أما المنهج فقد رسمه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وكلما اشتد الكيد والصد جدد السائرون العهد هاتفين بشعار الموقنين: )فتوكل على الله إنك على الحق المبين((1).
فهو منهج من عند الله ونحن نجزم بأنه الحق المبين على سبيل الإجمال والتعميم تصديقا لقوله تعالى: )والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير((2)، ونجزم كذلك بأن كل جزئية من هذا المنهج هي حق مبين نتعامل معها بيقين.
· أبو الدرداء رضي الله عنه أخبروه يوما باحتراق داره ففاجأهم بقوله: (ما احترق، ما كان الله ليفعل، لكلمات سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت عليك توكلت وأنت رب العرش العظيم، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، أعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما، اللهم إني أعوذ بك من شر نفسي ومن شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها، إن ربي على صراط مستقيم، من قالها حين يصبح لم تصبه مصيبة حتى يمسي، ومن قالها حين يمسي لم تصبه مصيبة حتى يصبح). ثم انطلق معهم موقنا، فإذا بالدور قد احترقت، وداره بينها لم يلحقها أذى.
· وهذا عثمان رضي الله عنه جاء يعود عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في مرضه الذي توفي فيه، فقال له: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي، قال: فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي، قال: ألا آمر لك بعطاء؟ قال: لا حاجة لي فيه، قال: يكون لبناتك من بعدك، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من قرأ سورة الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا(3)، ولقد أمرت بناتي أن يقرأنها كل ليلة فهن في أمان من الفقر. هكذا كانت الثقة برسول الله أفعاله وأقواله.
· وقد رأينا الثقة المطلقة للإمام البنا رضي الله عنه في منهج الدعوة المستقى من منهج الإسلام الأول الأصيل حين قال: (أيها الإخوان المسلمون وبخاصة المتحمسون المتعجلون منكم: اسمعوها مني كلمة عالية مدوية، من فوق هذا المنبر في مؤتمركم هذا الجامع: إن طريقكم هذا مرسومة خطواته، موضوعة حدوده. ولست مخالفا هذه الحدود التي اقتنعت كل الاقتناع بأنها أسلم طريق للوصول، أجل قد تكون طريقا طويلا، ولكن ليس هناك غيرها. إنما تظهر الرجولة بالصبر والمثابرة والجد والعمل الدائب، فمن أراد منكم أن يستعجل ثمرة قبل نضجها أو يقتطف زهرة قبل أوانها فلست معه في ذلك بحال، وخير له أن ينصرف عن هذه الدعوة إلى غيرها من الدعوات. ومن صبر معي حتى تنمو البذرة وتنبت الشجرة وتصلح الثمرة ويحين القطاف فأجره في ذلك على الله، ولن يفوتنا وإياه أجر المحسنين: إما النصر والسيادة، وإما الشهادة والسعادة)(4).
وقد عبر جند الدعوة عن ثقتهم في منهجهم أبلغ التعبير وأصدقه بمواصلة المسير على الطريق بعدما خرجوا من أتون المحن، وما ضعفوا وما استكانوا وما ركنوا إلى شيء من الدنيا وما أخلدوا إلى الراحة(5).
------------------------
(1) النمل- 79.
(2) فاطر- 31.
(3) الأحاديث الصحيحة- الألباني.
(4) رسالة المؤتمر الخامس- حسن البنا، ص- 179.
(5) الثقة عند الإخوان المسلمين- مجلة الدعوة.