ومن العوامل الأساسية التي تؤدي غالباً إلى انحراف الولد، عدم الاستفادة من الفراغ الذي يتحكم في الأحداث والمراهقين. ومن المعلوم أن الولد منذ نشأته مولع باللعب، ميال إلى المغامرة، محب للفسحة والتمتع بالمناظر الطبيعية، فنراه في حركة دائمة، في اللعب مع من كان في سنه حيناص، وفي الركض والتسلق أحياناً، وفي ممارسة الرياضة تارة، وفي اللعب بألعاب الكرة تارة أخرى.
فيجب على المربين أن يستغلوا هذه الظاهرة في الأطفال، ومن كان في سن المراهقة، حتى يملؤوا فراغهم بما يعود على أجسامهم بالصحة، وعلى عضلاتهم بالقوة، وعلى أجهزة أبدانهم بالنشاط والحيوية.
فإن لم ييسروا لهم أماكن للعب واللهو البريء، ونوادي صالحة للرياضة وإعداد القوة، ومسابح للتدريب والتعليم، ونزهات للنشاط والحيوية، فإنهم سيختلطون غالباً بقرناء سوء، ورفقاء شر وفساد، ويؤدي حتماً إلى شقائهم وانحرافهم.
والإسلام بتوجيهاته السامية، عالج الفراغ لدى الأطفال والمراهقين بوسائل عملية تصحح لهم أجسامهم، وتقوى أبدانهم، وتكسبهم قوة وحيوية ونشاطاً.
فمن أعظم هذه الوسائل تعويدهم على العبادات ولا سيما الصلاة التي عدها الإسلام عمود الدين، وقوامه، وركنه الأساسي، لما لها من الفوائد الروحية، والمنافع الجسمية، والآثار الخلقية والنفسية.
ولا بأس أن نعدد باختصار فوائد الصلاة الجسمية ليعرف من يريد أن يعرف أهميتها ووجه مشروعيتها:
· كونها رياضة إلزامية يحرك فيها المسلم جميع أعضائه ومفاصله، ولا يخفى ما في هذه الحركات من تنشيط للعضلات، والدورة الدموية، وجميع أجزاء البدن.
· كونها نظافة إجبارية لما يسبق الصلاة من أفعال الوضوء، وهل الوضوء إلا نظافة الأعضاء الظاهرة، وتنظيف الشعر، والفم والأنف، والأسنان؟!.. هذا عدا الغسل في وقت وجوبه واستحبابه، وعدا طهارة البدن والثوب والمكان.
وهذه كلها شروط لصحة الصلاة.
· كونها تدريباً على المشي، وذلك في السير إلى المساجد خمس مرات في اليوم والليلة، ولا يخفى ما في حركات المشي ذهاباً وإياباً من تنشيط البدن، ومطردة للخمول والكسل.
وكما سمعنا من الأطباء أن الجسم إذا تحرك بالمشي أو الرياضة بعد الطعام لا يصاب بأمراض المعدة وعسر الهضم، وغيرها من الأسقام والآفات.
فلا عجب أن نسمع ممن لا ينطق عن الهوى، في حضه الآباء والمربين علىأن يأمروا أولادهم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين حتى يعتادوها، ويقضوا أوقات فراغهم في تعلمها والتدريب عليها.
واسمعوا إلى ما يقوله عليه الصلاة والسلام في هذا المعنى فيما رواه الحاكم وأبو داود: "مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع".
هذا عدا عما يقضيه الولد وقت فراغه من تعلم لكيفية الصلاة وأفعالها، وقراءتها، وعدد ركعاتها، وفرائضها، وسننها، وآدابها، سواء في البيت على يد مربيه، أو في المسجد على يد معلّميه.
ومن هذه الوسائل العملية التي وجه إليها الإسلام في معالجة الفراغ لدى الأولاد:
أمره بالتعليم لفنون الحرب، والفروسية، والسباحة، والقفز والمصارعة.
وتوجيهه الولد في إشغال فراغه بالمطالعة الهادفة، والنزهة البريئة، والرياضة المتنوعة، وذلك لا يتأتّى إلا بافتتاح الملاعب الكبيرة، والنوادي الضخمة، والمكتبات الشهيرة، والمؤسسات العامة، والمسابح الصحية الملائمة بشرط أن تكون متوافقة مع أحكام الإسلام، وآدابه السامية.
وإليكم طائفة من توجيهات الإسلام في إعداد هذه الوسائل:
قال تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة، ومن رباط الخيل ترهبون به عدوَّ الله وعدوكم} الأنفال: 60.
وقال تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} الزمر: 09.
ويقول عمر بن الخطاب رضي الله عنها: "علموا أولادكم الرماية والسباحة، ومروهم أن يثبوا على الخيل وثباً".
- وروى الحاكم والبيهقي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك".
- وروى النسائي والترمذي أنه عليه الصلاة والسلام قال: "... وارموا واركبوا، وأن ترموا أحب إليَّ من أن تركبوا".
- وروى الطبراني والحاكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "كل شيء ليس من ذكر الله فهو لغو، أو لهو، أوسهو، إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعلُّمه السباحة".
- وروى ابن إسحاق وابن هشام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "رحم الله امرءاً أراهم من نفسه قوة".
- وروى البخاري ومسلم أنه عليه الصلاة والسلام قال للحبشة حينما أخذوا يلعبون بحرابهم في المسجد: "دونكم يا بني إرْفöدة، لتعلم اليهود أن في ديننا فسحة".
- وروى مسلم عنه عليه الصلاة والسلام: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير... احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجز فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا، ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان". إلى غير ذلك من هذه التوجيهات القيمة السامية.
ولو أخذ المربون بهذه التوجيهات الإسلامية، لأكسبوا أولادهم صحة وعلماً وقوة، ولحالوا بينهم وبين تفلتهم وتشردهم وانحرافهم، ولملأوا فراغهم بما ينفعهم في دينهم ودنياهم وآخرتهم، ولأعدوهم ليكونوا جيل الإسلام، وجنوده المغاوير، ودعاته الراشدين، وشبابه العاملين.