ومن العوامل الكبرى التي تؤدي إلى انحراف الولد، وإلى فساد خلقه، وانحلال شخصيته: تخلي الأبوين عن إصلاح نفسه، وإنشغالهما عن توجيهه وتربيته. وعلينا أن لا نغفل دور الأم في حمل الأمانة، والقيام بواجب المسؤولية تجاه من ترعاهم وتقوم على تربيتهم، وتشرف على إعدادهم وتوجيههم. ورحم الله من قال:
الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق
فالأم في تحمل المسؤولية كالأب سواء بسواء، بل مسؤوليتها أهم وأخطر، باعتبار أنها ملازمة لولدها منذ الولادة إلى أن يشب ويترعرع، ويبلغ السن التي تؤهله ليكون إنسان الواجب، ورجل الحياة.. والرسول صلوات الله وسلامه عليه قد أفرد الأم بتحمل المسؤولية حين قال: "والأم راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها".
وما ذاك إلا لإشعارها بالتعاون مع الأب في إعداد الجيل، وتربية الأبناء.. وإذا قصرت الأم في الواجب التربوي نحو أولادها، لانشغالها مع معارفها وصديقاتها واستقبال ضيوفها، وخروجها من بيتها، وإذا أهمل الأب مسؤولية التوجيه والتربية نحو أولاده، لانصرافه وقت الفراغ إلى اللهو وارتياد القهوات مع الأصحاب والخلان..
فلا شك أن الأبناء سينشؤون نشأة اليتامى، ويعيشون عيشة المشردين، بل سيكونون سبب فساد، وأداة إجرام للأمة بأسرها.
ولله درّ من قال:
ليس اليتيم من انتهى أبواه من همّ الحياة وخلّفاه ذليلاً
إن اليتيم هو الذي تلقى له أمّاً تخلّت أو أباً مشغولاً
فماذا تنتظر من أولاد آباؤهم وأمهاتهم على هذه الحال من الإهمال والتقصير؟! فحتماً لا ننتظر منهم إلا الانحراف، ولا نتوقع إلا الإجرام، لانشغال الأم عن رعاية الولد وتربيته، وإهمال الأب واجب تأديبه ومراقبته.
ويزداد الأمر سوءاً عندما يقضي الأبوان جلّ وقتهما في حياة الإثم والغواية، ويتقلبان في أتون الشهوات والملذات، ويتخبطان في طريق الانحلال والإباحية.. فلا شك في أن انحراف الولد يكون أبلغ وأخطر، وتدرجه في الإجرام يكون آكد وأعظم. ورحم الله من قال:
وليس النبت ينبت في جنان كمثل النبت ينبت في الفلاة
وهل يرجى لأطفال كمالñ إذا ارتضعوا ثُدَيَّ الناقصات
والإسلام في دعوته إلى تحمل المسؤوليات، حمّل الآباء والأمهات مسؤولية كبرى في تربية الأبناء، وإعدادهم الإعداد الكامل لحمل أعباء الحياة، وتهدّدهم بالعذاب الأكبر إذا هم فرطوا وقصروا وخانوا:
{يا أيها الذين آمنوا قُوا أنفسكم وأهليكم ناراً وقودها الناس والحجارة، عليها ملائكة غلاظ شداد، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} التحريم: 6
والرسول صلوات الله وسلامه عليه قد أكد في أكثر من أمر، وأكثر من وصيّة بضرورة العناية بالأولاد، ووجوب القيام بأمرهم، والاهتمام بتربيتهم.
وإليكم طائفة من أوامره وتوجيهاته:
- "والرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها..." رواه البخاري ومسلم.
- "أدبوا أولادكم وأحسنوا أدبهم" رواه ابن ماجة.
- "علموا أولادكم وأهليكم الخير وأدبوهم" رواه عبد الرزاق وسعيد بن منصور.
- "مروا أولادكم بامتثال الأوامر، واجتناب النواهي، فذلك وقاية لهم من النار". رواه ابن جرير.
- "أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبّö نبيكم، وحبّö آل بيته، وتلاوة القرآن، فإن حملة القرآن في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله" رواه الطبراني.
وسنفصل القول عن مسؤوليات المربين في القسم الثاني من كتاب "تربية الأولاد في الإسلام" وسيجد القارئ ما يشفي الغليل، ويشبع النفس والفكر، إن شاء الله.