· يفهم مما تقدم أن من أهم أنواع الجهاد التي شرعت مع فجر الإسلام، مواجهة رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين، ومن ورائه أصحابه، بدعوتهم إلى الحق، وتفنيد ما كانوا يعكفون عليه من تقليد الآباء والأجداد..
· وإن من أهم أنواعه ثباته وثباتهم معه على الصدع بكلمة الحق، مهما جرّ ذلك عليهم من أنواع الشدة والإيذاء..
· وإن من أهم أنواعه مضيّهم في التبصير بكتاب الله والتعريف به والتنبيه إلى إخباراته وأحكامه، دون أي مبالاة بالأخطار التي كانت تحدق من جراء ذلك بهم.. كيف لا وقد سماه الله تعالى جهادا في صريح بيانه، عندما قال لرسوله وهو لا يزال في مكة: )فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا( . أي وجاهدهم بالقرآن وحججه جهادا كبيرا.
وكل هذه الأنواع التي تعدّ أسّ الجهاد وجوهره، والتي لا شأن لها بالقتال، هو المعنيّ بكلمة (جاهدوا) في قوله تعالى في سورة النحل (وهي مكية) : ) ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا، ثم جاهدوا وصبروا، إن ربك من بعدها لغفور رحيم( . ومما يؤكد هذه الحقيقة ويزيدها وضوحا، قوله صلى الله عليه وسلم : (أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) . وقوله صلى الله عليه وسلم : (أفضل الجهاد أن تجاهد نفسك وهواك في ذات الله تعالى) .
فلما هاجر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة، بقيت هذه الأصول الجهادية مشروعة كما هي.. واستمر -ومعه أصحابه- في نشر الإسلام والتعريف به من منطلق هذا الأصل الجهادي الراسخ.
غير أن ظروفاً جديدة نشأت مع استقراره صلى الله عليه وسلم في المدينة، اقتضت قيام المسلمين بواجبات إضافية في هذا المجال.
أما الظروف الجديدة فهي :
1- نشأة أول مجتمع إسلامي متماسك، ضمن نظام دولة وافية الشروط والأركان.
2- نشأة أول دار للإسلام، قامت على أرضها أول دولة إسلامية بكل مقوماتها الأساسية.
وأما الجديد الذي أضيف بسبب هذه الظروف، إلى أصول الجهاد الأولى: فهو ضرورة حماية المكاسب التي دخلت في حوزتهم، ويتم ذلك باتخاذ الأسباب التالية:
1- بتحصين الحدود وحراستها والمرابطة على الثغور، تحسباً لأي عدوان قد يتسرب ضد هذا المجتمع الجديد.
2- التصدي بالقتال لكل من أقبل يتربص بأي من مقومات هذه الدولة ونظامها، أو جاء طامعا بأي جزء من ديار الإسلام.
3- مقاتلة كل من أبى إلا أن يقاوم الدعوة الإسلامية السائرة على منهج التعريف والحوار (وهي الدعوة الجهادية التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهض بها من قبل مع أصحابه، سلماً ودون أي حرب).
وإنما شرعت مقاتلة المقاومين لها اليوم، أي بعد الهجرة، لأن الدعوة الآن أصبحت مكلوءة بحماية دولة ورئيس مسؤول عنها.
4- مقاتلة من أصرّ من سكان الجزيرة العربية على عبادة الأوثان. بعد قيام المسلمين بواجب بيان حقيقة الإسلام لهم ودعوتهم إلى الإقلاع عن هذا الباطل الذي لا يقرّه منطق ولا عقل، والانصياع بدلا من ذلك لدين الله عزّ وجلّ. (على خلاف في ذلك بين الفقهاء) .
فما هي أسباب هذا الخلاف؟
أسباب الخلاف هي فهم متباين لبعض النصوص.
ففريق يقول:
· إن دعوة الناس إلى الإسلام عن طواعية ودون إلزام، إنما كانت في صدر الإسلام، أي قبل مشروعية الجهاد القتالي. ثم إن هذا الحكم نُسخ فيما بعد بآية السيف في قوله تعالى )فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم( .
أي على المسلمين بعد انقضاء فترة الإنذار وهي أربعة أشهر، أن يقتلوا المشركين حيث وجدوهم، فإن تابوا (أي أسلموا) فخلوا سبيلهم.
· ويستند هذا الفريق إلى دليل آخر، هو الحديث الصحيح، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى) .
يرى هذا الفريق أن الحديث صريح في مقاتلة الناس كلهم.. وأن هذه المقاتلة لا تنتهي إلا عند غاية واحدة هي الإسلام.
· وفريق آخر فهم النصوص ذاتها بطريقة مختلفة فقال:
أن حكم دعوة الناس إلى الإسلام عن طواعية ودون إكراه باق، وأن الآيات التي تدل على ذلك محكمة وليست منسوخة. وأن حديث ابن عمر رضي الله عنه لا يتعارض مع هذا الفهم.. والدعوة الإسلامية لا يجوز أن تقترن بأي إكراه لا في حق الكتابيين ولا في حق غيرهم. والأمر بقتل المشركين في قوله تعالى: )فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم( إنما هو لوصف الحرابة فيهم لا بسبب كفرهم. وبه قال الإمام مالك وأصحابه والأوزاعي وجمع كبير من الفقهاء.
قال الرازي في تفسيره الكبير: (إنه تعالى لما بيّن دلائل التوحيد بيانا شافيا قاطعا للمعذرة، قال بعد ذلك إنه لم يبق بعد إيضاح هذه الدلائل عذر للكافر في الإقامة على كفره إلا أن يقسر على الإيمان ويجبر عليه، وذلك مما لا يجوز في دار الدنيا التي هي دار الابتلاء، إذ في القهر والإكراه على الدين بطلان معنى الابتلاء والإمتحان). يؤكد هذا قول ابن تيمية في آية )لا إكراه في الدين(: (جمهور السلف على أنها ليست منسوخة ولا مخصوصة، وإنما النص عام فلا تكره أحدا على الدين... ولا يقدر أحد قط أن ينقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكره أحدا على الإسلام، لا ممتنعا ولا مقدورا عليه، ولا فائدة في إسلام مثل هذا) .
· وتشعبت الآراء بهذا الفريق، فقال بعضهم:
إن كلمة (الناس) في الحديث.. تعني الوثنيين ومن في حكمهم كالملاحدة. وأما من عداهم فهم المعنيون أصلا بقوله تعالى: )لا إكراه في الدين( . وقوله تعالى: )لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين( . وبالآيات الكثيرة الدالة على الأمر بالدعوة دون إكراه.
· ورأى آخرون:
أن الآية )فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم( ، فغاية ما تدل عليه هو وجوب قتال المشركين بعد انسلاخ الأشهر الحرم. ولكن هل في الآية ما يدل على أن موجب القتال هو الكفر دون غيره؟
لننظر في الآية التي تلي هذا النص مباشرة وهي قوله تعالى: )وإن أحدñ من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه، ذلك بأنهم قومñ لا يعلمون( .
إذ لو كانت غاية القتل هي التوبة من الكفر حصرا دون غيره، لتناقض ذلك مع الحكم بإجارة المشرك إن هو طلب ذلك، ولتناقض مع الحكم بإيصاله بعد ذلك مع الحماية والرعاية له إلى حيث يجد طمأنينته ومأمنه، على الرغم من أنه لا يزال متلبسا بكفره، ولم ينته إلى غاية التوبة منه.
· ويدعّم أصحاب هذا الرأي حجتهم بالنظر في قوله تعالى: )ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول، وهم بدؤوكم أول مرة، أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين( .
فقد أعلنت هذه الآية حيثية الأمر بقتل المشركين وأوضحت سبب ذلك، وهو نكثهم الإيمان التي التزموا بها، وخرقهم المعاهدة التي تمت بينهم وبين المسلمين، وبدؤهم بالغدر والعدوان. وهذا تصريح حاسم بأن موجب القتل الذي نزلت به آية السيف، إنما هو الحرابة.
· وأما ما جرى عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكثير أيضا. من ذلك ما رواه سعيد بن جبير قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال: إن أراد الرجل منا أن يأتي محمدا بعد انقضاء الأربعة أشهر فيسمع كلام الله أو يأتيه بحاجة، قتل؟ فقال علي: لا، إن الله تبارك وتعالى يقول: )وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله، ثم أبلغه مأمنه(.
· وروى الحاكم في صحيحه من حديث عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، قال: (قدمت قُتَيْلة بنت عبد العزى على بنتها أسماء بنت أبي بكر بهدايا وثياب وسمن وأقط، فلم تقبل هداياها ولم تدخلها منزلها، فسألت عائشة لها النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. فتلا عليها قول الله عز وجل: )لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين( . فأدخلتها عندئذ منزلها وقبلت هداياها) .
ولعلك لن تجد أصرح ولا أبين، من هذه الآية التي استشهد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، دلالة على أن المشركين الذين نزلت آية القتال في حقهم، إنما أنزل الله في حقهم ذلك للحرابة التي كانوا يمارسونها لا للكفر الذي كانوا يتصفون به.
· تبقى مشكلة الدليل الثاني، وهو حديث ابن عمر رضي الله عنه: (أمرت أن أقاتل الناس حتي يشهدوا أن لا إله إلا الله..) الحديث. وأقول في الجواب عنها:
إن المشكلة تنشأ في ذهن الباحث في هذا الموضوع، من عدم تنبهه إلى الفرق بين كلمتي (أُقاتل) و(أَقتل) مع أن بينهما فرقا كبيرا لا يخفى على العربي المتأمل.
لقد كان الحديث مشكلا حقا لو كان نصه هكذا: (أمرت أن أقتل الناس حتى...)، أما كلمة (أقاتل) على وزن أفاعل تدل على المشاركة. فهي لا تصدق إلا تعبيرا عن مقاومةٍ من طرفين، بل هي لا تصدق إلا تعبيرا عن مقاومةٍ لبادئ سبق إلى قصد القتل. فالمقاوم للبادئ هو الذي يسمى مقاتلا. أما البادئ فهو أبعد ما يكون عن أن يسمى مقاتلا، بل هو في الحقيقة يسمى قاتلا بالتوجه والهجوم أو بالفعل والتنفيذ. إذ لا ينشأ معنى الاشتراك إلا لدى نهوض الثاني للمقاومة والدفاع.
وبهذا يصبح معنى الحديث على ضوء ما تقدم: أمرت أن أصدّ أيَّ عدوان على دعوتي الناس إلى الإيمان بوحدانية الله، ولو لم يتحقق صدّ العدوان على هذه الدعوة إلا بقتال المعادين والمعتدين فذلك واجب أمرني الله به ولا محيص عنه.
وهذا من قبيل قوله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية: (وإن هم أبوا فوالذي نفسي بيده لأقاتلنهم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي) .
· ولقد حكى البيهقي عن الإمام الشافعي قوله: (ليس القتال من القتل بسبيل. وقد يحلّ قتال الرجل ولا يحلّ قتله).
وهكذا تبقى النصوص الآمرة بالدعوة والإبلاغ مع ترك المدعوين أحرارا إن شاؤوا استجابوا وآمنوا، وإن شاؤوا ركبوا رؤوسهم بالجحد والكفران، ناصعة الدلالة، لا تحوم حولها أي شبهة ولا يتسرب إليها أي إشكال.
هل القتال لدرء الحرابة أم للقضاء على الكفر؟
ذهب الجمهور، وهم الحنفية والمالكية والحنابلة، إلى أن علة الجهاد القتالي هي درء الحرابة.
وذهب الشافعي في الأظهر من قوليه إلى أن العلة هي الكفر، وهو مذهب ابن حزم أيضا.
دليل الجمهور، قوله تعالى: )وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين( .
وقوله تعالى: )ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول، وهم بدؤوكم أول مرة( .
وقوله تعالى: )لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين. إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين، وأخرجوكم من دياركم، وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم، ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون( .
وقوله تعالى: )وقاتلوا المشركين كافة، كما يقاتلونكم كافة( .
فهذه الآيات صريحة الدلالة على أن علة الجهاد القتالي للكافرين هي الحرابة.
وأما الأحاديث فنذكر منها
· في الحديث عن حنظلة الكاتب قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمررنا على امرأة مقتولة قد اجتمع الناس عليها، فأفرجوا له، فقال: ما كانت هذه تقاتل فيمن يقاتل. ثم قال لرجل: انطلق إلى خالد بن الوليد، فقل له إن رسول الله يأمرك يقول: لا تقتلن ذرية (أي النساء) ولا عسيفا (أجيرا) .
· وفي الحديث عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (انطلقوا باسم الله، ولا تقتلوا شيخا فانيا، ولا طفلا صغيرا ولا امرأة، ولا تغلوا، وضموا غنائمكم وأصلحوا، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) .
ومناط الاستشهاد في هذه الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن مقاتلة غير الذين يواجهون المسلمين بالعدوان والقتال وإن كانوا كافرين.
وأما دليل الشافعية والظاهرية
هو آية السيف التي اعتبروها ناسخة لما سبقها من الآيات.. وحديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه.. وقد تحدثنا عنهم وبينا ضعف موقفهم.
معنى الحرابة وسبل مقاومتها
وإذا كان القتال في سبيل الله، محصورا في مقاومة الحرابة ودرء شرها عن المسلمين، فماذا تعني هذه الحرابة.. وكيف نفهمها في ظل مواقف ونصوص تدل على غير ذلك؟
· كيف نوفق بين هذا الرأي وبين قوله صلى الله عليه وسلم عندما انصرف من غزوة الأحزاب: (الآن نغزوهم ولا يغزوننا) .
· أو في الموقف من غزوة خيبر التي فاجأ المسلمون بها اليهود.
· أو في غزوة مؤتة التي بدأها المسلمون في قتالهم للروم.
يقول الشيخ البوطي:
إن سبب هذا الإشكال، يعود إلى التفسير غير الدقيق لكلمة الحرابة. إن الحرابة ليست محصورة في وقوع عدوان فعلي على المسلمين، بل الحرابة تنشأ مع ظهور قصد عدواني، ثم إنها قد تتطور من القصد إلى الكيد والتخطيط، ثم إنها قد تنتهي بمباغتة عدوانية. وهذا المعنى هو المعتمد اليوم في تعامل الدول بعضها مع بعض. فإذا تبين المسلمون (بالدليل القاطع) أن جهة مّا تبيت العدوان ضدهم.. فهل ينتظرون حتى يبدأ هؤلاء بالهجوم.. أم أن للمسلمين الحق في التصدي لهذا العدوان؟ الجواب المنطقي هو أن للمسلمين الحق في التصدي بل الهجوم على من بيتوا في أنفسهم هذا القصد. وهذا ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله.. يسابق بذلك كيد المشركين ومن معهم، كي يفوت عليهم الفرصة.
· لقد أحيط رسول الله صلى الله عليه وسلم علما بأن بني المصطلق يخططون لعدوان على المسلمين. فلما تأكد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، بدأ فخرج عليهم.
· وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن حلفا خفيا قد تم بين يهود خيبر وقبيلة غطفان، لمحاربة المسلمين.. فكان أن أسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فبيتهم بغارة مباغتة.
وقد روى ابن هشام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عسكر في واد يقال له الرجيع، يقع بين اليهود وبين غطفان، حتى يفسد عليهم خطتهم.
· وأما غزوة مؤتة، فقد جاءت بعد عدوان وحشي من ملك بصرى، عندما أخذته العزة، فعدا على رسول رسول الله إليه، الحارث بن عمير الأزدي، فقتله وقد كان الرسل، ولا يزالون، في عرف العالم كله، فوق مستوى التعرض لأي إيذاء.
وقد كان هذا أظهر دليل على قصد العدوان لدى الرومان.. وعميلهم بالشام شرحبيل بن عمرو، ضد الإسلام والمسلمين.
وهكذا فالجهاد الذي شرعه الله درءا للحرابة بأشكالها، قد يتخذ في بعض الأحيان طريقة الحرب الدفاعية (مثل غزوة أحد والأحزاب وحنين)، وقد يتخذ أحيانا أخرى طريقة الحرب الهجومية (مثل غزوة بني المصطلق، وخيبر، ومؤتة، وتبوك) .
إعلان الجهاد القتالي من أحكام الإمامة
يعد الجهاد القتالي من أحكام الإمامة، فلا يملك الإعلان عنه، ولا إدارة شؤونه وسياسته، ولا إنهائه بصلح أو أمان، إلا إمام المسلمين أو من يقوم مقامه. ولا بد أن ندرك أن الجهاد القتالي شيء، ومقاتلة الصائل شيء آخر. ولقد أفرد الفقهاء على اختلافهم، بابا للجهاد، وبابا آخر للصيال الذي هو هجوم إنسان أو فئة ما على حياة إنسان أو على ماله أو عرضه. وقد شرع الله عز وجل في هذه الحال دفاع الإنسان عن حياته وعن ماله وعن عرضه، ضمن حدود وآداب معينة، سواء كان المهاجم فردا من الناس أو فئة صغرت أو كبرت، بطريق قرصنة أو بقيادة دولة. ومقاتلة الصائل، داخلة في أحكام التبليغ لا في أحكام الإمامة. وأساس ذلك حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد) .
ويدخل في هذا الباب أيضا ما يسمى بحالة النفير العام، وهي أن يقتحم عدو أيا كان بلدة من بلاد المسلمين، فيجب على المسلمين جميعا أن يهبوا هبة رجل واحد، لدرء العدوان، ولا يتوقف وجوب ذلك على إذن الإمام.
ولكن ما الحكمة من كون الجهاد القتالي داخلا في أحكام الإمامة؟
الحكمة من ذلك أن هذا الواجب الخطير لا يمكن أن يحقق ثمرته المرجوة للمسلمين إلا إذا كانت قيادته بيد جهة ذات شوكة تتمتع بسلطة نافذة. بحيث تنقاد له الجموع وتستجيب له العسكر والجيوش من جهة المسلمين، وبحيث تسري من سلطانه النافذ هذا هيبة في أفئدة الأعداء والطامعين. ومهما كانت هذه الشوكة موجودة ذات فاعلية في جمع الكلمة وحشد القوى في وجه العدو، فإن جور الحاكم صاحب هذه الشوكة لا أثر له ولا ضرر منه، أمام ما يتمتع به من نفوذ جامع وسلطة تبعث الهيبة والرهبة في نفوس الأعداء. وفي المقابل مهما كان في فئات الناس وأفرادهم وعلمائهم من الورع في السلوك، والعدالة في التعامل، فإن شيئا من ذلك لا يقوم مقام الشوكة التي هي المطلوبة في هذا المقام، ومن ثم فلا يجوز لهم أن يتجاوزوه أو يخرجوا عليه بسبب جوره، ويجمعوا الناس على أنفسهم بسبب أرجحيتهم عليه في العدالة والاستقامة الدينية اللتين يتمتعون بها.
من هو الحاكم الذي يجوز الخروج عليه؟
يقول الإمام حسن الهضيبي: (قال البعض: إن الطاغوت مصطلح شرعي لا يسمى به إلا من كان كافرا مشركا. ولو صح هذا القول فإنه ولا بد - حتى يكون الواجب على كافة الناس الحكم بكفر الطاغوت وشركه - أن يكون معلنا بالكفر وآن يكون متبرئا من دين الإسلام جملة وعلانية بحيث لا يجوز الاختلاف في حقيقة صفته. أما من يظهر الإسلام ويأتي علنا شعائره ولكن يكون كفره من جهة تحتاج إلى علم ببعض أعماله وأقواله على حقيقتها وعلى حقيقة أمر الله تعالى فيها. فهذا في الأغلب مما تختلف فيه الآراء، ويخفى أمره على كثير من الناس خاصة عامتهم) .
ويقول الشيخ البوطي: إن الحاكم على كثرة من الناس مسلمة في دولة إسلامية، إذا أعلن خروجه عن الإسلام بكفر بواح صريح لا يحتمل التأويل، يجب الخروج عليه ونزع البيعة عن يده. فإذا اتخذ هذا الحاكم من الخارجين عليه موقف المقاومة بالقوة، فقد تلبس عندئذ بالحرابة فوق الكفر الذي أعلنه. وعلى المسلمين التصدي لمقاومته والوقوف في وجه عدوانه.
أما الحاكم المسلم الذي لم يتلبس بأي كفر صريح، فقد ذهب جماهير الفقهاء إلى أنه لا يجوز عزله لطروء الفسق عليه.
قال النووي في شرحه على صحيح مسلم: وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين.
وأساس هذا الإجماع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: (إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها، قالوا: يا رسول الله كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال: تؤدون الحق الذي عليكم وتسألون الله الذي لكم) .
والحديث عن عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كره من أميره شيئا فليصبر، فإنه من خرج على السلطان شبرا فمات، مات ميتة جاهلية) .
والحديث عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهدايتي ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس. قال قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال: تسمع وتطيع للأمير، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع) .
وواضح أن هذه النصوص بعيدة كل البعد عن التكفير بالجملة الذي يطلقه البعض ويرتبون عليه مواقفهم في مقاومة الحاكم ومحاربته.