الطالب الذي يهمل دراسته ويضيّع أوقاته.. سيجد نتيجة عمله عند الامتحان.
والعامل الذي أضاع وقته في العبث.. سوف لن يجد ما يسد به رمقه ورمق عياله في آخر الشهر..
والأمة التي تهدر أوقاتها.. ستجد نفسها من الصنف الثالث أو الرابع مع المتخلفين..
لننظر إلى جميع طبقات شعبنا كيف يثمنون الوقت..
· ماذا لو أن الفلاح الذي يتسكع في المقاهي، والأرض المعطاء إلى جانبه، فلا تحرك فيه ضميرا يدفعه لمزيد من البناء والتعمير والإنتاج.. حتى صارت بلادنا التي كانت موطنا للغلال ومصدرا للخيرات.. تستورد غذاءها من الآخرين..
· أو أن العمال الذين أمضوا حياتهم في التظاهرات السياسية الفارغة يطالبون بحرية العمل وحقوق العمال.. فلما كان لهم ما أرادوا، تخربت المصانع وتشرد العمال..
· وانظر إلى المصانع.. هي ذات المصانع التي تدور في البلاد التي استوردناها منها، ولكنها هناك تنتج وتتطور، وهنا تجمد ثم تتوقف فلا تقوى على منافسة بضائع الآخرين..
· أنظر إلى الجندي الذي بذلت أمته من أجله كل شيء.. اشترت له السلاح وأعطته مختلف الامتيازات.. ومع ذلك رضي أن يبقى مع الخوالف.. فلا وطناً حرّر ولا كرامة أنقذ.. بل استُخدم في قمع شعبه وأهله.. )فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين(.
· وحتى الأنظمة التي اعتادت أن تقهر شعوبها وتتسلط على أبنائها.. كيف وصلت إلى ذلك.. وصلته بأن انتزعت الشباب من ميادين الإنتاج وتركتهم عيونا يتجسسون على أبناء جلدتهم ويكتبون تقارير مزيفة.. فالدخل هنا يتناسب مع مقدار الإيذاء..
أين هؤلاء من رفاقهم في الأمم الأخرى الذين احترموا الوقت وعرفوا قدره وحوّلوه إلى إرادة عمل وبناء وتقدم..؟
أين هم من رفاقهم وإخوانهم في الأمة الإسلامية يوم كانت خير أمة أخرجت للناس..؟
بل أين نحن من تعاليم ديننا.. لقد أقسم الله عز وجل: بالفجر، والضحى، والشمس، والعصر، والليل، والنهار.. للدلالة على أهمية الوقت في حياة المسلم والمجتمع الإسلامي.
الدراسات الغربية كتبت مئات البحوث العلمية.. وأقامت مئات الدورات التدريبية.. التي تدعو إلى تنظيم الوقت.. باعتبار الوقت عنصرا هاما من عناصر الثروة مثل المال والإنسان.. وهذه الدراسات والفكرة التي تدعو إليها.. في غاية الأهمية.. ولها دور رئيس في زيادة الإنتاج ونجاح المؤسسات وبالتالي تقدم الأمة في المضمار المادي والتقني.
والمسلم معنيّñ بالوقت لهذه الأسباب.. ولأسباب أخرى أهم وأعمق وأشمل.
قال تعالى: )وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها(.
وقال تعالى: )وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذّكر أو أراد شكورا(.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه.. وشبابه فيما أبلاه.. وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه.. وعن علمه ماذا عمل به).
وقال أيضا: (اغتنم خمسا قبل خمس: حياتك قبل موتك.. وشبابك قبل هرمك.. وغناك قبل فقرك.. وصحتك قبل سقمك.. وفراغك قبل شغلك).
والفراغ نعمة يغفل عنها كثير من الناس.. فتراهم لا يؤدون شكرها، ولا يقدرونها حق قدرها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (نعمتان من نعم الله مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ). ففراغ الوقت من الأشغال نعمة عظيمة، فإذا كفر العبد هذه النعمة بأن فتح على نفسه باب الهوى، وأنجرّ في قياد الشهوات، شوّش الله عليه وسلبه ما كان يجده من صفاء قلبه.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس يتحسر أهل الجنة على شيء إلا ساعة مرت بهم لم يذكروا الله عزّ وجل فيها).
والذكر هنا كلمة تعظّم ُاللهَ باللسان.. وإنتاجñ يسعد الأمة ويرفع من شأنها.
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان
الوقت في نظر الإسلام.. هو كل ما في الحياة.. وأن المسلم سيحاسب يوم القيامة ليس عن عبادته وذكره فحسب، ولكنه سيحاسب عن عمره (والعمر ساعات محددة) وهل استخدمه لمصلحته ومصلحة العباد والبلاد أم أضاعه فيما لا يفيد..؟
سيحاسب عن شبابه (رمز القوة والعطاء) كيف تصرف به.. هل استنفذه بالمتع الحسية أم استخدمه في بناء الأسرة والمجتمع الصالح..؟
سيحاسب عن ماله.. كيف حصل عليه.. وكيف أنفقه.. سيحاسب عن كل لحظة في حياته هل وضعت في إطارها الصحيح.. أم استهتر بها.. هل استخدمها للبناء.. أم وضعها في خدمة الشيطان..؟
لنستمع إلى سلف هذه الأمة.. ولنر كيف ثمنوا الوقت:
· قال الحسن البصري رضي الله عنه: (من كان يومه كأمسه فهو مغبون، ومن كان يومه شرا من أمسه فهو ملعون)..
وقال أيضاً: (من أمضى يوما من عمره في غير حق قضاه، أو فرض أداه، أو مجد أثله، أو حمد حصّله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه، فقد عّق يومه وظلم نفسه).
وقال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: (إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما)!
· وقال ابن مسعود رضي الله عنه: (ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت فيه شمسه نقص فيه أجلي ولم يزد فيه عملي).
وأرجو ألا يذهب بأحد التفكير بأن سلف هذه الأمة لم يكن مشغولا إلا بالصلاة والصيام والذكر.. كلا.. فقد كان يعمل في جميع الميادين.. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصيهم بأن الله يحب من أحدهم إذا عمل عملا أن يتقنه.. وكانت أعمالهم قربى.. وكل قربى عبادة.. فسادوا وعّمروا وبنوا وأشادوا.. وقد كره عمر بن الخطاب رضي الله عنه التعطل، وإضاعة الزمان سدى فقال: (إني لأكره أن أرى أحدكم سبهللا (أي فارغا) لا في عمل دنيا ولا في عمل آخرة).
ولم يكن الأمر عندهم مجرد أقوال ووصايا بل كان سلوكا راقيا، يغتنم فيه الصحة قبل المرض والحياة قبل الموت.. ويثمن الوقت ويغتنمه.
ومن يطلع على إسهامات المسلمين في ميدان العلوم الإنسانية.. الفيزياء والكيمياء والرياضيات والجبر والمثلثات والفلك والجغرافيا والتاريخ والطب والصيدلة.. يدرك كيف فهم المسلمون وقتهم.. وكيف كانوا يتسابقون مع زمانهم.. فتركوا للعالم ثروة علمية هي أساس التقدم العلمي الإنساني..
· روى القاضي إبراهيم بن الجراح تلميذ (أبو يوسف) قال: فأتيته أعوده (أي أعود أبا يوسف)، فوجدته مغميا عليه، فلما أفاق قال لي:
- يا إبراهيم، ما تقول في مسألة؟ قلت:
- في مثل هذه الحالة؟ قال:
- ولا بأس بذلك، ندرس لعله ينجو به ناجٍ؟.
· (وهذا الإمام ابن جرير الطبري شيخ المفسرين والمحدثين والمؤرخين، كان رحمه الله آية من الآيات، في استفادته من الوقت وحرصه على ملئه بالتعلم والتعليم والكتابة والتأليف، حتى بلغت مؤلفاته من الكثرة -مع الإبداع والإتقان- العدد العجاب، كان مجموع ما صنّفه الإمام ابن جرير نحو 953 ألف ورقة. وما كان يكون له كل ذلك، لولا أنه كان يكسب وقته، ويدري كيف يملؤه).
· أما الإمام أبو الفرج ابن الجوزي فيقول:
(ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه، وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، ويقدم فيه الأفضل فالأفضل من القول والعمل. وقد رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمان دفعا عجيبا! إن طال الليل فبحديث لا ينفع، أو بقراءة كتاب فيه غزل وسحر، وإن النهار فبالنوم. ورأيت النادرين قد فهموا معنى الوجود، فهم في تعبئة الزاد والتهيؤ للرحيل، فالله الله في مواسم العمر، والبدارَ البدارَ قبل الفوات، ونافسوا الزمان).
· قال الدكتور يوسف القرضاوي (وهو من أئمة الدعاة في هذا العصر) تعليقا على تضييع الأوقات: (إن من يقتل وقته إنما يقتل نفسه. فهي جريمة انتحار بطيء ترتكب على مرأى ومسمع من الناس ولا يعاقب عليها أحد).
وقال ابن القيم: إضاعة الوقت أشد من الموت، لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها.
فهل يصح في مثل هذه الأمة، وأمام هذه التعاليم والتوجيهات الربانية، والإنجازات العظيمة، والقدوات الرائدة، أن يكون المسلم في منتهى الإتكالية لا يرسم خطة، ولا ينفذ عملا موقوتا، تحوّل إيمانه إلى غيبية اتكالية وقَدَرية كسولة، يفسر كل شيء بالمشيئة.. ولم ترده المشيئة في الأساس إلا إنسانا متحركا إيجابيا..
الأمم الناهضة تضع خططا خمسية أو عشرية.. تربط الواقع والمستقبل بالزمن.. ثم تحاسب نفسها وتحاسبها شعوبها على هذا الأساس. فإذا كنا نريد استصلاح أرض، وإقامة جسر، وإنشاء مصنع، وبناء مدرسة وهدم سجن في سنة واحدة.. فلا يصح أن يستمر ذلك سنتين..
في الأولى نحن مع الحياة نقدر نبضها ونربط حيويتنا بحيويتها، وفي الثانية نترك الحياة تجري ونحن جلوس ننتظر..
إذا كنت على موعد مع ربك تقف بين يديه للصلاة خمس مرات في اليوم في مواقيت محددة.. تستلهم منه -من جملة ما تستلهم- أن تحافظ على الوقت وعلى الموعد مع الآخرين.. فهل يصح أن تتأخر عن كل موعد ساعة أو ساعتين.. وهل حسبت قيمة هذا الزمن المادية عندك، وقيمته عند الآخرين الذين ينتظرونك؟
ثم هل تصورت القيمة المعنوية لذلك وما يسببه في النفس من الملل وعدم الجدية والإحباط؟
وهل تعتقد أن الطبقة الواعية الطليعية التي تزعم أنها ستأخذ على عاتقها التغيير نحو الأحسن.. يمكنها أن تنجح في عملها إذا كانت من أكثر الطبقات استهتارا بالوقت.. ومن أحرص الناس على عدم فتح باب المساءلة حول هذا الموضوع؟
· والزمن ينقضي ولا ينتظر..
يقول الله عز وجل: )كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها(.
والمثل الإنكليزي يقول: (إن المد والجزر لا ينتظران أحداً).
فإذا لم تستطع أن تحول الزمن إلى واقع وإلى خطة محددة موقوتة.. فرّ منك وانقضى عنك..
والمرء يفرح بالأيام يقطعها وكل يوم مضى يدني من الأجل
· والزمن يمضي ولا يعود.
قال تعالى: )ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة(.
وقال تعالى: )حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب أرجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت.. كلا(.
وهذا المعنى عبر عنه الحسن البصري بقوله البليغ: (ما من يوم ينشق فجره، إلا وينادي: يا ابن آدم، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة).
وقال الحسن البصري: (يا ابن آدم إنما أنت أيام معدودة كلما ذهب يوم ذهب بعضك، ويوشك إذا ذهب البعض أن يذهب الكل).
والوقت كالسهم إذا انطلق من قوسه فلا يمكن أن يعود إليه مرة أخرى.
· والوقت غال ونفيس
إننا نرى الناس يحافظون بكل عناية على الموارد الثمينة سواء كانت مالا أو ثروة.. وحتى القوى البشرية يزداد الاهتمام بها كونها مصدرا هاما، وتنميتها من خلال برامج التدريب والعلاقات الإنسانية.. ولكن أناسا قليلين هم الذين يعدون الوقت مصدرا له نفس الأهمية.. وأن فقدانه مرة يعني فقدانه إلى الأبد.. فالمال يضيع ويمكن تعويضه.. والبضاعة تفقد ولكن المصانع تعيد إنتاجها. أما الوقت فيذهب ولا يعود، وينقضي ولا ينتظر.
قال الحسن البصري رضي الله عنه: (أدركت أقواما كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصا على دراهمكم ودنانيركم).
· والوقت مصدر السعادة والشقاء
فإذا وضع المسلم الوقت في نصابه، وفي مرضاة ربه، وخدمة إخوانه كان سعيدا في الدنيا فائزاً في الآخرة.. أما إذا ضيع وقته.. فقد ضيع عمره وخاب مسعاه.
يقول ابن القيم رضي الله عنه: (وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة الحياة الأبدية في النعيم المقيم أو
مادة معيشته الضنك في العذاب الأليم).
وقال أيضا: (الزمن لا يقف محايدا فهو إما صديق ودود أو عدو لدود).
وقال الحسن البصري رضي الله عنه: (أيقظتني كلمة سمعتها من الحجاج: سمعته يقول على هذه الأعواد: إذا امرؤ ذهبت ساعة من عمره في غير ما خُلق له، لحري أن تطول عليه حسرته يوم القيامة).