قال الإمام حسن البنا في الأصل السادس عشر:
(والعرف الخاطئ لا يغير من حقائق الألفاظ الشرعية، بل يجب التأكد من حدود المعاني المقصود بها، والوقوف عندها، كما يجب الاحتراز من الخداع اللفظي في كل نواحي الدنيا والدين، فالعبرة بالمسميات لا بالأسماء).
يعالج الإمام البنا في هذا الأصل عددا من القضايا التي تتعلق بالعرف.
والعرف هو الشيء المعروف المألوف عند الناس.
والأعراف منها العرف اللفظي كإطلاق اسم اللحم على غير السمك، ولفظ الولد على الذكر دون الأنثى. ومنها العرف العملي كتقسيم المهر إلى معجل ومؤخر.
والأعراف منها الحسن ومنها القبيح.
فقد يعتاد الناس عادات تقوم على جهالات وضلالات موروثة.. كاسترقاق المدين المعسر عند الرومان، وكوأد البنات عند العرب في الجاهلية، وكدفن الزوجة حية مع زوجها إذا مات عند الهنود الوثنيين..
في أيامنا هذه تعارف بعض الناس على أن يخلو الخاطب بمخطوبته دون ضوابط.. وتعارف آخرون على أن الخاطب ليس له أن يرى مخطوبته بل يكتفي بأن يصفها الآخرون له.. وكلا العرفين خارج الموقف الشرعي السديد ويتنافى مع الغاية التي توخاها الشارع.. وهي عادات وأعراف قبيحة يجب مكافحتها.
الشريعة الإسلامية والعرف
ولقد أقرت الشريعة الإسلامية كثيرا من الأعراف، وهذّبت بعضها ونهت عن كثير. فالشريعة إنما تبغي بأحكامها المدنية تنظيم مصالح البشر وحقوقهم، فتقر من الأعراف ما تراه محققا لغايتها. وترفض من الأعراف ما يتنافى والغاية المتوخاة. فلقد أقرت الشريعة بعض الأعراف التي تعارف عليها العرب في الجاهلية مثل: فرض الدية على العاقلة، وإقرار بعض المعاملات كالمضاربة، واشتراط الكفاءة في الزواج، وكسوة الكعبة ونحو ذلك.
والعرف في نظر بعض الفقهاء دليل شرعي كاف.. حيثما لا دليل سواه، أما إذا عارض العرف نصا تشريعيا.. فالمحكم هو النص الشرعي.
كيف يفهم النص الشرعي..؟
يفهم النص الشرعي بحسب مدلولاته اللغوية والعرفية في عصر صدور النص.. لأنها هي مراد الشارع ولا عبرة لتبديل الألفاظ في الأعراف الزمنية المتأخرة.. وإلا لم يستقر للنص التشريعي معنى.
فمثلا لفظ (في سبيل الله) من آية مصارف الزكاة له معنى عرفي إذ ذاك وهو مصالح الجهاد الشرعي، أو سبل الخيرات مطلقا على اختلاف بين العلماء في ذلك.. ولفظ (ابن السبيل) معناه العرفي من ينقطع من الناس في السفر، فإذا تبدل عرف الناس، فأصبح لفظ (في سبيل الله) يعني طلب العلم خاصة.. (وابن السبيل) الطفل اللقيط الذي لا يعرف له أهل، فإن النص التشريعي يظل محمولا على معناه العرفي الأول عند صدوره ومعمولا به في حدود ذلك المعنى لأنه هو مراد الشارع... ولا عبرة للمعاني العرفية أو الاصطلاحات الحادثة بعد ورود النص.
بين العرف والنص الشرعي
إذا ترتب على العمل بالعرف تعطيل لنص شرعي أو أصل قطعي في الشريعة لم يكن عندئذ للعرف اعتبار لأن نص الشارع مقدم على العرف.
أما إذا لم يترتب على العمل بالعرف مثل هذا التعطيل بل كان العرف مما يمكن تنزيل النص الشرعي عليه أو التوفيق بينهما فالعرف عندئذ معتبر وله سلطان محترم، فمثلا:
· عرف التبني في الجاهلية لا اعتبار له، لاصطدامه بنص قرآني )ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله( .
· وكذلك تجارة الخمر.
· والربا.
· وزواج الشغار (وهو أن يتفق شخصان فيزوج كل منهما الآخر قريبته فتكون كمهر للأخرى).
· وكل ما كان عرفا سائدا وجاء القرآن بمنعه.
العبرة بالمسميات لا بالأسماء
هناك مصطلحات بدأت تشيع بين الناس حتى أصبحت أعرافا بينهم.. وهي مصطلحات خادعة براقة يخدعون بها المسلمين باستخدام ألفاظ مقبولة لها، معناها (في اللغة) معنى حسن، بينما معناها في الشرع مرفوض، بل منهي عنه.. وإليك بعض الأمثلة:
· المشروبات الروحية، معناها اللفظي مقبول.. أما معناها الحقيقي لديهم فهي الخمور بأنواعها المحرمة شرعا.
· والفائدة.. ويقصدون الربا المحرم.
· واليانصيب الخيري.. ويقصدون به الميسر..
· والتطرف.. ويقصدون به التمسك بالإسلام.. وهكذا.
ولذلك قال العلماء: لو صرف كلام المتكلم إلى حقيقته اللغوية دون العرفية (التي هي معناه في عرف المتكلم) لترتب عليه إلزام المتكلم في عقوده وإقراره وحلفه وسائر تصرفاته القولية بما لا يعنيه هو ولا يفهمه الناس من كلامه.
ولذا وضع الفقهاء المبدأ العام القائل: (يحمل كلام الحالف والناذر والموصي والواقف وكل عاقد على لغته وعرفه وإن خالف لغة العرب ولغة الشارع).
وعلى هذا الأساس قرر الفقهاء أحكاما كثيرة منها أنه:
· لو حلف الإنسان أن لا يضع قدمه في دار فلان، انصرفت اليمين إلى معنى دخول الدار لأنه المعنى العرفي لا إلى مجرد وضع القدم الذي هو الحقيقة اللغوية، فلو دخلها راكبا دون أن تمس قدمه أرضها يحنث في يمينه شرعا.
· إذا تعارف الناس على إيقاع الطلاق بألفاظ وتعابير جديدة فشى استعمالها بينهم، فإنها يقع بها الطلاق، ولو كانت في أصل اللغة لا تقتضي الوقوع، كلفظة علي الطلاق الذي يستعمله الرجال في هذا الزمان.
يتضح من ذلك أن العرف اللفظي بوجه عام تنشأ به لغة جديدة تكون هي المعتبرة في تنزيل كلام الناس عليها، وتحديد ما يترتب على تصرفاتهم القولية من حقوق وواجبات بحسب المعاني العرفية، وبالنسبة للغة العامية يحمل كلام الناس فيها على معناه المتعارف بينهم، فالعبرة بالمسميات لا الأسماء، وقد يختلف المعنى من بلد عن آخر فيعتبر في كل مكان عرفه الخاص في التخاطب حتى تنضبط الأعراف بضوابط الشرع الحكيم.
الخداع اللفظي
وبهذه المناسبة فإن بعض الناس تشيع بينهم أعراف ظاهرها كأنه عمل مشروع، ولكن يقصد به إسقاط واجب أو ارتكاب الحرام ليكون حلالا في الظاهر. فمثلا:
1- البيع مثلا له مقاصد ومصالح هي حاجة المشتري إلى السلعة وحاجة البائع إلى الثمن، فإذا باع شخص سلعة بعشرة قروش إلى أجل ثم اشتراها نفس البائع قبل الأجل بخمسة نقدا.. هذا البيع يحقق مفسدة وقد استخدم الخداع اللفظي بكلمة البيع بينما الحقيقة هي الإقراض بالربا بعينه.
2- الهبة مشروعة لما لها من مقاصد كريمة، ولكن إذا وهب شخص ماله في آخر الحول هربا من الزكاة فإن الهبة في هذه الحالة لا تحمل إلا إسمها لأنها لم تحقق الغرض منها ولكن مآل هذه الهبة المنع من الزكاة وهي مفسدة.
3- عقد الزواج ينعقد بالألفاظ -الإيجاب والقبول- وهي الصيغة، والألفاظ إنما هي معبرة عن الرضا، ولكن إذا قصد بالألفاظ غير ما وضعت له فإن الرضا بالعقد يكون منعدما، وعلى ذلك فإن المحلل يقول نفس الألفاظ، ولكن الألفاظ في هذه الحالة لا تكون سببا لترتب الآثار إلا إذا كان القصد منها معناها وموجبها فلفظ النكاح لم يوضع ليحلل مطلقة وإنما هو لدوام العشرة وحفظ النسل وغير ذلك من المقاصد الكريمة.
وعلى ذلك إذا كان ظاهر الفعل موافقا للشرع، والمصلحة مخالفة له، فالفعل غير صحيح وغير مشروع، لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لذاتها، وإنما قصد بها أمور هي المعاني والمقاصد التي شرعت لها، فالألفاظ لا عبرة بها إذا لم توافق المعاني الشرعية التي قصدها الشارع.
وهكذا يطهر المسلم باطنه، وتصح نيته، ويتقبل الله قوله حتى لو خالف المعني الذي يقصده -دون قصد- كالذي كاد يهلك في الصحراء بعد أن فقد راحلته فلما وجدها فإذا به من شدة فرحه يقول: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك) من - سعادته الغامرة - وهو يقصد أن يقول: (اللهم أنت ربي وأنا عبدك) فالعبرة بالمقاصد وعلى المسلم أن يطهر قوله كما يطهر فعله حتى يصبح ظاهره كباطنه ويستشعر قول الله تعالى: )ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد( .