هل نستطيع أن نصمد؟
وهنا موقف نحب أن ننقله للأجيال.. نعم نصمد ونتوكل على الله.. لم يكن معنا أي مال.. ولا أي جاه.. ولا أية قوة..
كان معنا الله وحده )وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل(.
كانت معنا هذه الدماء التي تجري حارة مخلصة في عروقنا نريد أن نبذلها في سبيل الله..
وكان معنا قوت عيالنا نقتطع منه ما يمكن لتسيير العمل.
والثقة بالنفس أول أسباب النجاح.. وما من عمل.. أو حركة.. أو حزب.. يمكن أن ينشأ وينتشر ويقوى وينجح بدون هذه الثقة.
ولنا في التاريخ عبرة
· سيدنا أبو بكر رضي الله عنه يختاره المسلمون خليفة لهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.. وبدأت قبائل العرب ترتد عن الإسلام.. ولم يبق على دينه إلا أهل المدينة ومكة والطائف.. هال الأمر طائفة من المسلمين.. ونصحوا الخليفة أن يجلس في بيته حتى يأتيه اليقين.. ولكن أبا بكر زأر وقال: أوَ ينقض الإسلام وأنا حي..؟ والله لأقاتلن من فرّق بين الصلاة والزكاة.. ويتردد سيدنا عمر رضي الله عنه في اتخاذ الموقف.. ويزأر أبو بكر مرة ثانية ويقول: أين أنت يا عمر، أجبار في الجاهلية.. خوار في الإسلام!!
· وفي عام 1924م أسقطت المؤامرة الغربية خلافة المسلمين.. وتقاسمت الدول الاستعمارية أقطارهم.. واشتدت في مصر موجة التحلل في النفوس والآراء والأفكار باسم التحرر العقلي، ثم في المسالك والأخلاق والأعمال باسم التحرر الشخصي، فكانت موجة إلحاد وإباحية قوية جارفة طاغية، لا يثبت أمامها شيء، تساعد عليها الحوادث والظروف.
يقول الإمام حسن البنا في مذكراته: ثم كانت في مصر وغيرها من بلدان العالم الإسلامي حوادث عدة ألهبت نفسي، وأهاجت كوامن الشجن في قلبي، ولفتت نظري إلى وجوب الجدّ والعمل، وسلوك طريق التكوين بعد التنبيه، والتأسيس بعد التدريس.
وليت وجهي شطر الأصدقاء والإخوان ممن جمعني وإياهم عهد الطلب وصدق الود والشعور بالواجب، وكان عهد وكان موثق أن يعمل كل منا لهذه الغاية، حتى يتحول العزم العام في الأمة إلى وجهة إسلامية صالحة..
وفي الإسماعيلية وضعت أول نواة تكوينية للفكرة، وظهرت أول هيئة متواضعة، نعمل ونحمل لواءها ونعاهد الله على الجندية التامة في سبيلها تحت اسم (الإخوان المسلمون) وكان ذلك في آذار (مارس) 1928.
وجاءت بغتِة.. وذهبِت مثلاً.. وهي اليِوم الِدعِوة العالمية.. مالئة الدنيا وشاغلة الناس.
وهكذا الأمر.. فكل إنسان.. يصدق مع ربه.. ويثق بنفسه ودينه.. ويمحص غايته.. ويستشعر مسؤوليته.. قوي لا ينثني.. متفائل لا ينكسر.. على طول التاريخ وعرضه.. سينجح في دعواه.. ويسجل له التاريخ علامة مضيئة في نهضة الأمة.. )وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون(.
وأنت أيها المسلم لست حجراً صغيراً، بل أنت ركن هذه الدنيا، وأنت المؤهل لقيادتها. بل أنت - إن أحسنت - موضعُ قسم الله في تولي زمام الأمور : {وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم(.
· قد تكون الظروف صعبة تستعصي على التغيير إلى الأفضل. ومع ذلك فعلينا أن نتذكر ما قابله رسول الله صلى الله عليه وسلم من ظروف، هي أعتى وأقسى بكثير مما نراه.. ولكنه ظلّ متفائلا مستبشرا موقناً بنصر الله عز وجل.. فاليأس ليس من صفات المؤمن )إنه لا ييأس من رَوْح الله إلا القوم الكافرون(.
· وقد يكون شيوع الشر واستكباره من دواعي التثبيط.. ولكن يجب على المسلم أن يوقن ويؤمن أن الله معه ولن يضيّعَه، وأن الله ناصر عباده ما تمسكوا بما أمر )إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون(.
)ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين.. إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون(.
· وقد يرى البعض أن الزمن قد مضى والعمر تفارط أكثره.. ومع ذلك علينا أن نتذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بدأ دعوته وهي أضخم مهمة يمكن أن توكل إلى إنسان وهي تبليغ دعوة الله عز وجل إلى كل البشرية.. وهو في سنّ الأربعين.
إن علوّ الهمة وصدق الغاية لا يحول دونه عمر، أو ظروف صعبة، قال تعالى: )والذين جاهدوا فينا لنهدينهم -سُبُلَنا(.
وتلِك الأمثال نضربها للناس
هل سمعت بقصة السد التي ذكرها الشاعر المغترب إيليا أبو ماضي..؟ قصة حجر صغير ضمن بناء سد كبير، نظر إلى نفسه يوماً فإذا هو حجر صغير، ليس له فائدة، فلا هو ضخم ولا هو كريم وليس له ما يميزه، فترك مكانه ومضى فإذا السدّ ركام والبلدة غارقة في المياه..
سمع الليِل ذو النجوم أنينا وهو يغشي المدينة البيضاءَ
فانحنى فوقها كمسترق الهمِ ِس يُطيل السكوت والإصغاءَ
فرأى أهلها نياما كأهل الِ كهف لا جلبِِة ولا ضوضاءَ
ورأى السدّ خلفها محكم البنِ يان والمِاء يشبِه الصحراءَ
كان ذاك الأنين في الِسِد يشكو المقِِادر العميِِاءَ
أي شيء يكون في الكون شأني لسِت شيئا فيِه ولست هباءَ
لا رخام أنا فأنحت تمثِِا لاً ولا صخِرة تكون بنِِاءَ
لست دراً تنافس الغادة الحسِ نِِِاء فيه المليحة الحسناءَ
لا أنا دمعة ولا أنا عِيِِن لسِت خالاً أو وجنة حمراءَ
حجر أغبِر أنِا وحقيِِر لا مِِِالاً لا حكمةً لا مضاءَ
فلأغادر هذا الوجود وأمضي بسلام إني كرهِت البقِاءَ
وهوى من مكانه وهو يشكو الأرض والشهب والدجى والسماءَ
فتح الفجر جفنه فإذا الطوفان يغشي المدينة البيِِضاءَ