يقول الإمام الشهيد حسن البنا في الركن الثامن من أركان البيعة ما يلي:
(وأريد بالتجرد: أن تتخلص لفكرتك مما سواها من المبادئ والأشخاص، لأنها أسمى الفكر، وأجمعها وأعلاها، )صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة( . )قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده( .
والناس عند الأخ الصادق واحد من ستة أصناف:
- مسلم مجاهد،
- أو مسلم قاعد،
- أو مسلم آثم،
- أو ذمي معاهد،
- أو محايد،
- أو محارب،
ولكل حكم في ميزان الإسلام، وفي حدود هذه الأقسام توزن الأشخاص والهيئات. ويكون الولاء أو العداء).
بين يدي الموضوع
فالتجرد هنا أن يتجرد الداعية لله من كل ما سواه.. وأن يستعين بالله وحده )إياك نعبد وإياك نستعين( ، وأن يضحي بكل ما يملك في سبيل الله، وأن يصبر على المكاره مهما بلغت )يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون( .
ولكن هل يستطيع الداعية أن يتجرد من هواه ومنافعه وسلطانه؟
الآية التي استشهد بها الإمام البنا من سورة الممتحنة، وهي تحكي قصة الصحابي حاطب بن أبي بلتعة.. وكان رجلا من المهاجرين، وكان من أهل بدر أيضا. وكان له بمكة أولاد ومال، ولم يكن من قريش أنفسهم بل كان حليفا لعثمان.
فلما عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على فتح مكة قال: (اللهم عمّ عليهم خبرنا).. وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه بوجهته، كان منهم حاطب. فعمد حاطب فكتب كتابا وبعثه مع امرأة مشركة إلى أهل مكة يعلمهم بعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على غزوهم، ليتخذ بذلك عندهم يدا. فأطلع الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم على ذلك.. فبعث في أثر المرأة، فأخذ الكتاب منها. وسأل رسول الله حاطبا: ما حملك على ما صنعت؟
قال حاطب: والله ما بي إلا أن أكون مؤمنا بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم أردت أن تكون لي عند القوم يد، يدفع الله بها عن أهلي ومالي.
هذه الحادثة تكشف عن منحنيات النفس البشرية العجيبة، وتعرض هذه النفس للحظات الضعف البشري مهما بلغ من كمالها وقوتها، وأن لا عاصم إلا الله من هذه اللحظات فهو الذي يعين عليها.
وحتى يتخلص الصف المؤمن من لحظات الضعف هذه، فقد اقتضى الأمر إعدادا طويلا في خطوات ومراحل.
كانت النفوس تصهر في بوتقة الحوادث يوما بعد يوم، ومرة بعد مرة، ويعاد صهرها في الأمر الواحد والخلق الواحد مرات كثيرة، وتحت مؤثرات متنوعة، لأن الله الذي خلق هذه النفوس يعلم أنها ليست كلها مما يتأثر ويستجيب ويتكيف ويستقر على ما تكيف به منذ اللمسة الأولى. وهو يعلم أن رواسب الماضي، وجواذب الميول الطبيعية، والضعف البشري، وملامسات الواقع، وتحكم الإلف والعادة، كلها قد تكون معوقات قوية تغلب عوامل التربية والتوجيه مرة بعد مرة. وتحتاج في مقاومتها إلى التذكير المتكرر، والصهر المتوالي..