تمهيد
ما أكثر العوامل والأسباب التي تؤدي إلى انحراف الأولاد، وإلى زيغهم وفساد أخلاقهم، وسوء تربيتهم في هذا المجتمع الآثم، والواقع المرير، والحياة الماجنة!!
وما أكثر نوازع الشر، وبواعث الفساد التي تحيط بهم وتكتنفهم من كل جانب، وتعترضهم من كل مكان!!..
فإذا لم يكن المربون على مستوى المسؤولية والأمانة، وعلى علم بأسباب الانحراف وبواعثه، وعلى بصيرة وهدى في الأخذ بأسباب العلاج، وطرق الوقاية... فإن الأولاد – لا شك – سيكونون في المجتمع جيل الضياع والشقاء، وعصبة الفساد والجريمة.
ونحن – إن شاء الله – في هذا الفصل سنفصّل القول عن أسباب الانحراف في الأولاد، وعن المعالجة الناجعة لهذا الانحراف، ليعلم من يريد أن يعلم أن الإسلام – بتشريعه الحكيم، ومبادئه القويمة الخالدة – قد وضع الأسس الكفيلة، والمناهج الحكيمة لصيانة الجيل من الانحراف، وحماية المجتمع من التشرد والضياع.
وإليكم – أيها المربون – أهم الأسباب في انحراف الأولاد، وآظهر المعالجات لهذا الانحراف على ضوء الإسلام، لتكونوا على بينة وهدى في أمر التربية والمسؤولية:
أ) الفقر الذي يخيم على بعض البيوت:
من المعلوم أن الطفل حين لا يجد في البيت ما يكفيه من غذاء وكساء، ولا يرى من يعطيه ما يستعين به على بلغة العيش، وأسباب الحياة، وينظر إلى ما حوله فيجد الفقر والجهد والحرمان.. فإنه – لا شك – سيلجأ إلى مغادرة البيت بحثاً عن الأسباب، وسعياً وراء الرزق. فتتلقفه أيدي السوء والجريمة، وتحيط به هالة الشر والانحراف، فينشأ في المجتمع مجرماً، ويكون خطراً على الأنفس والأموال والأعراض.
والإسلام بتشريعه العادل، قد وضع الأسس الكفيلة لمحاربة الفقر، وقرر حق الحياة الكريمة لكل إنسان، ووضع من التشريعات ما يؤمن لكل فرد الحد الأدنى من مسكن ومطعم وكساء، ورسم للمجتمع المسلم مناهج عملية للقضاء على الفقر نهائيّاً، كتأمين سبل العمل لكل مواطن، وإعطاء مرتبات شهرية من بيت المال لكل عاجز، وسن قوانين للتعويض العائلي لكل أب له أسرة وأولاد، ورعاية زمر اليتامى، والأرامل والشيوخ، بشكل يحفظ لهم كرامتهم الإنسانية، ويحقق لهم العيش الأفضل.. إلى غير ذلك من هذه الوسائل والأحكام، التي إن تحققت، ومرت بمراحل التطبيق والتنفيذ، زال في المجتمع أهم أسباب الجريمة والتشرد والضياع، وقضى نهائيّاً على كل مظاهر الفقر والبؤس والحرمان.