تمر في 21 من آب/أغسطس الماضي ذكرى حرق المسجد الأقصى الذي مر على حرقه أكثر من ثلاثين عاماً، وهي مدة زمنية كفيلة بأن تمتد أيدي المسلمين – بعد أن يستعدوا – لتخليصه من القبضة اليهودية، التي تظهر الشر وتضمر الغدر، ولكن شيئاً من لك لم يحدث، وإنما حدث ما جعل اليهود أكثر تمكناً وأعظم تشبثاً ليس بالأقصى وحده، وإنما بالمدينة المقدسة كلها، التي زاد عدد اليهود فيها وقل عدد العرب والمسلمين، وأحاطت بها المستعمرات من كل جانب، يعلن اليهود كل حين عن تمسكهم بها عاصمة موحدة أبدية لإسرائيل، وان أي تفاوض حولها مرفوض سلفاً، وكما فرح بعض العرب لنجاح باراك في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة ظناً منهم انه سيكون خيراً من سلفه، فرحوا أيضا عندما أعلن باراك أنه يقبل تأجيل انتقال السفارة الأمريكية إلى القدس، ظانين انه بذلك يسعى خطوة نحو الإمام في سبيل السلام، ولا ينبغي لنا – نحن العرب والمسلمين – أن نسترسل في الأحلام، وان نملأ حياتنا بالخيال الذي يرضينا ويجعلنا فرساناً نركب الخيول الورقية، وننطلق بها لنحرر فلسطين العربية.
إن الحقائق ترفض كل خيال، لأنها أقوى وأبقى، والحقائق الواقعية تشهد بأن اليهود في كل مراحل احتكامهم بالعرب والمسلمين ما تركوا شيئاً مما تحت أيديهم باختيارهم، وإنما تركوا بعض هذه الأشياء تحت الضغوط الحربية والقوة العسكرية والمعنوية، وهذه القوة بنوعيها لا تتكون بين عشية وضحاها، إنما تتكون نتيجة غرس للعقيدة الإسلامية في نفوس الأجيال الجديدة، بحيث تدفعهم إلى تغيير مظاهر حياتهم بعد أن يغيروا ما بأنفسهم، فيغلب على حياتهم الجد والاجتهاد، ويتمكن في نفوسهم الصبر والثبات، ويتحرك في عقولهم العلم والابتكار، وباختصار يتم ذلك للمؤمنين، إن هم أقاموا حياتهم على الاجتهاد والجهاد، وكلاهما مرتبط بالآخر، لا ينفصل عنه، وكلاهما نتاج الإيمان العميق والعلم الصحيح الذي يمتد في كل بقعة من بقاع العالم الإسلامي يجدد بناءها ويحي نفوس أبنائها، ويعلمهم المحافظة على القيم والمقدسات، التي في سبيلها وحمايتها يضحي الناس بالحياة.
ولعلك تقول: ومتى يتم ذلك؟ وليس المهم –الآن- متى يتم، وإنما المهم : متى نبدأ في تحقيق ذلك؟ لقد مرت أكثر من خمسين سنة على اغتصاب فلسطين، ومر أكثر من ثلاثين عاماً على حريق الأقصى، ولو بدأنا الآن في تكريس الأمور لتحقيق بناء القوة المعنوية والعسكرية في أبناء المسلمين من اجل استخلاص المقدسات والأراضي المغتصبة –لتحقق لنا ما نريد ولو بعد خمسين عاماً، أما بغير ذلك فإن كل الجهود ضائعة وأحاديث السلام مضغة تلوكها الأفواه ثم تلفظها: لأنها لا تعيد أرضا ولا تحمي المقدسات، بل أنها مضيعة للوقت، ونشر للوهم في عقول الشباب حتى يظلوا بعيدين عن جادة الأمر التي لا تتحقق مع هؤلاء اليهود إلا تحت قعقعة السلاح، فهل نبدأ كأفراد أو جماعات أو دول في السير في هذا الطريق؟