة الأسباب، وأنها لا تنافي التوكل.

حكايات بعض الصوفية في إهمال الأسباب

ومع ذلك روى القشيري رحمه الله حكايات كثيرة عن عدد من مشايخ الصوفية، تركوا الأسباب، بل رفضوها عمداً، ودخلوا البادية المقفرة من غير زاد، متوكلين على الله تعالى، منكرين على مَن يتعلق بسبب، في أي وجه، وأية صورة.

ونقل الإمام الغزالي هذه الحكايات في كتابه "منهاج العابدين" لتكون نموذجاً يُحتذى للسائرين المريدين للآخرة، والسالكين للطريق إلى الله تعالى. كما ذكرها في "الإحياء" محاولاً تبريرها.

يقول بعضهم: حججتُ أربع عشرة حَجَّة، حافياً، على التوكل. فكان يدخل في رجلي شوكة، فأذكر أني قد اعتقدت على نفسي التوكل، فأحكها في الأرض وأمشي!

يعني أنه يرى إخراج الشوكة المؤذية من رجله مناقضاً للتوكل الذي اعتقده.

ويقول آخر: إني لأستحي من الله أن أدخل البادية وأنا شبعان، وقد اعتقدت التوكل (أي عزمت عليه) لئلا يكون شبعي زاداً أتزود به!
وقال آخر: دخلت البادية مرة بغير زاد، فأصابتني فاقة، فرأيت المرحلة (القرية أو محطة الاستراحة) من بعيد فسررتُ بأني قد وصلت، ثم فكرت في نفسي: أني سكنت واتكلت على غيره تعالى، فآليت ألا أدخل المرحلة، حتى أُحمَل إليها. فحفرت لنفسي في الرمل حفرة، وواريت جسدي فيها إلى صدري! فسمعوا صوتاً في نصف الليل عالياً يقول: يا أهل الباديةº إن لله تعالى ولياً حبس نفسه في هذا الرمل فالحقوه .. فجاءني جماعة فأخرجوني وحملوني إلى القرية!

ومثل ذلك: من وقع في بئر فنازعته نفسه أن يستغيث، فقال: أراد الله ألا أستغيث.. ومر رجلان، فقال أحدهما للآخر: تعال نسد رأس هذه البئر لئلا يقع فيها أحد.. وشرعا يفعلان. وقد همَّ أن يصيح، ثم قال في نفسه: أصيح ( أي أشكو ) إلى مًن هو أقرب منهما! إلى الله سبحانه. وسكن لهذا الخاطر، فيما هو بعد ساعة، إذا هو بشيء جاء، وكشف عن رأس البئر، وأدلى رجله، وكأنه يقول له: تعلق بي، قال: فتعلَّقتُ به فأخرجني، فإذا سبع.

والحكايات من هذا النوع -الذي يعتبره الفقهاء إلقاء بالنفس إلى التهلكة- كثيرة.

مخالفة هذه الحكايات للسنة الصحيحة

ولكن العارفين الراسخين يعلمون أن السُنَّة على خلاف ما يحكى عن هؤلاء.

يقول شيخ القوم وسيدهم سهل بن عبد الله: مَن طعن في الحركة ( يعني السعي والأخذ بالأسباب ) فقد طعن في السُنَّة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان.

وذلك أن سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم -القولية والعملية والتقريرية- الأخذ بالأسباب، والدعوة إلى مراعاتها، مع تعلق القلب بالله تعالى، مسبب الأسباب، وصاحب الخلق والأمر.

فهو يقول للأعرابي في شأن ناقته: (اعقلها وتوكل).

ويقول: (لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً، وتروح بطاناً) ، وفيه إشارة إلى التسبب، لأنه لم يضمن لها الرواح بطاناً، إلا بعد أن غدت خماصاً، والغدو حركة وانتشار.

وأحاديثه عليه الصلاة والسلام - في الدعوة إلى العمل والكسب الحلال، عن طريق الزرع والغرس، والصناعة والتجارة والاحتراف -ولو بالاحتطاب- كثيرة وشهيرة. وحسبنا منها قوله: (ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وأن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده) ، وحديثه الآخر: ( إن قامت الساعةُ وفي يد أحدكم فَسöيلة، فإن استطاع ألا تقوم حتى يغرسَها؟ فليغرسْها).

وقد رأيناه صلى الله عليه وسلم يعد العدة، ويهيئ الأسباب في غزواته وسراياه، ويتخذ الاحتياطات اللازمة لسلامة جيشه، والمحافظة على جنوده، ويبعث العيون والطلائع لمعرفة أخبار الأعداء، والتعرف على نقاط الضعف عندهم. وهذا بيّöن لمن قرأ سيرته، ودرس مغازيه صلى الله عليه وسلم.

ومن روائع ما قرأناه في سُنَّته وسيرته صلى الله عليه وسلم في الأخذ بالأسباب: استخدامه "أُسلوب الإحصاء" منذ وقت مبكر من إقامة الدولة الإسلامية، أي بعد الهجرة إلى المدينة. فقد روى البخاري ومسلم عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (أحصوا لي كم يلفظ بالإسلام) حتى لفظة "الإحصاء" استعملها.

وفي رواية للبخاري في صحيحه أنه قال: (اكتبوا لي من يلفظ بالإسلام من الناس). قال حذيفة : فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل. ويبدو أن إحصاء الرجال القادرين على حمل السلاح كان هو المقصود بالقصد الأول.

فهو ليس إذن عداً شفهياً. بل هو إحصاء كتابي -لقوله: ( اكتبوا لي )- يُراد تدوينه وتسجيله، ليعرف منه عليه الصلاة والسلام مقدار القوة البشرية الضاربة التي يستطيع أن يواجه بها أعداءه المتربصين به، وما أكثرهم.

كما أن من سيرته وسُنَّته صلى الله عليه وسلم التخطيط للمستقبل، وإعداد العدة للغد، كما بيَّنا ذلك بأدلته في كتبنا من قبل.

كما بينا أن ذلك لا يناقض مبدأ التوكل على الله تعالى.

بل هي مخالفة لسنن الأنبياء عامة

وليست هذه سُنَّة محمد -عليه الصلاة والسلام- وحده، بل هي سُنَّة رُسُل الله وأنبيائه من قبله، كما هو بيّöن من قصص القرآن عنهم.

فهذا نوح عليه السلام يصنع الفلك كما أمره الله تعالى: (واصنع الفلك بأعيننا ووحينا) (هود: 37) لتكون أداة الإنقاذ له ولمن آمن معه إذا جاء الطوفان، وكان في قُدرَة الله أن يحجز الماء عنه، وعمن معه، أو يحملهم فوق الماء بغير سفينة، ولكن الله أراد أن يُعلّöمنا أن قدرته تعمل من خلال الأسباب التي أوجدها أيضاً. قال تعالى عن نوح: (فدعا ربه أني مغلوبñ فانتصر* ففتحنا أبواب السماء بماءٍ منهمرٍ* وفجرنا الأرض عيوناً فالتقى الماء على أمرٍ قد قُدöر* وحملناه على ذات ألوحٍ ودُسُرٍ* تجري بأعيننا جزاءً لمن كان كُفöر) (القمر: 10 - 14).
وهذا يعقوب عليه السلام يقول ليوسف بعد أن ذكر له رؤياه: ( يا بني لا تقصص رُءياك على إخوتك فيكيدوا لك كيداً) (يوسف: 5)، ونراه بعد ذلك يخاف على بنيه عند توجههم إلى مصر، فيوصيهم قائلا: (يا بَني لا تدخلوا من بابٍ واحدٍ وادخلوا من أبوابٍ متفرقةٍ، وما أُغني عنكم من الله من شيءٍ، إنö الحكم إلا لله، عليه توكلت، وعليه فليتوكل المتوكلون) (يوسف: 67).

وسواء أكان يخشى عليهم العَيْن -كما قيل- أو يخشى أمراً آخر يتعلق بالسياسة، فقد أعطى الأسباب حقها، وترك النتائج لله تعالى، ولحكمة الكوني في الخلق، وما يكون التوكل حقاً: (عليه توكلت، وعليه فليتوكل المتوكلون).

وهذا يوسف الصّöدّöيق عليه السلام يضع لإنقاذ مصر من القحط والمجاعة خطة خمس عشرية، وقام هو على تنفيذها، أساسها زيادة الإنتاج في سنوات الخصوبة السبع، مع تقليل الاستهلاك، وخزن القمح في سنبله "إلا قليلاً مما يأكلون"، ثم الاستهلاك بقدر وحساب -من المخزون- خلال سنوات الجدب، بحيث يكفي السبع الشداد كلها، كما أشار إلى ذلك القران: (ثم يأتي من بعد ذلك سبعñ شدادñ يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلاً مما تحصنون) (يوسف: 48). وفي قوله: (ما قدمتم لهن) يفيد أن الاستهلاك مقدَّر ومحسوب، مثل التوزيع بالبطاقات ونحو ذلك، وفي قوله: (إلا قليلاً مما تحصنون) إشارة إلى استبقاء بعض الحبوب لتستخدم بذوراً عندما يجيء الغيث ويبعث الله الماء. وإلا لم يكن للماء فائدة إذا انعدمت البذور.
وقد قام يوسف بهذه المهمة، ونجى الله على يديه مصر وما حولها من البلاد، ببركة هذا التخطيط المحسوب، ولا يضير ذلك أن كان أساسه رؤيا صادقة، فالمهم أن الرؤيا أفادت علماً بمشكلة وأزمة، فطلبت حلاً، وكانت خطة يوسف هي الحل، ولم يكن في ذلك ما ينافي التوكل على الله تعالى، كيف وقد قام عليه نبي مرسل، وسجَّله الله في أعظم كتبه.

وهذا موسى عليه السلام حين سار بأهله من مَدْيَن، راجعاً إلى مصر، آنس من جانب الطور ناراً، فقال لأهله: (امكثوا إني آنست ناراً، لعلّöي آتيكم منها بخبرٍ أو جَذوةٍ من النار لعلكم تصطلون) (القصص: 29) وسعى إلى موضع النار، ولم يجلس حتى يأتيه الخبر، أو الجذوة، اتكالاً على الله تبارك وتعالى.

ونجده عليه السلام حين سار ومعه فتاه ليلقى العبد الصالح -الخضر عليه السلام- عند مجمع البحرين، يصحب معه زاده وغداءه، ويقول لفتاه: (آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصباً) (الكهف: 62). وحين أمره الله بالخروج من مصر قال له: (فأسر بعبادي ليلاً إنكم متبعون) (الدخان: 23) وذلك ليكون الليل ستاراً له من فرعون وملئه.

ويحدثنا القرآن عن داود فيقول: (وعلمناه صنعة لَبوسٍ لكم لتحصنكم من بأسكم، فهل أنتم شاكرون) (الأنبياء: 80) ، (وألنَّا له الحديد * أن اعْمَل سابغات وقدّöر في السرد) (سبأ: 10، 11)º فعمله في صناعة الدروع السابغات، التي تحصن لابسيها وتحفظهم من بأس العدو وضرباته. ولم ير القرآن عمل داود هذا مناقضاً للتوكل على الله.

وقد أمر الله تعالى الصّöدّöيقة البتول مريم عليها السلام أن تهز بجذع النخلة ليتساقط عليها الرطب، رعاية للأخذ بالأسباب ظاهراً، وإن كان الأمر كله آية وكرامة لمريم، قال تعالى: (وهُزّöي إليك بجذع النخلة تُساقöط عليكö رُطباً جنياً * فكُلي وأشربي وقَرَّي عيناً) (مريم: 25، 26).
وفي ذلك يقول الشاعر:

ولا ترغبن في العجز يوماً عن الطلب

توكل على الرحمن في الأمر كله

وهُزّöي إليك الجذع يسَّاقط الرطب؟

ألم تر أن الله قِال لمِِريم:

جنته، ولكن كِِل شيء له سبب

ولو شاء أن تجنيه من غير هزة

وفتية أهل الكهف الذين أثنى الله عليهم، وخلَّد ذكرهم في كتابه، وقال: (إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هُدًى) (الكهف: 13) حين أووا إلى الكهف حملوا معهم بعض النقود من (الورق) أي الفضة، ليستطيعوا بها شراء بعض ما يريدون، كما دلَّ على ذلك قوله تعالى: (فابعثوا أحدكم بوَرöقöكم هذه إلى المدينة) (الكهف: 19) ولم يكن ذلك منافياً لتوكلهم على الله تعالى.

القرآن يأمر برعاية الأسباب

وها هو القرآن يأمر المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم) (النساء: 71)، (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوةٍ ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) (الأنفال: 60).

ويأمر بالصلاة المعروفة باسم "صلاة الخوف" في الحرب، فيدعو إلى تقسيم المقاتلين إلى قسمين: قسم يُصلّöي وراء الإمام، وقسم في مواجهة العدو، ويوصى بأخذ الحذر والسلاح، حتى لا يهتبل العدو فرصة اشتغالهم بالصلاة فيميل عليهم ميلة واحدة. يقول تعالى: (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفةñ منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفةñ أخرى لم يصلُّوا فليصلًّوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، ودَّ الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلةً واحدةً، ولا جُناح عليكم إن كان بكم أذًى من مطرٍ أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم، وخذوا حذركم، إن الله أعدَّ للكافرين عذاباً مهيناً) (النساء: 102).

هذا في جانب الحرب والإعداد للأعداء.

وفي جانب الرزق، يقول تعالى: (هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه، وإليه النشور) (الملك: 15) فهذا أمر بالمشي في مناكب الأرض.

وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا نُودöيَ للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع، ذلكم خيرñ لكم إن كنتم تعلمون * فإذا قُضöيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله) (الجمعة: 9، 10) فهذا هو شأن المسلم: عمل وبيع قبل الصلاة، وسعي وانتشار في الأرض بعد الصلاة.

وقد وصف الله تعالى رُوَّاد بيوته التي أذن الله أن تُرفع ويُذكر فيها اسمه، فقال: (يُسبح له فيها بالغدو والآصال * رجالñ لا تلهيهم تجارةñ ولا بيعñ عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة) (النور: 36، 37) فلم يصفهم بعطالة ولا بطالة، بل جعل لهم تجارةً وبيعاً، فهم "رجال أعمال" ولكن ذلك لا يلهيهم ولا يشغلهم عن ذكر الله، وأداء حق الله.

وقال تعالى في شأن الحج: (وتزوَّدوا فإن خير الزاد التقوى، واتقونö يا أولي الألباب) (البقرة: 197).

جاء عن ابن عباس أن أناساً من أهل اليمن كانوا يحجون ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون! فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: (وتزوَّدوا ... ) الآية.

 

هدي الصحابة والتابعين في مراعاة الأسباب

ومَن نظر في حال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهم خير قرون هذه الأمة وأفضل أجيالها- وجدهم يكدحون ويعملون لمعاشهم، ولم ينقص ذلك من توكلهم على الله تعالى.

كان المهاجرون في مجموعهم أهل تجارة، وكان الأنصار أهل زرع.

ولما عرض سعد بن الربيع الأنصاري على عبد الرحمن بن عوف أن يقاسمه ماله وداره وأهله، قال له: بارك الله لك في مالك وأهلك ودارك إنما أنا امرؤ تاجر، فدلوني على السوق!

وعمر بن الخطاب يقول بعد سماع حديث الاستئذان ثلاثاً من أبي موسى الأشعري، وشهادة أبي سعيد الخدري بتأكيده: ألهاني عنه الصفق بالأسواق.
وأبو بكر، حينما بويع بالخلافة، أراد يذهب إلى السوق -على عادته- يقتات لأهله، ويتجر ليكسب لهم ما يكفيهم. وهذا -كما يقول أبو طالب المكي- في أتم أحواله، حين أُهّöل للخلافة وأقيم مقامة النبوة، حتى اجتمع المسلمون، فكرهوا له ذلك، فقال: لا تشغلوني عن عيالي، فإني إن أضعتهم كنت لما سواهم أضيع، حتى فرضوا له قوت أهل بيت من المسلمين، لا وكس ولا شطط.

وقال معاوية بن قرة: لقي عمر بن الخطاب ناساً من أهل اليمن، فقال: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون. قال: بل أنتم المتأكلون. إنما المتوكل الذي يلقي حبه في الأرض، ويتوكل على الله عزَّ وجلَّ.

ومن المشهور عنه: أنه رأى جماعة يقعدون في المسجد بعد صلاة الجمعة، فأنكر عليهم، وقال: لا يقعدنَّ أحدكم عن طلب الرزق، ويقول: اللهم ارزقني، وقد علم أن السماء لا تمطر ذهباً ولا فضةً! إنما يرزق الله الناس بعضهم من بعض. أما قرأتم قول الله تعالى: (فإذا قُضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله)؟ (الجمعة: 10)

وقد حكوا عن شقيق البلخي -وهو من أهل العبادة والزهد- أنه ودَّع صديقه إبراهيم بن أدهم، لسفره في تجارة عزم عليها. ولم يلبث إلا مدة يسيرة، ثم عاد، ولقيه إبراهيم، فعجب لسرعة إيابه من رحلته، فسأله عما رجع به قبل أن يتم غرضه، فقصَّ عليه قصة شهدها، جعلته يغير وجهته ويلغي رحلته، ويعود قافلاً.

ذلك أنه نزل للراحة في الطريق، فدخل خربة يقضي فيها حاجته، فوجد فيها طائراً أعمى كسيحاً لا يقدر على حركة، فرَقَّ لحاله، وقال: من أين يأكل هذا الطائر الأعمى الكسيح في هذه الخربة؟ ولم يلبث أن جاء طائر آخر يحمل إليه الطعام ويمده به، حتى يأكل ويشبع، وظل يراقبه عدة أيام وهو يفعل ذلك، فقال شقيق: إن الذي رزق هذا الطائر الأعمى الكسيح في هذه الخربة لقادر على أن يرزقني! وقرر العودة.
وهنا قال له ابن أدهم: سبحان الله يا شقيق! ولماذا رضيت لنفسك أن تكون الطائر الأعمى العاجز الذي ينتظر عون غيره، ولا تكون أنت الطائر الآخر الذي يسعى ويكدح ويعود بثمرة ذلك على من حوله من العمي والمقعدين؟! أما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اليد العليا خير من اليد السفلى)؟.

فقام إليه شقيق وقبَّل يده وقال: أنت أستاذنا يا أبا إسحاق!.

المحققون يردون على معطلي الأسباب

الحق أن المعرضين عن الأسباب بالكلية لا سند لهم من قرآن ولا سُنَّة، ولا من عمل الصحابة وتابعيهم بإحسان. وهم في حاجة إلى الاعتذار عنهم مما ارتكبوه، لا التأسّöي لهم فيما فعلوه!

ولو أن المسلمين في خير القرون ساروا على هذا النهج، ما انتصر لهم دين ولا قامت لهم دولة، ولا تأسست لهم حضارة، ولا مُكّöن لهم في الأرض، فإن هذا التوجه السلبي غريب على العقل الإسلامي، والروح الإسلامي، والنهج الإسلامي، الذي يعمل لتكوين الفرد الصالح، والأسرة الصالحة، والمجتمع الصالح، والأمة الصالحة، والدولة الصالحة.

والدليل على أنه ليس فضيلة محمودة، ولا فريضة مطلوبة: أنه لا يمكن تعميمه وطلبه من الناس كافة، لأنه غير موافق لشرع الله وأمره، ولا لسُنَّته الثابتة في ربط المسببات بالأسباب.

ولذا أنكره فقهاء الأمة المتبوعون، وأئمتها المعتبرون.

فهذا الإمام سفيان بن سعيد الثوري -وهو إمام في الفقه، وفي الحديث، وفي الزهد واليقين- يقول:

"العالöم إذا لم تكن له معيشة صار وكيلاً للظلمة، والعابد إذا لم تكن له معيشة أكل بدينه، والجاهل إذا لم تكن له معيشة صار وكيلاً للفُسَّاق".
وقال الإمام أبو جعفر الطبري: "قيل: لا يستحق التوكل إلا مَن لم يخالط قلبه خوف من شيء ألبتة، حتى السبع الضاري، والعدو العادي، ولا مَن لم يسع في طلب رزق أو مداواة ألم! والحق أن مَن وثق بالله، وأيقن أن قضاءه عليه ماض، لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب، اتباعاً لسُنَّته (تعالى) وسُنَّة رسوله، فقد ظاهر صلى الله عليه وسلم في الحرب بين درعين، ولبس على رأسه المغفر، وأقعد الرماة على فم الشّöعب، وخندق حول المدينة، وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشرب، وادخر لأهله قوتهم، ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء، وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك، وقال للذي سأله: أعقل ناقتي أو أدعها؟ قال: (اعقلها وتوكل) ، فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل".

وممن نقد الصوفية في مسلكهم هذا نقداً موضوعياً، وإن لم يخل من حرارة وشدة: الإمام أبو الفرج بن الجوزي في كتابه الشهير"تلبيس إبليس". فقد ذكر حكاياتهم، وعقَّب عليها بالرد في ضوء الأصول الشرعية.

نقل رحمه الله عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: لو توكلنا على الله تعالى ما بنينا الحيطان، ولا جعلنا لباب الدار غلقاً مخافة اللصوص.

وعن ذي النون المصري أنه قال: سافرتُ سنين وما صحَّ لي التوكل إلا وقتاً واحداً: ركبتُ البحر فكسر المركب، فتعلقت بخشبة من خشب المركب فقالت لي نفسي: إن حكم الله عليك بالغرق فما تنفعك هذه الخشبة؟ فخليت الخشبة، وقطعت على الماء، فوقعت على الساحل!
أخبرنا محمد قال: سألت أبا يعقوب الزيَّات عن مسألة في التوكل، فأخرج درهماً كان عنده ثم أجابني، فأعطى التوكل حقه، ثم قال: استحييت أن أجيبك وعندي شيء.

وعلَّق ابن الجوزي على ذلك فقال: قلة العلم أوجبت هذا التخليط. ولو عرفوا ماهّöيَة التوكل لعلموا أنه ليس بينه وبين الأسباب تضاد. وذلك أن التوكل اعتماد القلب على الوكيل وحده، وذلك لا يناقض حركة البدن في التعلق بالأسباب، ولا ادخار المال. فقد قال تعالى: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً) (النساء: 5) أي قواماً لأبدانكم. وقال صلى الله عليه وسلم: (نöعم المال الصالح مع الرجل الصالح)، وقال صلى الله عليه وسلم (إنك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس).

قال: واعلم أن الذي أمر بالتوكل أمر بأخذ الحذر فقال: (خذوا حذركم) (النساء: 71)، وقال: (وأعöدُّوا لهم ما استطعتم من قوةٍ) (الأنفال: 60)، وقال: (فأسر بعبادي ليلاً) (الدخان: 23)، وقد ظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين، وشاور طبيبين، واختفى في الغار. وقال: (من يحرسني الليلة)؟ وأمر بغلق الباب. وفي الصحيحين من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أغلق بابك). وقد أخبرنا أن التوكل لا ينافي الاحتراز (أي في قوله: اعقلها وتوكل).

وقال الإمام ابن عقيل: "يظن أقوام أن الاحتياط والاحتراز ينافي التوكل. وأن التوكل هو إهمال العواقب وإطراح التحفظ، وذلك عند العلماء هو العجز والتفريط، الذي يقتضي من العقلاء التوبيخ والتهجين، ولم يأمر الله بالتوكل إلا بعد التحرز واستفراغ الوسع في التحفظ. فقال تعال: (وشاورهم في الأمر، فإذا عزمت فتوكل على الله) (آل عمران: 159)، فلو كان التعلق بالاحتياط قادحاً في التوكل لما خص الله به نبيه حين قال له: (وشاورهم في الأمر) وهل المشاورة إلا استفادة الرأي الذي منه يؤخذ التحفظ والتحرز من العدو؟ ولم يقنع في الاحتياط بأن يكله إلى رأيهم واجتهادهم، حتى نص عليه، وجعله عملاً في نفس الصلاة وهي أخص العبادات. فقال: (فلتقم طائفةñ منهم معك وليأخذوا أسلحتهم) (النساء: 102)، وبيَّن عöلَّة ذلك بقوله تعالى: (ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتöكم وأمتعتöكم فيميلون عليكم ميلةً واحدةً) (النساء: 102)، ومن علم أن الاحتياط هكذا لا يقال: إن التوكل عليه ترك ما علم. لكن التوكل التفويض فيما لا وسع فيه ولا طاقة. قال عليه الصلاة والسلام: (اعقلها وتوكل). ولو كان التوكل ترك التحرز لخص به خير الخلق صلى الله عليه وسلم في خير الأحوال، وهي حالة الصلاة. وقد ذهب الشافعي رحمه الله إلى وجوب حمل السلاح حينئذ لقوله: (وليأخذوا أسلحتهم )، فالتوكل لا يمنع من الاحتياط والاحتراز، فإن موسى عليه السلام لما قيل له: (إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك ) (القصص: 20) خرج. ونبينا صلى الله عليه وسلم خرج من مكة لخوفه من المتآمرين عليه، ووقاه أبو بكر رضي الله عنه بسد أثقاب الغار. وأعطى القوم التحرز حقه، ثم توكلوا، وقال عزَّ وجلَّ في باب الاحتياط: (لا تقصص رءياك على إخوتك) (يوسف: 5) وقال: (لا تدخلوا من بابٍ واحدٍ ) (يوسف: 67)، وقال: (فامشوا في مناكبها) (الملك: 15) وهذا لأن الحركة للذَبّö عن النفس استعمال لنعمة الله تعالى. وكما أن الله تعالى يريد إظهار نعمه المبداة، يريل إظهار ودائعه، فلا وجه لتعطيل ما أودع، اعتماداً على ما جاد به. لكن يجب استعمال ما عندك ثم اطلب ما عنده.

وقد جعل الله تعالى للطير والبهائم عُدّة وأسلحة تدفع عنها الشرور، كالمöخلب والظُّفر والناب، وخلق للآدمي عقلاً يقوده إلى حمل الأسلحة، ويهديه إلى التحصين بالأبنية والدروع. ومَن عَطَّل نعمة الله تعالى بترك الاحتراز فقد عَطَّل حكمته، كمن يترك الأغذية والأدوية ثم يموت جوعاً أو مرضاً. ولا أبله ممن يدَّعي العقل والعلم ويستسلم للبلاء. إنما ينبغي أن تكون أعضاء المتوكل في الكسب، وقلبه ساكن مُفَّوض إلى الحق، منع أو أعطى. لأنه لا يرى إلا أن الحق سبحانه وتعالى لا يتصرف إلا بحكمة ومصلحة. فمنعه عطاء في المعنى. وكم زيَّن للعجزة عجزهم، وسوَّلت لهم أنفسهم أن التفريط توكل، فصاروا في غرورهم بمثابة من اعتقد التهور شجاعة، والخور حزماً. ومتى وُضöعت أسباب فأُهمöلت كان ذلك جهلاً بحكمة الواضع. مثل وضع الطعام سبباً للشبع، والماء للري، والدواء للمرض. فإذا ترك الإنسان ذلك إهواناً بالسبب، ثم دعا وسأل، فربما قيل له: قد جعلنا لعافيتك سبباً، فإذا لم تتناوله كان إهواناً لعطائنا، فربما لم نعافك بغير سبب لإهوانك للسبب. وما هذا إلا بمثابة مَن بين قراحه وماء الساقية رفسة بمسحاة، فأخذ يصلي صلاة الاستسقاء طلباً للمطر، فانه لا يُستسحن منه ذلك شرعاً ولا عقلاً ".
قال ابن الجوزي رحمه الله: "فإن قال قائل: كيف احترز مع القدر؟ قيل له: وكيف لا تحترز مع الأوامر من المقدّöر؟ فالذي قدر الذي أمر. وقد قال تعالى: (وخذوا حذركم) (النساء: 102).

عن أبي عثمان قال: كان عيسى عليه السلام يصلي على رأس جبل، فأتاه إبليس فقال: أنت الذي تزعم أن كل شيء بقضاء وقَدَر؟ قال: نعم. قال: فألق نفسك من الجبل وقل: قدر عليّ! فقال: يا لعينº الله يختبر العباد وليس للعباد أن يختبروا الله تعالى.

قال ابن الجوزي: وفي معنى ما ذكرنا من تلبيسه عليهم في ترك الأسباب أنه قد لبَّس على خلق كثير منهم بأن التوكل ينافي الكسب.
عن محمد بن عبد الله الرازي قال: سأل رجل أبا عبد الله بن سالم وأنا أسمع: أنحن مُستعبَدون بالكسب أم بالتوكل؟ فقال: التوكل حال رسول الله صلى الله عليه وسلم والكسب سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما سُنَّ الكسب لمن ضعف عن التوكل، وسقط عن درجة الكمال التي هي حاله، فمن أطلق التوكل فالكسب غير مباح له بحال إلا كسب معاونة، لا كسب اعتماد عليه، ومَن ضعف عن حال التوكل التي هي حال رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبيح له طلب المعاش في الكسب، لئلا يسقط عن درجة سُنَّته حين سقط عن درجة حاله.

وعن يوسف بن الحسين قال: إذا رأيت المريد يشتغل بالرخص والكسب، فليس يجيء منه شيء.

قال ابن الجوزي رحمه الله: قلت: هذا كلام قوم ما فهموا معنى التوكل، وظنوا أنه ترك الكسب، وتعطيل الجوارح عن العمل، وقد بيَّنا أن التوكل فعل القلب فلا ينافي حركة الجوارح، ولو كان كل كاسب ليس بمتوكل لكان الأنبياء غير متوكلينº فقد كان آدم عليه السلام حرَّاثاً، ونوح وزكريا نجَّارين، وإدريس خيَّاطاً، وإبراهيم ولوط زارعين، وصالح تاجراً. وكان سليمان يعمل الخوص، وداود يصنع الدرع ويأكل من ثمنه، وكان موسى وشعيب ومحمد رعاة، صلوات الله عليهم أجمعين.

وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: (كنت أرعى غنماً لأهل مكة بالقراريط). فلما أغناه الله عزَّ وجلَّ بما فرض له من الفيء لم يحتج إلى الكسب. وقد كان أبو بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وطلحة رضوان الله تعالى عليهم بزَّازين. وكذلك محمد بن سيرين وميمون بن مهران بزَّازين. وكان الزبير بن العوام وعمرو بن العاص وعامر بن كريز خزَّازين، وكذلك أبو حنيفة. وكان سعد بن أبي وقاص يبري النبل، وكان عثمان بن طلحة خيَّاطاً. وما زال التابعون ومَن بعدهم يكتسبون ويأمرون بالكسب.

وعن عطاء بن السائب قال: لما استُخْلöف أبو بكر رضي الله عنه أصبح غادياً إلى السوق، وعلى رقبته أثواب يتجر بها، فلقيه عمر وأبو عبيدة فقالا: أين تريد؟ فقال: السوق. قالا: تصنع ماذا؟ وقد وليت أمور المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟.

وذكر ابن سعد بسنده عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال: لما استُخْلöف أبو بكر جعلوا له ألفين. فقال: زيدوني فإن لي عيالاً، وقد شغلتموني عن التجارة، فزادوه خمسمائة.

قال ابن الجوزي رحمه الله: قلت: لو قال رجل للصوفية: من أين أطعم عيالي؟ لقالوا: قد أشركت! ولو سُئلوا عمن يخرج إلى التجارة لقالوا: ليس بمتوكل ولا موقن، وكل هذا لجهلهم بمعنى التوكل واليقين. ولو كان أحد يغلق عليه الباب ويتوكل لقرب أمر دعواهم. لكنهم بين أمرين: أما الغالب من الناس، فمنهم من يسعى إلى الدنيا مستجدياً، ومنهم من يبعث غلامه، فيدور بالزنبيل فيجمع له. وإما الجلوس في الرباط في هيئة المساكين، وقد علم أن الرباط لا يخلو من فتوح، كما لا يخلو الدكان من أن يُقصد للبيع والشراء!.

عن إبراهيم بن أدهم قال: كان سعيد بن المسيّöب يقول: من لزم المسجد، وترك الحرفة، وقبل ما يأتيه، فقد ألحف في السؤال.

وكان أبو تراب يقول لأصحابه: من لبس منكم مرقعة فقد سأل، ومن قعد في خانقاه أو مسجد فقد سأل.

قال ابن الجوزي رحمه الله: وقد كان السَّلَف ينهون عن التعرض لهذه الأشياء ويأمرون بالكسب.

قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا معشر الفقراء، ارفعوا رؤوسكم، فقد وضح الطريق، فاستبقوا الخيرات، ولا تكونوا عيالاً على المسلمين.
وعن محمد بن عاصم قال: بلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا رأى غلاماً فأعجبه سأل عنه: هل له حرفة؟ فإذ قيل: لا، قال: سقط من عيني.

وعن سعيد بن المسيّöب قال: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجرون في تجر الشام. منهم طلحة بن عبيد الله، وسعيد بن زيد ( وهما من العشرة المبشَّرة بالجنَّة ).

وسُئل أحمد بن حنبل: ما تقول في رجل جلس في بيته أو في مسجده وقال: لا أعمل شيئاً حتى يأتيني رزقي؟ فقال أحمد: هذا رجل جهل العلم، واستدل بالحديث المعروف في التوكل، وفيه ذكر: (الطير تغدو خماصا) فذكر أنها تغدو في طلب الرزق. قال تعالى: (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله) (المزمل: 20)، وقال: (ليس عليكم جناحñ أن تبتغوا فضلاً من ربكم) (البقرة: 198)، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتجرون في البر والبحر، ويعملون في نخيلهم، ولنا القدوة بهم. قال ابن الجوزي:

"وقد ذكرنا فيما مضى عن أحمد أن رجلاً قال له: أريد الحج على التوكل؟ فقال له: فاخرج في غير القافلة! قال: لا. قال: فعلى جراب الناس توكلت!.
وروى الخلَّال عن أبي بكر المروزي قال: قلت لأبي عبد الله: هؤلاء المتوكّöلة يقولون: نقعد وأرزاقنا على الله عزَّ وجلَّ! فقال: هذا قول رديء. أليس قد قال الله تعالى: (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) (الجمعة: 9)، ثم قال: إذا قال: لا أعمل، وجيء إليه شيء قد عُمل واكتُسöب، لأي شيء يقبله من غيره؟!.

قال الخلَّال: وأخبرنا عبد الله بن أحمد قال: سألت أبي عن قوم يقولون: نتوكَّل على الله ولا نكتسب! فقال: ينبغي للناس كلهم يتوكلون على الله. ولكن يعودون على أنفسهم بالكسب. هذا قول إنسان أحمق.

قال الخلَّال: وأخبرني محمد بن علي: قال صالح: إنه سأل أباه -يعني أحمد ابن حنبل- عن التوكل فقال: التوكل حسن، ولكن ينبغي أن يكتسب ويعمل حتى يغني نفسه وعياله ولا يترك العمل.

قال: وسُئل أبي وأنا شاهد عن قوم لا يعملون ويقولون: نحن المتوكلون، فقال: هؤلاء مبتدعون.

قال الخلَّال: وأخبرنا المروزي أنه قال لأبي عبد الله: إن ابن عيينة كان يقول: هم مبتدعة. فقال أبو عبد الله: هؤلاء قوم سوء يريدون تعطيل الدنيا!.
وقال الخلَّال: وأخبرنا المروزي قال: سألت أبا عبد الله عن رجل جلس في بيته وقال: أجلس وأصبر وأقعد في البيت ولا أطلع على ذلك أحداً! فقال: لو خرج فاحترف كان أحب إليَّ، فإذا جلس خفت أن يخرجه جلوسه إلى غير هذا. قلت إلى أي شيء يخرجه؟ قال: يخرجه إلى أن يكون يتوقع أن يُرسöل إليه.

قال الخلَّال: وحدثا أبو بكر المروزي قال: سمعت رجلاً يقول لأبي عبد الله أحمد بن حنبل: إني في كفاية، قال: الزم السوق تصل به الرحم وتعود به على عيالك (أي إن الإمام أحمد رحمه الله طلب من الرجل السعي وإن كان عنده كفايته، ليعود بالنفع على غيره، وبخاصة أرحامه).
وقال لرجل آخر: اعمل وتصدَّق بالفضل على قرابتك.

وقال أحمد بن حنبل: قد أمرتهم -يعني أولاده- أن يختلفوا إلى السوق وأن يتعرضوا للتجارة.

قال الخلَّال: وأخبرني محمد بن الحسين أن الفضل بن محمد بن زياد حدَّثهم قال: سمعت أبا عبد الله يأمر بالسوق ويقول: ما أحسن الاستغناء عن الناس.
وروى الخلَّال عن أحمد بن حنبل قال: أحب الدراهم إليَّ درهم من تجارة، وأكرهها عندي الذي من صلة الإخوان.

قال ابن الجوزي: وكان إبراهيم بن أدهم يحصد، وسلمان الخوَّاص يلقط، وحذيفة المرعشي يضرب اللَّبöن".

وقد اعتذر لهم أبو حامد الغزالي، فقال لا يجوز دخول المفازة بغير زاد إلا بشرطين:

أحدهما: أن يكون الإنسان قد راض نفسه حيث يمكنه الصبر عن الطعام أسبوعاً ونحوه.

والثاني: أن يمكنه التقوت بالحشيش، ولا تخلو البادية من أن يلقاه آدمي بعد أسبوع أو ينتهي إلى حلة أو حشيش يرجى به وقته.
وعلَّق ابن الجوزي على الغزالي بقوله: "أقبح ما في هذا القول أنه صدر من فقيه! فإنه قد لا يلقى أحداً: وقد يضل، وقد يمرض فلا يصلح له الحشيش، وقد يلقى مَن لا يطعمه، ويتعرَّض بمن لا يضيّفه، وتفوته الجماعة قطعاً، وقد يموت ولا يليه أحد. أي لا يلي أمر تلقينه وتغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه .. إلخ.

ثم قد ذكرنا ما جاء في الوحدة ( أي من النهي )، ثم ما المخرج إلى المحن، إن كان يعتمد فيها على عادة أو لقاء شخص والاجتزاء بالحشيش؟ ومن فعل هذا من السَّلَف؟ وكأن هؤلاء القوم يجزمون على الله سبحانه: هل يرزقهم في البادية؟ ومَن طلب الطعام في البرية فقد طلب ما لم تجر به العادة. ألا ترى أن قوم موسى عليه الصلاة والسلام لما سألوا من بقلها وقثَّائها وفومها وعدسها وبصلها، أوحى الله إلى موسى أن (اهبطوا مصراً) (البقرة: 61) وذلك أن الذي طلبوه في الأمصار، فهؤلاء القوم على غاية الخطأ في مخالفة الشرع والعقل والعمل بموافقات النفس".

ابن القيم يرد على نفاة الأسباب، وصلتها بالتوكل

وممن دخل هذه المعركة بقوة: المحقق ابن القيم، وذلك في شرحه لمنازل الهروي، الذي وصف الدرجة الثانية للتوكل بأنها "التوكل مع إسقاط الطلب، وغض العين عن السبب، اجتهاداً في تصحيح التوكل".

معناه: أنه يعرض عن الاشتغال بالسبب، لتصحيح التوكل بامتحان النفس.

قال: "وهذا الذي أشار إليه، مذهب قوم من العُبَّاد والسالكين، وكثير منهم كان يدخل البادية بلا زاد، ويرى حمل الزاد قدحاً في التوكل. ولهم في ذلك حكايات مشهورة، وهؤلاء في خفارة صدقهم، وإلا فدرجتهم ناقصة عن العارفين، ومع هذا فلا يمكن بشراً ألبتة ترك الأسباب جملة.
فهذا إبراهيم الخوَّاص كان مجرداً في التوكل يدقق فيه، ويدخل البادية بغير زاد. وكان لا تفارقه الإبرة والخيط والركوة والمقراض. فقيل له: لöمَ تحمل هذا، وأنت تمنع من كل شيء؟ فقال: مثل هذا لا ينقص من التوكل، لأن لله علينا فرائض. والفقير لا يكون عليه إلا ثوب واحد، فربما تخرَّق ثوبه. فإذا لم يكن معه إبرة وخيوط تبدو عورته، فتفسد عليه صلاته. وإذا لم يكن معه ركوة فسدت عليه طهارته. وإذا رأيتَ الفقير بلا ركوة ولا إبرة ولا خيوط فاتهمه في صلاته.

أفلا تراه لم يستقم له دينه إلا بالأسباب؟ أو ليست حركة أقدامه ونقلها في الطريق والاستدلال على أعلامها -إذا خفيت عليه- من الأسباب؟
فالتجرد من الأسباب جملة ممتنع عقلاً وشرعاً وحساً.

نعم.. قد تعرض للصادق أحياناً قوة ثقة بالله. وحال مع الله تحمله على ترك كل سبب مفروض عليه. كما تحمله على إلقاء نفسه في مواضع الهلكة. ويكون ذلك الوقت بالله لا به. فيأتيه مدد من الله على مقتضى حاله. ولكن لا تدوم له هذه الحال. وليست في مقتضى الطبيعة. فإنها كانت هجمة هجمت عليه بلا استدعاء فحُمل عليها. فإذا استدعى مثلها وتكلَّفها لم يُجَب إلى ذلك. وفي تلك الحال: إذا ترك السبب يكون معذوراً لقوة الوارد، وعجزه عن الاشتغال بالسبب. فيكون في وارده عون له، ويكون حاملاً له. فإذا أراد تعاطي تلك الحال بدون ذلك الوارد وقع في المحال.
وكل تلك الحكايات الصحيحة التي تُحكَى عن القوم، فهي جزئية حصلت لهم أحياناً، ليست طريقاً مأموراً بسلوكها، ولا مقدورة، وصارت فتنة لطائفتين:
طائفة ظنتها طريقاً ومقاماً، فعملوا عليها، فمنهم من انقطع. ومنهم من رجع ولم يمكنه الاستمرار عليها، بل انقلب على عقبيه.
وطائفة قدحوا في أربابها، وجعلوهم مخالفين للشرع والعقل، مدَّعين لأنفسهم حالاً أكمل من حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، إذ لم يكن فيهم أحد قط يفعل ذلك، ولا أخلَّ بشيء من الأسباب. وقد ظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين يوم أُحُد. ولم يحضر الصف قط عرياناً. كما يفعله من لا علم عنده ولا معرفة. واستأجر دليلاً مشركاً على دين قومه، يدله على طريق الهجرة. وقد هدى الله به العالمين، وعصمه من الناس أجمعين. وكان يدخر لأهله قوت سنة، وهو سيد المتوكلين. وكان إذا سافر في جهاد أو حَجٍّ، أو عُمرة حمل الزاد والمزاد، وجميع أصحابه، وهم أولو التوكل حقاً. وأكمل المتوكلين بعدهم: هو من اشتم رائحة توكلهم من مسيرة بعيدة، أو لحق أثراً من غبارهم. فحال النبي صلى الله عليه وسلم وحال أصحابه محك الأحوال وميزانها، بها يعلم صحيحها من سقيمها. فإن هممهم كانت في التوكل أعلى من همم من بعدهم. فإن توكلهم كان في فتح بصائر القلوب، وأن يُعبد الله في جميع البلاد، وان يوحّöده جميع العباد، وان تشرق شموس الدين الحق على قلوب العباد، فملؤا بذلك التوكل القلوب هدى وإيماناً، وفتحوا بلاد الكفر وجعلوها دار إيمان، وهبَّت رياح روح نسمات التوكل على قلوب أتباعهم فملأتها يقيناً وإيماناً، فكانت همم الصحابة -رضي الله عنهم- أعلى وأجل من أن يصرف أحدهم قوة توكله واعتماده على الله في شيء يحصل بأدنى حيلة وسعي، فيجعله نصب عينيه، ويحمل عليه قوى توكله".

عمارة الأرض مقصد شرعي وضرورة للأمة

ثم هنا أمر مهم أغفله الصوفية الذين اعتقدوا التكسب والاحتراف منافياً للتوكل، هذا الأمر هو: مراعاة مقاصد الشرع من المكلَّفين من نوع البشر.
فقد ذكر الإمام الراغب الأصفهاني: أن هذه المقاصد تتمثل في ثلاثة:

الأول: العبادة لله، وإليها يشير قوله تعالى: (وما خلقت الجنَّ والإنس إلا ليعبدون) (الذاريات: 56).

الثاني: الخلافة عن الله. واليها يشير قوله: (إني جاعلñ في الأرض خليفةً) (البقرة: 30).

والثالث: العمارة للأرض، وإليها يشير قوله: (هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) (هود: 61).

وعمارة الأرض: بإصلاحها وإحيائها وإشاعة الحياة والنماء فيها، حتى يكون فيها جنَّات من نخيل وأعناب، وحدائق ذات بهجة، وثمر ينظر إلى ينعه، ويؤكل منه، ويؤخذ حقه يوم حصاده، وأنعام وخيل، وأنهار وديار، وصناعة وتجارة.. إلى آخر ما لابد للحياة منه..
وهذا عمل يجب أن يتعاون الناس فيه، ويقوم كلñ بما يمكنه من جهد. ولا يجوز أن يعمل البعض، ويظل الآخرون كَلاً عليهم، فيأخذون ولا يعطون، ويستهلكون ولا ينتجون. فهذا ليس من العدل.

فالمتعطل عن الكسب والكدح في الحياة عالة على غيره، فما لم يكن عاجزاً عن الكسب، أو متفرغاً لطلب علم نافع، فهو مذموم، ولو اقتدى به المسلمون لفسدت الأرض، وأمسوا عبيداً لغيرهم من الأقوياء العاملين.

إن الإنسان المثالي في النصرانية هو "الراهب" الذي يعتزل الحياة، فلا يعمل لها، ولا يأكل من طيباتها، ولا يستمتع بزينة الله فيها، حتى الزواج يحرّöمه على نفسه.

ولكن الإنسان المثالي في الإسلام هو الذي يجمع الحسنتين، ويعمل للدارين، فيعمل لدنياه كأنه يعيش أبداً، ويعمل للآخرة كأنه يموت غداً، كما جاء ذلك عن الصحابة.

إن الكسب والعمل الدنيوي ليس مجرد أمر مباح، بل هو مطلوب، طلب استحباب أو طلب وجوب، إذا نظرنا إلى ضرورته للمجتمع والأُمة.
وهذا ما نبَّه عليه الإمام الراغب رحمه الله في كتابه القيم "الذريعة إلى مكارم الشريعة" فقال تحت عنوان "وجوب التكسب":
"التكسب في الدنيا، وإن كان معدوداً من المباحات من وجه، فإنه من الواجبات من وجه، وذلك أنه لما لم يكن للإنسان الاستقلال بالعبادة إلا بإزالة ضروريات حياته، فإزالتها واجبة، لأن كل ما لا يتم الواجب إلا به فواجب كوجوبه.

وإذا لم يكن له إلى إزالة ضرورياته سبيل إلا بأخذ تعب من الناس، فلابد إذن أن يُعوّöضهم تعباً من عمله، وإلا كان ظالماً، فمن توسَّع في تناول عمل غيره في مأكله وملبسه ومسكنه وغير ذلك، فلا بد أن يعمل لهم عملاً بقدر ما يتناوله منهم، وإلا كان ظالماً لهم، سواء قصدوا إفادته أو لم يقصدوها، فمن رضي بقليل من عملهم فلم يتناول من دنياهم إلا قليلاً، يُرضَى منه بقليل من العمل ... ومن أخذ منهم المنافع ولم يعطهم نفعاً، فإنه لم يأتمر لله تعالى في قوله: ( وتعاونوا على البر والتقوى) (المائدة: 2)، ولم يدخل في عموم قوله: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) (التوبة: 71). ولهذا ذُمَّ من يدَّعي التصوف فيتعطل عن المكاسب، ولم يكن له علم يؤخذ منه، ولا عمل صالح في الدين يُقتدَى به. فإنه يأخذ منافع الناس ويضيق عليهم معاشهم، ولا يرد إليهم نفعاً، فلا طائل في مثلهم إلا بأن يكدّروا المشارع ( المياه ) ، ويغلوا الأسعار.
ومن الدلالة على قبح فعل مَن هذا صنيعه: أن الله تعالى ذم مَن يأكل مال نفسه إسرافاً وبداراً، فما حال من يأكل مال غيره على ذلك، ولا ينيلهم عوضاً، ولا يرد عليهم بدلاً"؟!.

وقال في موضع آخر: "مَن تعطَّل وتبطَّل فقد انسلخ من الإنسانية، بل من الحيوانية، وصار في عداد الموتى".

ونقل العلامة المناوي في كتابه "فيض القدير" عن بعض العارفين من الصوفية قوله: حكم الفقير (أي الصوفي) الذي لا حöرفة له كالبومة الساكنة في الخراب ليس فيها نفع لأحد!

وقال العارف الخوّاص: الكامل من يسلّöك الناس (يدلهم على سلوك الطريق) وهم في حرفهم. وهذا هو التصوف السليم، والصراط المستقيم.

إشاعة السلبية في دنيا المسلمين

وأحب أن أذكر هنا أن الصوفية لم يدعوا الناس جميعاً إلى توكلهم هذا، بل دعوا إلى ذلك مَن زعموا أنهم خواص الناس والأقوياء منهم. وقالوا: إذا شكا الصوفي الجوع بعد خمسة أيام، فألزموه السوق، ومروه بالعمل والكسب.

ولكن خطر هذه الأفكار أنها شاعت في دنيا المسلمين، وأنشأت جواً من السلبية، وإغفال سنن الله، وإهمال أمر الحياة بين جماهير المسلمين، وباتت هذه الأدبيات "المخدّöرة" هي القوت اليومي لعقول العوام في ديار الإسلام، وكانت من أسباب التخلف الذي جعل المسلمين في مؤخرة الأمم، وقد كانوا في طليعة قافلة الحضارة عدة قرون.

ومن المؤسف: أن نجد في عصور التخلف -التي تراجع فيها الفكر الإسلامي الصحيح، ليحل محله الفكر الخرافي، أو الفكر المنحرف- قد ترعرعت في الجو الديني -الشعبي خاصة- أفكار وأفهام غير صحيحة ولا مستقيمة مع منهج الإسلام الكلي، ولا مع أدلته الجزئية، ولا مع مقاصده الشرعية، واتخذ منها خصوم الاتجاه الإسلامي تكأة للطعن في الإسلام نفسه، وفي كل دعوة تنادي بالرجوع إليه عقيدة وحضارة ومنهاج حياة.

ومن ذلك: اعتبار "الزهد" رفضاً للدنيا. واعتبار "التوكل" رفضاً للأسباب، اعتماداً على شبهات واهية، اعتبروها أدلة مُحْكمة، لأن الصوفية استدلوا بها.

استدلالات مردودة

فقد استدلوا هنا بموقف الخليل إبراهيم حين أُلقي في النار، فسأله جبريل: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا! فاعتبروا هذا إعراضاً عن الأسباب. والحق أن هذه القصة لم يصح بها سند، ولو صحَّت فالواضح: أن الأسباب هنا قد انقطعت، ولم يبق إلا الله وحده، وتوسيط جبريل هنا لا ضرورة له، فعلمه تعالى بحال الخليل، يغني عن توسيط جبريل، وكفى الخليل عليه الصلاة والسلام أنه لم يفتأ -منذ أُلقي في النار- يقول: حسبي الله ونöعم الوكيل. وهذا ما جاء في الصحيح عن ابن عباس.

واستدلوا بموقف آخر للخليل عليه السلام، حين ترك هاجر وابنها إسماعيل بوادٍ غير ذي زرع، وترك عندهما جراباً فيه تمر، وسقاءً فيه ماء، فلما تبعته هاجر، وقالت له: إلى مَن تدعنا؟ قال: إلى الله. قالت: رضيتُ بالله، وهذا كان يفعله بأمر الله ووحيه، كما قال الحافظ ابن رجب.
وفي رواية لهذه القصة في البخاري: أن إبراهيم حين ترك أُم إسماعيل وابنها وقفّى منطلقاً، تبعته، فقالت: يا إبراهيمº أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه إنس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً، وجعل لا يلتفت إليها. فقالت له: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيّعنا. ثم رجعت. وما كان بأمر الله ووحيه، يجب أن يُطاع تعبداً، ولو لم يُعرف معناه ووجهه. كأفعال الخضر عليه السلام. ولكن لا يُقاس عليها. فلو أن رجلاً وضع امرأته وطفلها الرضيع في برية وتركهما، لكان مسيئاً.

واستدلوا بما ذكرنا قبل من حديث: (لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصا وتروح بطانا) وقد نبهنا من قبل إلى ما ذكره الإمام أحمد وغيره: أن في الحديث إشارة إلى السعي والتسبب.

وقال بعض العلماء: إنه سعي، ولكنه سعي يسير، والسعي اليسير لا ينافي التوكل. والحق أنه السعي الممكن لهذه الطير، فليس عندها سعي أكثر منه، فكل ما تملكه هو الغدو والانتشار. وبعضها يطير مسافات طويلة من أجل رزقه.

واستدلوا ببعض الأقيسة الفاسدة التي ذكرها بعض الشعراء، كقول القائل:

فسيّان التحرك والسكون

جرى قلم القضاء بما يكون

ويرزق في غشاوته الجنين!

جنون منك أن تسعى لرزق

وهذا الكلام باطل مردود. فإن جريان قلم القضاء بما يكون، لا يقتضي التسوية بين الحركة والسكون. فإن مما جرى به قلم القضاء أن في الحركة بركة، وأن في الجمود هلكة، وأن من جدَّ وجد ومن زرع حصد، وأن قلم القضاء كما يجري بالمسببات يجري بأسبابها.
وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم من الأدوية والأسباب والتقاة: هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: (هي من قدر الله). وهذا الجواب من روائع الكلم النبوي الذي يجب أن يُعلَّم للناس ويُشاع بين المسلمين. وهو: أن نرد قدر الله بقدر الله، كما في هذا الحديث. ونفر من قدر الله إلى قدر الله. كما قال عمر. وندفع الأقدار بعضها ببعض، كما نقل ابن تيمية عن الشيخ عبد القادر الجيلاني: ليس الرجل من يستسلم للقدر، إنما الرجل من ينازع القدر بالقدر!

وأما جعله السعي للرزق جنوناً، فهو اتهام لكثير من الأنبياء -مثل سيدنا داود وسيدنا موسى، وسيدنا رسول الله- وللصحابة الكرام، وللعلماء الأعلام، الذين اشتهروا بحرفهم مثل: الخصَّاف والقفَّال والبزَّار والبزَّاز والجصَّاص، وأمثالهم - اتهام هؤلاء جميعاً بالجنون، وهذا لا يقوله إلا مجنون!
وقوله: ويرزق في غشاوته الجنين، يعني قياس الإنسان البالغ القادر الراشد على الجنين في بطن أمه، وهو قياس فاسد، لأن حكمة الله اقتضت أن يهيئ للجنين رزقه بغير كسبه ولا اختياره، حيث لا قُدرة له، وبعد ولادته هيأ الله له اللَّبن في ثدي أمه، فلا يدخل إلى جوفه إلا بحركة منه، وهو: أن يلتقم الثدي ويمتص منه بفمه، وبعد أن تظهر له سن تقطع يُطلب منه أن يأكل. فأين هذا مما يقول الشاعر المخلّöط؟!.

متى تُذَم الأسباب

إنما تُذَم الأسباب إذا تعلَّق القلب بها وحدها، وجعل كل اعتماده عليها، ونسي مسببها وخالقها، وجهل أن الأسباب لا تعمل وحدها، فربما أهمل سبباً بعيداً أو خفياً، أو أغفل شرطاً لازماً، أو كان هناك مانع قوي يعوق سببه ويبطل تأثيره. فإنه إذا بذر الحبة في الأرض الخصبة، وتعهدها بالري والتسميد ونحو ذلك، لا يملك تعهد البذرة في أعماق التربة، ولا يملك تصريف الرياح ودرجات الحرارة والبرودة التي تؤثر فيها، ولا الآفات السماوية التي يمكن أن تحيق بها، فلا يملك المؤمن هنا إلا أن يقول بعد سببه واجتهاده: بذر الحب، ونرجو الثمر من الرب.
وقد ذكر القرآن لنا نموذجاً من الاعتماد على الأسباب الظاهرة وحدها، فإذا هي لا تحقق نتائجها وذلك في قوله تعالى: (لقد نصركم الله في مواطن كثيرةٍ ويوم حنينٍ إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئاً وضاقت عليكم الأرض بما رحُبت ثم وليتم مدبرين) (التوبة: 25).
لقد خذلوا وهم كثرة، حيث غرَّهم الكم، وأذهلهم عن التوكل، فلم يغن الكم الكثير شيئاً. على حين انتصروا وهم قلة، إذ كان اعتمادهم على الله وحده، بعد أن بذلوا ما استطاعوا.

ما تعجز عنه الأسباب تكمله القدرة للمتوكل

وثمرة التوكل هنا: أن المتوكل على الله حين يُقدّöم من الأسباب -التي أُمöرَ بها- ما يقدر عليه، ويدخل في وسعه، تُكمل له القدرة الإلهية العليا ما يعجز عنه، ولا يدخل في وسعه.

انظر إلى موسى عليه السلام، وقد أوحى الله إليه: (فأسر بعبادي ليلاً إنكم متبعون) (الدخان: 23)، فخرج بقومه في جنح الليل، فارين من فرعون وملئه، متجهين ناحية البحر، والظاهر أنه خليج السويس. وشعر فرعون وجنوده بخروجهم، فاتبعوهم مشرقين، يريدون أن يفتكوا بهم فهم يملكون العَدد والعُدد، مع الغيظ والغضب: (إن هؤلاء لشرذمةñ قليلون * وإنهم لنا لغائظون * وإنَّا لجميعñ حاذرون) (الشعراء: 54 - 56)، (فلما ترآء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون * قال كلا، إن معي ربي سيهدين) (الشعراء: 61، 62).

لقد نظر أصحاب موسى إلى الأسباب وحدها، فقالوا: (إنا لمدركون). سيدركنا فرعون وجنوده، وينكّلون بنا، ولا طاقة لنا بهم، ولا نجاة لنا منهم، فالبحر أمامنا، وهم من خلفنا!.

ولكن كليم الله موسى لم يقف عند ظواهر الأسباب، بل رنا ببصيرته إلى ما هو أعلى منها، إلى خالق الأسباب، وواضع السُنن، ومدبر الأمر كله.
لقد فعل موسى ما أُمöرَ به وما قدر عليه، وبقي ما لا يقدر عليه، ولا حيلة له فيه، ولكنه كان موقناً أن الله معه، ولن يتخلى عنه، وسيهديه إلى حل ينقذه ومن معه، لا يعرف ما هو، إلا أنه مستيقن من وقوعه.

وكيف لا، وقد قال الله له منذ أرسله وأخاه هارون إلى فرعون (لا تخافا، إنني معكما أسمع وأرى) (طه: 46). لا عجب أن قال موسى بكل اطمئنان: ( إن معي ربي سيهدين ) (الشعراء: 62).

وقد هداه الله إلى المخرج من المأزق بأمر لم يكن في حسبانه، ولا في حسبان أحد: (فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر، فانفلق فكان كل فرقٍ كالطود العظيم * وأزلفنا ثَمّö الآخرين * وأنجينا موسى ومن معه أجمعين * ثم أغرقنا الآخرين * إن في ذلك لآيةً) (الشعراء: 63 - 67).
هذه هي ثمرة التوكل إذا انقطعت الأسباب.

وانظر إلى محمد صلى الله عليه وسلم يوم الهجرة، كيف أخذ بكل الأسباب الممكنة للبشر، خطَّط فأحكم التخطيط، ورتب فأحسن الترتيب، وأعدَّ لكل أمر عُدته المناسبة، هيأ من يبيت في فراشه (علي بن أبي طالب)، ومن يرافقه في رحلته (أبا بكر الصّöدّöيق)، ومن يدله على الطريق (عبد الله بن أريقط)، واختار الغار الذي يختفي فيه أياماً حتى يهدأ الطلب عنه (غار ثور)، ولم يختره ناحية يثرب تعمية على القوم، وهيأ من يأتي له بالزاد والأخبار (أسماء بنت أبي بكر)، ومن يعفى على آثارها بغنمه بعد رجوعها (عامر بن فهيرة).

ومع هذا كله استطاع القوم أن يصلوا إلى الغار، وأن يتوقفوا عنده، وهو ما جعل أبا بكر رضي الله عنه يقول مشفقا على مصير الدعوة إن مسَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سوء: يا رسول اللهº لو نظر أحدهم تحت قدميه لرآنا! فيرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: (يا أبا بكرº ما ظنك باثنين الله ثالثهما)؟ أو كما قال الله تعالى: (لا تحزن إن الله معنا) (التوبة: 40).

لقد فعل الرسول الكريم ما قدر عليه، وبقي ما لم يقدر عليه، فتركه لربه وراعيه، يدبره بما يشاء من الأسباب الخفية، أو بغير الأسباب أصلاً إن شاء: (فأنزل الله سكينته عليه وأيَّده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى، وكلمة الله هي العليا، والله عزيزñ حكيم) (التوبة: 40).
لقد كان الزمن الذي بين الكليم موسى والحبيب محمد -عليهما الصلاة والسلام- زمناً طويلا امتد قروناً، ولكن الموقفين متشابهان، وتكاد العبارات تتفق بينهماº عبارة موسى: (إن معي ربي سيهدين)، وعبارة محمد: (إن الله معنا)، ولا غرو، فهما يصدران من مشكاة واحدة.
بَيْد أن الله أنجى موسى بآية حöسّöية منظورة هي "العصا"، وأيَّد محمداً بجنود غير مرئية، نظراً لأن الآيات التي أيَّد الله بها موسى كانت مادية حöسّöية ملائمة لتلك المرحلة في أطوار البشرية، والآية الكبرى التي أيَّد بها محمداً صاحب الرسالة الخاتمة كانت آية معنوية أدبية هي: القرآن الكريم.
وفي غزوة بدر خرج النبي صلى الله عليه وسلم لملاقاة المشركين، وإن كانوا أكثر عدداً، وأكثر عُدةً، وأعظم غروراً، ولكن ذلك لم يضعف من عزمه، وفعل ما أمكنه فعله من إحكام وتدبير، بعد الاستشارة والاستنارة، ثم ترك ما بعد ذلك لصاحب الأمر، فأيدهم بألفٍ من الملائكة مردفين، وغشاهم النعاس أمنة منه، ونزَّل عليهم من السماء ماءً ليطهرهم به، وليربط على قلوبهم، ويثبت به الأقدام.. ونصرهم الله ببدر وهم أذلة: (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم، وما رميت إذ رميت ولكن اللهرمى) (الأنفال: 17).

وفي غزوة الأحزاب، تجمع المشركون لغزو المسلمين في عقر دارهم: (إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنوناْ * هنالك ابتلي المؤمنون وزُلزلوا زلزالاً شديداً) (الأحزاب: 10، 11).

لقد حفر الرسول الخندق حول المدينة لتعويق المغيرين، وبات هو وأصحابه ليالي عدة في كرب شديد، ونقض يهود بني قريظة العهد، ووقفوا في صف المهاجمين. وهنا لم يكن أمام الرسول والمؤمنين إلا التوكل على ربهم والاستغاثة به: (اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم).

وهنا تجيء ثمرة التوكل: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنودñ فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها) (الأحزاب: 9) (وردَّ الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكفى الله المؤمنين القتال، وكان الله قوياً عزيزاً) (الأحزاب: 25).

الناس والأسباب في عصرنا

والخلاصة: أن الناس مع الأسباب أصناف أربعة:

معطلو الأسباب:

الصنف الأول: الذين عطَّلوا الأسباب وأعرضوا عنها -بأبدانهم وقلوبهم- بدعوى التوكل على الله تعالى. وهؤلاء منهم الصادقون المخلصون، ومنهم المتظاهرون المدَّعون.

وقد بيَّنا الموقف الشرعي من هؤلاء في ضوء ما وضع الله من سنن، وما شرع من أحكام، معتمدين على المحكمات لا المتشابهات، من نصوص القرآن والسُنَّة، مستهدين بعمل الصحابة ومن تبعهم بإحسان، مستأنسين بأقوال كبار الأئمة، وهداة الأمة، القائمين لله بالحجة.
وأحب أن أقول: إن هذا الصنف لم يعد يكوّöن مشكلة اليوم، فوجوده نادر أو معدوم، إلا ما كان من باب الادعاء أو التشبه بالصوفية الأقدمين، في حين ليس له علم يُؤخذ عنه، ولا عمل يُقتدى به فيه. وهو الذي شبهه بعضهم بالبومة الساكنة في الخراب! كما نقل ذلك العلامة المناوي رحمه الله.

المعتمدون على الأسباب دون مسببها:

والصنف الثاني: الذين تشبثوا بالأسباب، بجوارحهم وقلوبهم، وغفلوا من مسببها، وخالقها، فكل نظرهم إليها، وكل اعتمادهم عليها، حتى أمست وكأنها آلهة تُعبد مع الله، أو من دون الله!

وهؤلاء للأسف الشديد هم أكثر الخلق. فلا يكاد أحدهم يرى الرزق إلا في الوظيفة التي يقبض راتبه منها كل شهر، أو في البيت الذي يدر عليه الدخل كل مدة، أو في التجارة التي تعود عليه بالربح كل عام، أو في الشركة التي ساهم فيها، أو في أبيه الذي تكفَّل بالنفقة عليه، أو بفلان الأمير أو الوزير أو الوجيه الذي يسنده في منصبه، أو يسهل له صفقاته.

ولهذا نرى أحدهم يقول: لولا معاونة فلان لهلكنا، ولولا ما ورثناه من أبينا لضعنا.. وقلَّما يذكر أحد ربه الذي هيأ له هذا أو ذاك، ورزقه به من حيث يحتسب، ومن حيث لا يحتسب.

فكأن هؤلاء باتوا -في أمر الرزق والتدبير- في مرتبة دون مرتبة المشركين الذين حدَّثنا القرآن عنهم أنهم كانوا يردون أمر الرزق والتدبير، والإحياء والإماتة إلى الله سبحانه، لا إلى أصنامهم ولا إلى أحد من خلقه، يقول الله تعالى: (قل من يرزقكم من السماء والأرض أمَّن يملك السمع والأبصار ومن يُخرج الحي من الميت ويُخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر، فسيقولون الله، فقل أفلا تتقون * فذلكم الله ربكم الحق، فماذا بعد الحق إلا الضلال، فأنَّى تصرفون) (يونس: 31، 32).

المستعينون بالأسباب على المعاصي:

والصنف الثالث: أسوأ من الصنف الثاني، فإن الصنف الثاني اعتمدوا على الأسباب في المباحات، وهؤلاء استخدموها في المحرَّمات. استعانوا بالأسباب المسخَّرة من الله على معاص الله.

استعملوا ذكاءهم وتدبيرهم في عصيان الخالق، وإيذاء الخلق.

واستخدموا قوتهم وجاههم في البطش بالمستضعفين، والعدوان على حقوق المغلوبين. وسخَّروا أموالهم ومكاسبهم في اتباع الشهوات، وإشاعة الفاحشة، وترويج الفساد في الأرض.

وجعلوا من مناصبهم وولاياتهم أداة لظلم الضعفاء، ومحاباة الأقوياء، والإثراء من الحرام، وإعلاء الباطل على الحق، والمنكر على المعروف.
حتى العلم، وجَّهوه لخدمة المادة على حساب الروح، ولتسير المتعة على حساب القيم. بل علم الدين نفسه، أحالوه آلة لاقتناص الدنيا، وتفريخ الفتاوى لأمراء السوء، وحُكَّام الجور، فأحلَّوا ما حرَّم الله، وحرَّموا ما أحلَّ الله، وأسقطوا ما أوجب الله.

وكذلك الأدب والبيان، وجَّهوه لترويج الفساد، وإشاعة الفاحشة، وتبرير ظلم الحكَّام وحكم الظُلاَّم.

وقد صوَّر شاعر النيل حافظ إبراهيم أنواعاً من هذا الصنف فأبدع في تصويره حين قال:

لِوقيعة وقطيعة وفِِراقö

كِم عالمٍ مَدَّ العلومَ حبائِلاً

مِا لا تُحöلُّ شريعةُ الخِلاقö

وطبيبö قِومٍ قد أحلَّ لطبّöِهö

جمعَ الدراهمَ من دمٍ مُهِراقö

قتِلَ الأجöنَّة في البطونö، وتارةً

يِوم الفخارö تجاربُ الحِلاقö

أغلى وأثمنُ من تجاربö عöلمِهö

لمكيدةٍ أو مُستحلّö طِِلاقö

وفقيهö قومٍ ظلَّ يرصدُ فöقهِهُ

كِالبرجö، لكن فوق تلّö نفاقö

يمشي وقد نُصöبَتْ عليه عمامةñ

أن الذي يدعونَ خöدْنُ شöقاقö

يدعونه عند الشّöقاق وما دَروا

قطعَ الأناملö أو لَظى الإحراقö

وأديبö قِومٍ تستحق يمينِهُ

سُمِِاً، وينفثه على الأوراقö

في كِفّöه قلمñ يمُجُّ لُعابِِهُ

قِدسيةñ علويةُ الإشِِراقö

يَرöدُ الحقائق وهي بيضñ نُصَّعñ

من ظُلمة التَّمويهö ألفُ نöطِاقö

فيردُّها سوداً على جَنَباتهِا

لقد جعل الله الأسباب لخلقه نعمة، فجعلها هؤلاء نقمة، حين انحرفوا بها إلى ما يُسخط الله تبارك وتعالى.

ومثل هؤلاء: من شغلتهم الأسباب عن أداء فرائض الله عزَّ وجلَّ، فأولئك استعانوا بالأسباب على فعل المحظور، وهؤلاء ألهتهم عن فعل المأمور. كما قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تلهöكم أموالكم ولا أولادكم عن ذöكر الله، ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون) (المنافقون: 9).
وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة، فقال: (من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاةً يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع فرعون وهامان وقارون وأُبَيّ بن خلف).

قال العلماء: من شغله عن الصلاة مُلكه حُشر مع فرعون، ومن شغله عنها منصبه حُشر مع هامان، ومن شغله عنها ثروته وكنوزه حُشر مع قارون، ومن شغله عنها تجارته وكسبه حُشر مع أُبَيّ بن خلف.

من جمعوا بين السبب والتوكل على المسبب:

والصنف الرابع: هو الذي أخذ بالأسباب، ولم يغفل عن مسببها، فهو مع الأسباب بجوارحه وبدنه، ومع ربه بعقله وقلبه. فهذا هو المتوكل حقاً.
هو الذي رعى سُنَّة الله في خلقه، وأحكامه في شرعه، موقنا أن الله تعالى هو الذي وضع الأسباب، وأمر باتخاذها، ورتَّب عليها آثارها قدراً وشرعاً، وهو -في الوقت نفسه- القادر على أن يعطلها إن شاء، وأن يخلق من الموانع ما يعوق سيرها، أو يبطل أثرها.

هذا الصنف هو الذي أحسن الفهم عن الله ورسوله، فعقل ناقته وتوكَّل، وبذر الحبَّ، واعتمد على الرب، ومشى في مناكب الأرض التي ذللَّها الله آكلاً مöن رزق الله، وباع واشترى، ولكن لم تلهه تجارة ولا بيع عن ذكر الله.. وإذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، ترك بيعه، وجمَّد سببه، ساعياً إلى ذكر الله، فإذا قُضöيت الصلاة انتشر في الأرض مبتغياً من فضل الله.

وهذا هو الذي سار عليه المربُّون الكبار من أهل الطريق إلى الله.

فكانوا "يسلّöكون" الناس، وهم في حرفهم وأعمالهم الدنيوية، التي يكسبون منها معاشهم، وهي خليقة أن تكون عبادة لهم إذا هم اتقوا الله فيها، فأخلصوا فيها النية، وأدوها بالإحسان الذي كتبه الله على كل شيء، ورعوا الحقوق، ولم يتعدَّوا الحدود.

وقد كان بعضهم يقول: ما أجمل أن يجعل الفلاح فأسه مöسبحته. ويجعل النجار منشاره مöسبحته، ويجعل الحداد مطرقته مöسبحته. وهكذا.
وقد حكى الفقيه الرباَّني ابن عطاء الله السكندي عن بداية صلته بشيخه أبي العباس المرسي، وأنه كان يريد أن يقبس من إشعاعه الروحي، وتوجيهه الربَّاني، ولكنه سمع من أصحابه من طلبة العلم أن الذي يصحب مشايخ الطريق يضمُر حظه في العلم الشرعي الظاهر. قال: فشقَّ عليَّ أن يفوتني العلم، وشقَّ عليَّ أن تفوتني صُحبة الشيخ رضي الله عنه.

فلما ذهب إلى الشيخ كان أول ما بادره به أن قال: "نحن إذا صحبنا تاجراً، ما نقول له: اترك تجارتك وتعال، أو صاحب صنعة، ما نقول له: اترك صنعتك وتعال، أو طالب علم، ما نقول له: اترك طلبك وتعال. ولكن نقر كل أحد فيما أقامه الله فيه، وما قسم له على أيدينا فهو واصل إليه. قال: وقد صحب الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فما قال لتاجر: اترك تجارتك، ولا لذي صنعة: اترك صنعتك، بل أقرَّهم على أسبابهم، وأمرهم بتقوى الله فيها".

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] [9] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

في فقه الأقليات المسلمة 

النية والإخلاص 

التوكل 

الإيمان والحياة 

الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca