قال الإمام حسن البنا في الأصل الرابع عشر:
(وزيارة القبور أيا كانت سنة مشروعة بالكيفية المأثورة، ولكن الاستعانة بالمقبورين أيا كانوا ونداءهم لذلك وطلب قضاء الحاجات منهم عن قرب أو بعد والنذر لهم وتشييد القبور وسترها والتمسح بها، والحلف بغير الله وما يلحق بذلك من المبتدعات، كبائر تجب محاربتها، ولا نتأول لهذه الأعمال سدا للذريعة).
تعلق الإنسان بمن يحب جزء من مكنونات الفطرة البشرية. ويمتد هذا التعلق في كثير من الأحيان إلى ما بعد افتراق الأجساد، وانتقال الأرواح إلى الدار الآخرة.. وكعادة العاطفة المتوقدة تجمح بالإنسان أحيانا إلى ما لا يقبله الدين والعقل.. فكان لابد أن تنضبط العواطف بضوابط الشرع حتى تؤدي دورها الصحيح في بناء النفس البشرية.
والأصل الذي بين أيدينا يعالج بعض القضايا ذات الصلة بهذا الأمر..
زيارة القبور
زيارة القبور مشروعة للرجال بإجماع الأمة. فهي من الأمور التي ترقق القلب، وتزكي النفس، وتزهد بالدنيا، وتذكر بالآخرة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها. فإنها تذكركم بالآخرة) . كان النهي ابتداء لقرب عهدهم بالجاهلية.. فلما استقر الإيمان في نفوسهم واطمأنوا به، أذن لهم الشارع بزيارتها.
والزيارة جائزة لكل من في القبور.. مسلمهم وظالمهم وكافرهم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، فقال صلى الله عليه وسلم: (استأذنت ربي أن استغفر لها، فلم يؤذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي. فزوروها، فإنها تذكر بالموت) .
فإن كانوا ظالمين وأخذهم الله بظلمهم، استحب البكاء وإظهار الافتقار إلى الله عند المرور بقبورهم.. ففي الحديث عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه لمّا وصلوا الحجر (ديار ثمود): (لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين، فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم ما أصابهم) .
وفي زياراته المتكررة لبقيع الغرقد مزيد من التعليم والتوجيه، من ذلك ما تذكره أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنه صلى الله عليه وسلم جاء البقيع فقام فأطال القيام ثم رفع يديه ثلاث مرات ثم انحرف. وكان يقول اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد .
آداب الزيارة
وللزيارة المشروعة آداب وأحكام وضّحها الشارع.
في الحديث عن بريدة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقول قائلهم: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، أنتم فرطنا ونحن لكن تبع، ونسأل الله لنا ولكم العافية) .
وفي الحديث عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه وقال: (السلام عليكم يا أهل القبور ويغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن بالأثر) .
زيارة النساء
رخّص مالك وبعض الأحناف ورواية عن أحمد وأكثر العلماء، في زيارة النساء للقبور. في الحديث عن عبد الله بن أبي مليكة، أن عائشة أقبلت ذات يوم من المقابر، فقلت: يا أم المؤمنين من أين أقبلت؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن، فقلت لها: أليس كان نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور؟ قالت نعم. كان نهى عن زيارة القبور، ثم أمر بزيارتها .
وعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّ بامرأة عند قبر تبكي على صبي لها، فقال لها: اتقي الله واصبري. فقالت: وما تبالي بمصيبتي؟ فلما ذهبت قيل لها إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذها مثل الموت، فأتت بابه، فلم تجد على بابه بوابين، فقالت: يا رسول الله لم أعرفك. فقال: إنما الصبر عند الصدمة الأولى .
ووجه الاستدلال أن الرسول صلى الله عليه وسلم رآها عند القبر فلم ينكر عليها ذلك.
وكره قوم الزيارة لهنّ لقلة صبرهن وكثرة جزعهن، ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: لعن الله زوارات القبور .
قال القرطبي: اللعن المذكور في الحديث إنما هو للمكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة. ولعل السبب ما يفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والبيت. فإذا أُمن ذلك فلا مانع من الإذن لهن. لأن تذكر الموت يحتاج إليه الرجال والنساء.
قال الشوكاني: وهذا الكلام (أي كلام القرطبي) هو الذي ينبغي الاعتماد عليه في الجمع بين أحاديث الباب المتعارضة في الظاهر.
الاستعانة بأهل القبور
تلك هي الزيارة المشروعة، وطريقتها المأثورة، دعاء للأموات، وعبرة للأحياء، أما ما أحدثه البعض من خلاف هذا كدعاء الأموات، والاستصراخ بهم، والاستغاثة بهم، وسؤال الله بحقهم، وطلب الحاجات إليه تعالى بهم، فهذا من البدع والجهالات.
فالاستعانة لا تكون إلا بالله لا بأحد سواه.
قال تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله) .
ومن ذلك غفران الذنوب، والهداية، وإنزال المطر، والرزق، ونحو ذلك.
قال تعالى: )ومن يغفر الذنوب إلا الله( .
وقال أيضا: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء) .
وقال أيضا: (هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض) .
إن الأحياء لا يقدرون على فعل شيء مما اختص به رب العزة، فكيف بالأموات؟! إن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين، كل هؤلاء في ذلك سواء.. فلا استعانة إلا بالله..
في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وان اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. رفعت الأقلام وجفت الصحف) .
وكتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: (لا تستعن بغير الله فيكلك الله إليه) ومن كلام بعض السلف: (يا رب عجبت لمن يعرفك كيف يرجو غيرك، وعجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك).
وأخرج الطبراني في معجمه الكبير أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين فقال أبو بكر: قوموا بنا نستغيث برسول الله من هذا المنافق، فقال صلى الله عليه وسلم: (إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله). فمراده صلى الله عليه وسلم أنه لا يستغاث به فيما لا يقدر عليه إلا الله.
وكذلك الدعاء والاستغاثة لا تكون إلا بالله.
قال تعالى: )ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين( .
ولذا فإن مناداة الأموات ودعاءهم أيا كانوا من أقبح المنكرات التي تتنافى مع إخلاص التوحيد لله، ويستوي في هذا أن يكون الدعاء والمناداة قريبا من القبر أو بعيدا عنه، فالعبرة بالألفاظ ومعتقداتها لا بالأمكنة والأزمان.
النذر لأهل القبور
وهو مما يحرم صنيعه لزائري القبور أو غيرهم، والنذر في اصطلاح أهل العلم (إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر أو بدونه تبررا).
ومن ذلك ما يفعله بعض الجهلة من أن يأتي قبر ولي من الأولياء، ويوجب على نفسه شيئا إن تحقق له ما يطلبه عند هذا القبر، أو إن انصرف عنه سوء ببركة دعائه عند هذا القبر، فنجده يأتي بالذبائح والأموال ليضعها عند القبور إيفاء لنذره.
إن النذر للقبور حرام بإجماع العلماء، وباطل لا يصح الوفاء به، وذلك لوجوه:
1- أنه نذر لمخلوق، والنذر للمخلوق غير جائز لكونه عبادة.
2- أن المنذر له ميت والميت لا يملك.
3- أنه إن ظن أن الميت يتصرف في الأمور من دون الله واعتقد ذلك فقد كفر.
تشييد القبور وسترها
إن كل مظهر يعطي المقابر شيئا من الإجلال، ويكون سببا في فتنة العوام، محرم منهي عنه، ومن ذلك بناء القبور وإحكام رفعها بالشيّد وهو الجص أو البلاط وما شاكله.
جاء في الصحيحين أن أم سلمة ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة رأتها بأرض الحبشة وما فيها من الصور. فقال: (أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله) .
وفي الصحيحين أيضا (لما نزل برسول الله مرض الموت طفق يطرح خميصة له على وجهِه فإذا اغتِم بها كشفها فقال: -وهو كذلك - لعنة الله على اليهِود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذّر ما صنعوا، ولولا ذلك أُبرز قبره غير أنه خشي أن يُتخذ مسجدا) .
بل لقد أمر الرسول بتسوية القبور المرتفعة، ففي الحديث عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي بن أبي طالب: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أن لا أدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا إلا سويته) .
ويلحق بذلك في الحرمة ما يفعله البعض من ستر القبور وتغطيتها بالثياب الفاخرة. ووضع الشمع والسرج عليها للإعلام بها، وكذا التمسح بها بقصد التبرك. وقد عد ابن حجر كل ذلك من الكبائر.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد، والسرج) .
الحلف بغير الله
الحلف بغير الله من الأنبياء أو الأولياء أو سائر المخلوقات حرام ولا ينعقد ولا تجب به كفارة يمين باتفاق العلماء، لعموم النصوص الواردة، منها الحديث عن ابن عمر أن الرسول سمع عمر يحلف بأبيه فقال: (إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت) .
أما الأحاديث (من حلف بغير الله فقد كفر) أو (أشرك) فهي محمولة على الشرك الأصغر غير المخرج من الملة إن كان الحالف لا يقصد تعظيم المحلوف به ولا يعتقد فيه أنه ينفع أو يضر، أما إن اعتقد ذلك فهو كفر مخرج من الملة.
محاربة الكبائر
لقد حرص الإسلام كل الحرص على حماية عقيدة التوحيد من أي شائبة، لذلك سدّ كل الذرائع المكدرة لصفوه.
إن إزالة المنكر واجب كل مسلم، فماذا لو كان من الكبائر.. والإزالة تكون بحدود الاستطاعة وفي ظل الحكمة التي لا تؤدي إلى منكر شر منه.
ومع ذلك فلا يجوز للمسلم فضلا عن العلماء إذا رأوا مثل هذه الكبائر أن يتأولوا للعامة وهم يفعلونها، بل الواجب بيان حكمها ومن ثم تغييرها، حتى لا يقع الناس في الابتداع والمنكرات بسبب السكوت والتبرير.
بين إفراط وتفريط
(يذكر الشيخ محمد الغزالي - رحمه الله - حادثة وقعت له فقال: لقيني أحدهم وقال لي مغاضبا: بلغنا أنك صليت في مسجد الصنم! فقلت دهشا: أي صنم قال: في مسجد الحسين!!
لو قدرت على جلد هذا السفيه لجلدته.. إنني نظرت إليه في تغيظ ثم قلت: مöسْعَرُ فتنة، ما يجد الشيطان خيرا منك في إذكاء العناد وتمزيق الأمة!
نعم صليت في المسجد مع جمهور كثيف، يوحّد الله ويرجو رضاه ويخشى بأسه. فيهم كثيرون أطيب منك قلبا، وأسرع إلى ميادين الجهاد يبذلون دمهم في ذات الله.
رفضت استئناف الكلام، فما جدوى الكلام مع امرئ مسعور يريد دفع الناس بالشرك بدل أن يحبّبهم في الحق، وما أكثر هؤلاء الدعاة الفاشلين) .
نستشهد بقول الشيخ الغزالي.. لندلل على حكمة الإمام البنا الذي وصف الأعمال التي ذكرها في هذا الأصل، بأنها كبائر..
ثم أتبعها (تجب محاربتها)...
ثم أنكر أن يُتأول لها سدا للذريعة..
كم هي المسافة بينه وبين من يتهم المسلمين بالشرك وكأنه شقّ عن قلوبهم.. ويحاربهم وهو يعتقد أنه يجاهد في سبيل الله.. أليس هو مسعر فتنة؟