(عدم الشعور بأركان الإيمان)
الفصل الأول
التصديق واليقين الحقيقي
ِ قاعدة هامة لعامة الأمة وهي:
إذا إجتمع التصديق أو اليقين مع الإعراض أو الإباء القلبي فهذا التصديق أو اليقين كاذب وليس تصديقا أو يقينا حقيقيا، فإن التصديق أو اليقين إيمانا، والإعراض أو الإباء شرك وقد يجتمع الإيمان مع الشرك كما في قوله تعالى: ((وَمَا يُؤْمöنُ أَكْثَرُهُمْ بöاللَّهö إöلَّا وَهُمْ مُشْرöكُونَ))()، وفي هذه الحالة لا يكون إيمانا حقيقيا، ولا تصديقا أو يقينا حقيقيا، كما أوضح
شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب إمكانية إجتماع الإباء مع التصديق فقال: [[ الكفر الأكبر، وهو خمسة أنواع، النوع الأول: كفر التكذيب، والدليل قوله تعالى: ((وَمَنْ أَظْلَمُ مöمَّنö افْتَرَى عَلَى اللَّهö كَذöباً أَوْ كَذَّبَ بöالْحَقّö لَمَّا جَاءَهُ أَلَيْسَ فöي جَهَنَّمَ مَثْوىً لöلْكَافöرöينَ))()، كفر الإباء والإستكبار مع التصديق: والدليل قوله تعالى ((وَإöذْ قُلْنَا لöلْمَلائöكَةö اسْجُدُوا لöآدَمَ فَسَجَدُوا إöلَّا إöبْلöيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مöنَ الْكَافöرöينَ))()، النوع الثالث: كفر الشكّ: وهو كفر الظنّ، والدليل قوله تعالى: ((وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائöمَةً وَلَئöنْ رُدöدْتُ إöلَى رَبّöي لَأَجöدَنَّ خَيْراً مöنْهَا مُنْقَلَباً))()، النوع الرابع: كفر الإعراض: والدليل قوله تعالى: ((مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتö وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إöلَّا بöالْحَقّö وَأَجَلٍ مُسَمّىً وَالَّذöينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذöرُوا مُعْرöضُونَ))()، النوع الخامس: النفاق: والدليل قوله تعالى ((ذَلöكَ بöأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبöعَ عَلَى قُلُوبöهöمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ))().
ِ وقد قسم ابن القيم الكفر الأكبر إلى خمسة أنواع كالتالي(): كفر تكذيب، وكفر الإباء والإستكبار، وكفر الإعراض، وكفر الشك، وكفر النفاق.
ِ الإنسان عبارة عن باطن وظاهر، الباطن يشمل العقل (محل التصديق أو الإقتناع) ومشاعر القلب، والظاهر يشمل قول اللسان وعمل الجوارح، وبالتالي فالإيمان أو الكفر يحدثان للإنسان في أي واحدة من هذه الأمور الأربعة، فيحدث إما في عمل الجوارح أو قول اللسان أو في الإقتناع أو التصديق (العقل) أو الشعور والمشاعر (القلب) أو في بعضهم أو كلهم، ونحن نتحدث عن النفاق الأكبر الذي يحدث في الباطن مع سلامة الجوارح واللسان من أي شرك ومع وجود الإقتناع واليقين، وهذا ما نسميه كفر الإعراض والإباء القلبي مع التصديق.
ِ ومن هنا نبين قاعدة هامة لعامة الأمة وهي: التصديق أو الإقتناع أو اليقين الحقيقي = إقتناع + شعور، وبتعبير آخر: لا يصح إيمان القلب بغير وجود أعمال القلوب، وبالتالي فإن مجرد الإقتناع أو التصديق أو اليقين بأركان الإيمان لا يكفي ليكون ذلك إيمانا، فلابد من الشعور بأركان الإيمان، وهذا ما سوف نشرحه من خلال جميع أبواب هذا الكتاب.
ِ أوضح ابن تيمية أنه يمكن أن يكون هناك إقتناع تام (قول القلب) مع عدم وجود عمل القلب حيث قال: ((التصديق الجازم قد لا يتبعه عمل القلب بتمامه لعارض من الأهواء كالكبر والحسد ونحو ذلك من أهواء النفس))([8])، ويقول تعالى: ((إöنْ فöي صُدُورöهöمْ إöلَّا كöبْرñ))([9])، فهذا الشخص جمع بين التصديق مع عدم وجود الشعور والمشاعر (أعمال القلوب).
ِ الإنسان قد يكون عنده كراهية لأي أمر معلوم من الدين بالضرورة، أو قد لا يكون عنده حب لله تعالى (عمل القلب أو المشاعر)، وفي نفس الوقت فعنده إقتناع تام (قول القلب) بكل أركان الإيمان وثوابت الدين فهذا الإنسان قد جمع بين التصديق مع عدم وجود أعمال القلوب مثل حب الله تعالى : ((وَمَا يُؤْمöنُ أَكْثَرُهُمْ بöاللَّهö إöلَّا وَهُمْ مُشْرöكُونَ))()، وكذلك من عنده إعراض أو إباء قلبي (عدم وجود أعمال القلوب) رغم وجود التصديق أو الإقتناع (قول القلب) فإنه يقع في النفاق الأكبر والعياذ بالله.
ِ والإعراض القلبي معناه أنه لا يحب ولا يكره ولا يشعر بأي شئ تجاه أركان الإيمان وثوابت الدين (عدم الشعور بأركان الإيمان) كأنها غير موجودة، أما الإباء القلبي فيعني عدم الإكتراث أو الإهتمام وعدم المبالاه مستهينا مستقلا بأمر الآخرة مستكبرا عليها وكذلك أركان الإيمان وثوابت الدين وأوامر الله، وبالتالي عدم تعظيم قدر الله في القلب والتهاون والإستهتار بأوامر الله من حيث عدم الشعور بهيبتها.
ِ نستطيع أن نوجز القضية الأساسية في هذا الكتاب في عبارة (الإقتناع وحده لا يكفي) فمثلا الإقتناع واليقين والتصديق بالآخرة لا يكفي ليكون ذلك إيمانا بالآخرة فلابد من الشعور بالآخرة، وكذلك فإن الإقتناع واليقين والتصديق بأن لك ربا وإلاها وخالقا لا يكفي ليكون ذلك إيمانا بذلك فلابد من الشعور بما يعنيه أن لك ربا وإلاها وخالقا، كما أن الإقتناع بالموت لا يكفي ليكون ذلك إيمانا بأنك ستموت فلابد من الشعور بالموت، ومن هنا نستطيع أن نفهم ما هو مفهوم إصلاح العقيدة وإصلاح النفس: ((إöنَّ اللَّهَ لا يُغَيّöرُ مَا بöقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّöرُوا مَا بöأَنْفُسöهöمْ))().
ِ إذن عدم تحقق الإيمان بالآخرة (مثلا) يحدث من أي واحدة من أربعة أمور وجميعها تحدث في الشعور والمشاعر (وليس لها أي علاقة بالتصديق أو الإقتناع أو اليقين أو اللسان أو عمل الجوارح) وليس لها أي تأثير على إسلام الفرد الظاهر وهي:
1ِ الإعراض القلبي عن الآخرة.
2ِ الإباء القلبي عن الآخرة.
3ِ كراهية الآخرة.
4ِ عدم الشعور بالآخرة.
5ِ الإقتناع الكاذب بالآخرة.
ِ وجميعها متقاربة حيث تحدث من عدم الشعور بالآخرة.
() العقيدة الأصفهانية ( ج : 1 ، ص : 180)