تفسير آية:
{لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم}
وبيان أنها لا تمنع السؤال للتفقه
قال الإمام أبو بكر الجصاص الرازي في كتابه "أحكام القرآن"، عند تفسير قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبد لكم تسؤكم...}، ما يلي: "روى قيس بن الربيع، عن أبي حصين، عن أبي هريرة قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبان قد احمرّ وجهه، فجلس على المنبر فقال: لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم، فقام إليه رجل فقال: أين أنا؟ فقال: في النار، فقام إليه آخر فقال: من أبي؟ فقال: أبوك حذافة. فقام عمر فقال: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن إماماً، وبمحمد نبياً، يا رسول الله، كنا حديثي عهد بجاهلية وشرك، والله تعالى يعلم من آباؤنا، فسكن غضبه ونزلت هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تُبد لكم تسؤكم}. وروى إبراهيم الهجري، عن أبي عياض، عن أبي هريرة أنها نزلت حين سُئل عن الحج: أفي كل عام؟ وعن أبي أمامة نحو ذلك، وروى عكرمة أنها نزلت في الرجل الذي قال: من أبي؟ وقال مقسم – نزلت – فيما سألت الأمم أنبياءهم من الآيات – أي: المعجزات - .
قال أبو بكر: ليس يمتنع تصحيح هذه الروايات كلها في سبب نزول الآية، فيكون النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: لا تسألوني عن شيء إلا أجبتكم، سأله عبد الله بن حذافة عن أبيه من هو؟ لأنه قد كان يتكلم في نسبه، وسأله كل واحد من الذين ذكر عنهم في هذه المسائل على اختلافها، فأنزل الله تعالى: {لا تسألوا عن أشياء}، يعني عن مثلها، لأنه لم يكن بهم حاجةñ إليها. فأما عبد الله بن حذافة فقد كان نسبه من حذافة ثابتاً بالفراش، فلم يحتج إلى معرفة حقيقة كونه من ماء من هو منه، ولأنه كان لا يأمن أن يكون من ماء غيره، فيكشف عن أمرٍ قد ستره الله تعالى، ويهتك أمه، ويشين نفسه بلا طائل ولا فائدة له فيه، لأن نسبه حينئذٍ مع كونه من ماء غيره ثابت من حذافة، لأنه صاحب الفراش، فلذلك قالت له: لقد عققتني بسؤالك! فقال: لم تسكن نفسي إلا بإخبار النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.
فهذا من الأسئلة التي كان ضرر الجواب عنها عليه كان كثيراً لو صادف غير الظاهر، فكان منهياً عنه، ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من أتى شيئاً من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، فإنّ من أبدى لنا صفحته أقمنا عليه كتاب الله. وقال لهزّال – وكان أشار على ماعزٍ بالإقرار بالزنى - : لو سترته بثوبك كان خيراً لك!. وكذلك الرجل الذي قال: يا رسول الله، أين أنا؟ قد كان غنياً عن هذه المسألة، وأن يستر على نفسه في الدنيا، فهتك ستره، وقد كان الستر أولى به. وكذلك المسألة عن الآيات مع ظهور ما ظهر من المعجزات منهيّ عنها، غير سائغ لأحد، لأن معجزات الأنبياء لا يجوز أن تكون تبعاً لأهواء الكفار وشهواتهم. فهذا النحو في المسائل مستقبحة مكروهة. وأما سؤال الحج في كل عام، فقد كان على سامع آية الحجّ الاكتفاء بموجب حكمها من إيجابها حجة واحدة، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنها حجة واحدة، ولو قلت: نعم لوجبت، فأخبر أنه لو قال: نعم لوجبت بقوله دون الآية، فلم يكن به حاجة إلى المسألة، مع إمكان الاجتزاء بحكم الآية.
وقد احتجّ بهذه الآية قومñ في حظر المسألة عن أحكام الحوادث، واحتجوا أيضاً بما رواه الزهري، عن عامر بن سعد، عن أبيه، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يكن حراماً، فحرّم من أجل مسألته. قال أبو بكر: ليس في الآية دلالةñ على حظر المسألة عن أحكام الحوادث، لأنه إنما قصد بها إلى النهي عن المسألة عن أشياء أخفاها الله تعالى عنهم واستأثر بعلمها، وهم غير محتاجين إليها، بل عليهم فيها ضرر إن أبديت لهم كحقائق الأنساب، لأنه قال: الولدُ للفراش، فلما سأله عبد الله بن حذافة عن حقيقة خلْقه، من ماء من هو؟ دون ما حكم الله تعالى به من نسبته إلى الفراش، نهاه اللهعن ذلك. وكذلك الرجل الذي قال: أين أنا؟ لم يكن به حاجة إلى كشف غيبه في كونه من أهل النار، وكسؤال آيات الأنبياء. وفي فحوى الآية دلالةñ على أن الحظر تعلّق بما وصفنا.
وقوله تعالى: {قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين}، يعني الآيات التي سألوها الأنبياء عليهم السلام فأعطاهم الله إياها، وهذا تصديق تأويل مقسم. فأما السؤال عن أحكام غير منصوصة فلم يدخل في حظر الآية، والدليل عليه: أن ناجية بن جندب لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معه البدن لينحرها بمكة، قال: كيف أصنع بما عطب منها؟ فقال: انحرها واصبغ نعلها بدمها، واضرب بها صفحتها، وخلّ بينها وبين الناس، ولا تأكل أنت ولا أحدñ من أهل رفقتك شيئاً، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم سؤاله. وفي حديث رافع بن خديج أنهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أنّا لاقو العدو غداً، وليس معنا مدىً، فلم ينكره عليه. وفي حديث يعلى بن أمية في الرجل الذي سأله عما يصنع في عمرته، فلم ينكره عليه. وأحاديث كثيرة في سؤال قوم سألوه عن أحكام شرائع الدين فيما ليس بمنصوص عليه غير محظور على أحد. وروى شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل، قال: قلت يا رسول الله، إني أريد أن أسألك عن أمرٍ ويمنعني مكان هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء}، فقال: ما هو؟ قلت: العمل الذي يدخلني الجنة، قال: قد سألت عظيماً، وإنه ليسير: شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان. فلم يمنعه السؤال ولم ينكره.
وذكر محمد بن سيرين، عن الأحنف، عن عمر، قال: تفقهوا قبل أن تسوَّدوا. وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتمعون في المسجد يتذاكرون حوادث المسائل في الأحكام. وعلى هذا المنهاج جرى أمر التابعين ومن بعدهم من الفقهاء إلى يومنا هذا. وقوله تعالى: {إن تبد لكم تسؤكم} معناه: إن تظهر لكم، وهذا يدلّ على أن مراده فيمن سأل مثل سؤال عبد الله بن حذافة، والرجل الذي قال: أين أنا؟ لأنّ إظهار أحكام الحوادث لا يسوء السائلين، لأنهم إنما يسألون عنها ليعلموا أحكام الله تعالى فيها. ثم قال الله تعالى: {وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم}، يعني في حال نزل الملك وتلاوته القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم أنّ الله يظهرها لكم، وذلك مما يسوءكم ويضركم. وقوله تعالى: {عفا الله عنها قد سألها قومñ من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين}، قال ابن عباس: قوم عيسى عليه السلام، سألوا المائدة، ثم كفروا بها. وقال غيره: قوم صالح، سألوا الناقة ثم عقروها وكفروا بها. وقال السدي: هذا حين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يحول لهم الصفا ذهباً. وقيل: إنّ قوماً سألوا نبيهم عن مثل هذه الأشياء التي سألها عبد الله بن حذافة، ومن قال: أين أنا؟ فلما أخبرهم به نبيهم ساءهم فكذبوا به وكفروا". انتهى.