معنى الإخلاص
يسمى الفعل المصفى المخلص إخلاصا، قال تعالى: (وان لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين).
فقوله سبحانه وتعالى " من بين فرث ودم لبنا خالصا. أي من بين الروث والدم ذلك الحليب الخالص واللبن النافع" فإنما خلوص اللبن ألا يكون فيه شوب من الدم والفرث ومن كل ما يمكن أن يمتزج به.
وكذلك فان الإخلاص في الدين يضاده الشرك، لان الشرك يشوب الإيمان ويخالطه، فمن ليس مخلصا فهو مشرك. إلا أن الشرك درجات منه ما يخرج من الملة وهو الجليّ، ومنه ما لا يخرج وهو الخفي الذي امرنا الرسول صلى الله عليه وسلم أن نستعيذ منه : "اللهم أنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه".
الإخلاص والنية
بين النية والإخلاص خيط رفيع، فالنية هي القصد وعزم القلب على عمل الفرض أو غيره أي فعل العبادة –تقربا إلى الله وحده وان شئت قلت: النية هي الإرادة الجازمة بحيث تؤدي العبادة لله وحده، فلو نطق الإنسان بلسانه دون أن يقصد بقلبه فلا يكون مؤديا لها، فمن عبد لغرض دنيوي كأن يُمدح عند الناس فإذا لم يمدح لم يؤدها. فإنه لا يكون عابدا بل أن عبادته لا تصح أو عبد من اجل مال أو جاه أو شهوة من الشهوات فان عبادته تكون باطلة ويعاقب عليها عقاب المرائين المجرمين".
ومن هنا فان النية لابد لها من إخلاص في العبادة مطلقا فالمسلم لابد وان يخلص في إرادة العبادة، وهذا شيء آخر غير الخواطر النفسية كأن يصلي وقلبه مشغول بأمر من أمور الدنيا فإنها لا تفسد الصلاة وان كان يجب على المصلي الخاشع لربه أن يحارب هذه الوساوس بكل ما يستطيع ويخضع لله فيها، فان عجز عن ذلك ولم يستطيع أن ينزع من نفسه أمور الدنيا وهو واقف بين يدي الله فإنه لا يؤاخذ، ولكن عليه أن يستمر في محاربة هذه الوساوس الفاسدة ليظفر بأجر العاملين المخلصين.
يقول الفضيل بين عياض:
"ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك والإخلاص أن يعافيك الله منهما"
فالنية هي الباعث والدافع للعمل "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امريء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه".
فإذا كانت النية ترجع إلى إجابة البواعث، وبما أن الإخلاص وضده يتواردان على القلب بالقصد والني فانه متى كان الباعث واحدا فان الفعل الصادر عنه يسمى إخلاصا.
فمن فعل خيرا بقصد الرياء فهو مخلص، ومن كان غرضه الوحيد التقرب إلى الله تعالى فهو مخلص، ولكن العرف الشرعي خصص اسم الإخلاص بتجرد قصد التقرب إلى الله تعالى، عن جميع الشوائب، ومثل ذلك الإلحاد فهو عبارة عن الميل إلى الحق أو عنه ولكن خصصته العادة بالميل عن الحق.
يقول الإمام القشيري رحمه الله:
الإخلاص إفراد الحق سبحانه وتعالى في الطاعة بالقصد، وهو أن يريد بطاعته التقرب إلى الله تعالى دون شيء آخر: من تصنع لمخلوق، أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح الخلق أو معنى من المعاني سوى التقرب إلى الله تعالى.
فالإخلاص في الدين –كما رأيت- هو فعل الطاعة وترك المعصية ابتغاء وجه الله تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء..)
(إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين، ألا لله الدين الخالص).
فالله سبحانه أمر عباده بعبادته عبادة خالصة من شوائب الشرك بأنواعه فمن فعل الطاعة وترك المعصية ابتغاء وجه الله غير مريد شرفا في الدنيا، أو منصبا من المناصب أو جزاء معجلا أو غير ذلك مما يطمع الناس فيه فهو مخلص.
المُخْلöص والمخْلَص
المخْلَص بفتح اللام أي الذي أخلصه الله لطاعته، واصطفاه واختاره لوحيه ورسالته فلا يستطيع أن يغويه الشيطان ولا يضله، وبالتالي فلا تزل قدمه في معصية ولا يفعل إلا الطاعة. يقول المولى عن يوسف عليه السلام: (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه، كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء انه من عبادنا المخلَصين) أي ثبتناه على العفة أمام دوافع الفتنة والإغراء لنصرف عنه المنكر والفجور، وهذه آية بينة، وحجة قاطعة على انه عليه السلام لم يقع منه هم بالمعصية. ولو كان كما زعموا لقال: "لنصرفه عن السوء والفحشاء فلما قال (لنصرف عنه) دل ذلك على أن ذلك شيء خارج عن الإرادة فصرفه الله عنه، بما منحه من موجبات العفة والعصمة، انه من عبادنا المخلَصين الذين أخلصهم الله لطاعته واصطفاهم واختارهم لوحيه ورسالته.
ويقول سبحانه (واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلَصا وكان رسولا نبيا) انه كان مخلصا بفتح اللام (اسم مفعول)، وقرأ بعضهم بكسر اللام (اسم فاعل) من الإخلاص في العبادة، قال الثوري عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي ثمامة قال الحواريون: يا روح الله اخبرنا عن المخلص لله، قال: الذي يعمل لله لا يحب أن يحمده الناس، وقرأ الآخرون بفتحها بمعنى انه كان مصطفى كما قال تعالى: (إني اصطفيتك على الناس).
ويقول سبحانه عن الكافرين (إنكم لذائقوا العذاب الأليم، وما تجزون إلا ما كنتم تعملون إلا عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم، فواكه وهم مكرمون، في جنات نعيم) أي إنكم أيها المجرمون لمعذبون اشد العذاب الأليم (وما تجزون إلا ما كنتم تعملون) فأنتم معاقبون جزاء عملكم، ثم استثنى من هذا العذاب "المخلَصون" الموحدون فإنهم لا يذوقون العذاب، ولا يناقشون الحساب، بل يتجاوز الله عن سيئاتهم.. الخ.
ذلك لان الله هو الذي أخلصهم لعبادته كما يقول سبحانه (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار، وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار) الذين جمعوا بين القوة في العبادة والبصائر في الدين لقد خصصناهم بخصلة خالصة عظيمة الشأن هي عدم التفاتهم إلى الدنيا وتذكرهم للدار الآخرة ليس لهم هم غيرها، لذلك فهم عندنا المختارون والمجتبون على سائر الناس لأنهم أخيار أبرار.
لذلك حين قال اللعين إبليس (فبعزتك لأغوينهم أجمعين) استثنى وقال (إلا عبادك منهم المخلَصين) أي اقسم بعزتك لأضلن بني آدم أجمعين إلا الذين أخلصتهم لعبادتك وعصمتهم مني.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر (المخلööصين) بكسر اللام، والقراءتان متفقتان متلازمتان فهم مخلصون لله في إيمانهم به وحبهم وعبادتهم له، ومخلَصون عنده بالولاية والنبوة والعناية والوقاية من كل ما يبعدهم عنه ويسخطه عليهم.
هذا هو المخلَص بفتح اللام المعصوم من الخطأ والذي اصطفاه واجتباه ربه لوحيه ورسالته، أما المخلöص بكسر اللام فهو العبد الذي يتلقى من هؤلاء المخلصين وهو معرض للصواب والخطأ بالرغم من إخلاصه فالأول مخلَص بالعناية والوقاية والثاني مخلöص بمجاهدته لنفسه وهواه وشيطانه، فيوفقه الله لما يحب ويرضى.
الإخلاص والصدق
قد يذكر الصدق ويراد به الإخلاص، وذلك إذا كان متعلقا بالنية والإرادة وهو ألا يكون للمرء باعث في حركاته وسكناته إلا الله تعالى. فان مازجه شوب من حظوظ النفس بطل صدق النية وسمي صاحبه كذابا، قال عليه الصلاة والسلام: "أول من يسأل يوم القيامة ثلاثة: رجل أتاه الله العلم، فيقول الله تعالى ما صنعت فيما علمت؟ فيقول: يارب كنت أقوم به أناء الليل وأطراف النهار، فيقول الله تعالى كذبت، وتقول الملائكة: كذبت بل أردت أن يقال: فلان عالم. ألا فقد قيل ذلك. ورجل أتاه الله مالا، فيقول الله تعالى: لقد أنعمت عليك فماذا صنعت؟ فيقول: يا رب كنت أتصدق به أناء الليل وأطراف النهار، فيقول الله تعالى: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، بل أردت أن يقال فلان جواد، ألا فقد قيل ذلك. ورجل قتل في سبيل الله تعالى، فيقول الله تعالى: ماذا صنعت؟ فيقول: يا رب أمرت بالجهاد، فقاتلت حتى قُتلت، فيقول الله: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت، بل أردت أن يقال: فلان شجاع ألا فقد قيل ذلك" قال ابو هريرة: "ثم خط رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي وقال: يا أبا هريرة أولئك أول خلق تسعر نار جهنم بهم يوم القيامة".
فليس الغرض من التكذيب في هذا الحديث نفي العمل، بل نفي الإخلاص في العمل، ولذلك قال بعضهم: "الصدق صحة التوحيد في القصد".
وكذلك قول الله تعالى: (والله يشهد إن المنافقون لكاذبون)، وقد قالوا: "انك لرسول الله" وهذا صدق، ولكن كذبهم لا من حيث نطق اللسان. بل من حيث ضمير القلب. فهم من قرارة نفوسهم مكذبون، وفي أخبارهم عن ذلك كاذبون.
فيرجع احد معاني الصدق إلى خلوص النية. وهو الإخلاص فكل صادق لابد من أن يكون مخلصا قال الله تعالى: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون).
فهذه الآية الكريمة حاوية جميع الحالات البشرية برمتها، تصريحا أو تلويحا كما أنها مع كثرة فنونها، وتشعب شجونها –منحصرة في خلال ثلاث: صحة الاعتقاد، وحسن المعاشرة مع العباد، وتهذيب النفس، وقد أشير إلى الأولى بالإيمان بما فصل، والى الثانية بإيتاء المال، والى الثالثة بإقامة الصلاة الخ.
ولذلك نُعت المتسمون بها بالصدق لإيمانهم واعتقادهم، وبالتقوى لحسن معاشرتهم مع الخلق ومعاملتهم مع الحق، واليه يشير قوله صلى الله عليه وسلم "من عمل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان".
الإخلاص والنصيحة
قال صاحب المصباح المنير النصيحة هي: "الإخلاص والصدق والمشورة والعمل" فهي كلمة جامعة لكل ذلك. قال ابن الأثير في النهاية: "النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة وهي إرادة الخير للمنصوح له" وليس يمكن أن يعبر عن ذلك المعنى بكلمة واحدة تجمع معناها غيرها. واصل النصح في اللغة الخلوص. وفي حديث ابّي: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن التوبة النصوح. قال: "هي الخالصة التي لا يُعَاود بعدها الذنب" قال تعالى حكاية عن أخوة يوسف: (قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف وإنا له لناصحون).
قيل النصيحة مأخوذة من نصحت العسل: إذا صفيته من الشمع، شبهوا تخليص القول من الغش بتخليص العسل من الخلط.
روى تميم الداري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الدين النصيحة، قلنا لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم".
فهذا حديث عظيم الشأن أوجز فيه النبي صلى الله عليه وسلم انواع الإخلاص التي عليها مدار السعادتين: الدنيوية والأخروية. فأنواع الإخلاص:
الإخلاص لله تعالى:
ومعناه منصرف إلى الإيمان ونفي الشرك عنه وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بصفات الكمال والجلال كلها، وتنزيهه سبحانه وتعالى من جميع النقائص. والقيام بطاعته، واجتناب معاصيه، والحب فيه والبغض فيه، وموالاة من أطاعه، وجهاد من كفر به، والاعتراف بنعمته. وشكره عليها. وتخليص جميع الأمور من الشوائب كلها: قليلها وكثيرها، حتى يتجرد فيها قصد التقرب إلى الله تعالى. فلا يكون فيها باعث سواه، ثم الدعاء إلى جميع الأوصاف المذكورة والحث عليها، والتلطف في جمع الناس، أو من أمكن منهم عليها، قال محمد بن سعيد المرزوي: "الأمر كله يرجع إلى اصلين : فعل منه بك. وفعل منه له، فترضى ما فعل، وتخلص فيما تعمل. فإذا أنت قد سعدت بهذين، وفزت بالدارين"
قال صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الإخلاص فقال: أن تقول ربي الله، ثم تستقيم كما أمرت أي لا تعبد هواك ونفسك ولا تعبد إلا ربك، وتستقيم في عبادته كما أمرت، أي قطع ما سوى الله عن مجرى النظر، وهذا هو الإخلاص حقا، (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين). (ألا لله الدين الخالص).
الإخلاص لكتاب الله تعالى:
أما الإخلاص لكتاب الله سبحانه وتعالى، فالإيمان بأنه كلام الله تعالى وتنزيله لا يشبهه شيء من كلام الخلق، ولا يقدر على مثله احد من الخلق، ثم تعظيمه وتلاوته حق تلاوته، وتحسينها والخشوع عندها، وإقامة حروفه في التلاوة، والذب عنه من تأويل المحرفين وتعرض الطاعنين، والتصديق بما فيه، والوقوف مع أحكامه، وتفهم علومه وأمثاله، والاعتبار بمواعظه والتفكر في عجائبه والعمل بمحكمه والتسليم لمتشابهه، والبحث عن عمومه وخصوصه، وناسخه ومنسوخة، ونشر علومه، والدعاء إليه والى ما ذكرنا من نصيحته، والعمل على وضعه موضع التنفيذ حتى يكون منهج حياة، فقد نزل على خمسة أوجه حلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وأمثال: فأحلوا حلاله وحرموا حرامه، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه واعتبروا بأمثاله. وبذلك يتحقق الإخلاص لكتاب الله.
الإخلاص لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
الإخلاص له صلى الله عليه وسلم تصديقه على الرسالة، والإيمان بجميع ما جاء به، وطاعته في أمره ونهيه، ونصرته حيا وميتا، ومعاداة من عاداه، وموالاة من والاه، وإعظام حقه وتوقيره، وإحياء طريقته وسنته، وبث دعوته ونشر شريعته، ونفي التهمة عنها، واستثارة علومها، والتفقه في معانيها والدعاء إليها، والتلطف في تعلمها وتعليمها. وإعظامها وإجلالها عند قراءتها والإمساك عن الكلام فيها بغير علم. وإجلال أهلها لانتسابها إليها، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه. ومحبته أكثر من النفس والأهل والمال، والولد والناس أجمعين.
(قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين) ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من أهله وماله والناس أجمعين". ثم محبة أهل بيته وأصحابه، ومجانبة من ابتدع في سنته أو تعرض لأحد من أصحابه. ونحو ذلك مما يطول استيفاؤه، ويتعذر استقصاؤه.
الإخلاص لائمة المسلمين :
الإخلاص لهم معاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وأمرهم به، وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم يبلغهم من حقوق المسلمين، وترك الخروج عليهم، وتألف قلوب الناس بطاعتهم.
قال الخطابي رحمه الله "وحق النصيحة لهم الصلاة خلفهم، والجهاد معهم، وأداء الصدقات لهم، وترك الخروج بالسيف عليهم إذا ظهر منهم حيف أو سوء عشرة وألا يغروا بالثناء الكاذب عليهم. وأن يدعى لهم بالصلاح". وهذا كله على أن المراد بأئمة المسلمين الخلفاء وغيرهم ممن يقوم بأمور المسلمين من أصحاب الولايات وهذا هو المشهور. قال الخطابي: "وقد يتأول ذلك على الأئمة الذين هم علماء الدين، وان نصيحتهم قبول ما رووه، وتقليدهم في الأحكام وإحسان الظن بهم".
الإخلاص لعامة المسلمين:
عامة المسلمين هم من عدا ولاة الأمر، والإخلاص لهم إرشادهم لمصالحهم في آخرتهم ودنياهم. وكف الأذى عنهم، فيعلمهم ما يجهلونه من دينهم، ويعينهم عليه بالقول والفعل، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم. ودفع المضار عنهم، وجلب المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص، والشفقة عليهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وتخولهم بالموعظة الحسنة، وترك غشهم وحسدهم، وان يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير، ويكره لهم ما يكره لنفسه من المكروه، والذب عن أموالهم، وأعراضهم، وغير ذلك من أحوالهم بالقول والفعل، وحثهم على التخلق بجميع ما ذكرناه من أنواع الإخلاص، وتنشيط هممهم إلى الطاعات.
وقد كان في السلف رضي الله عنهم من تبلغ به النصيحة إلى الإضرار بدنياه، قال جرير بن عبد الله: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على النصح لكل مسلم، ولجرير في هذا منقبة ومكرمة رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني: اختصارها، أن جرير أمر مولاه أن يشتري له فرسا، فاشترى له فرسا بثلاثمائة درهم، وجاء به وبصاحبه لينقده الثمن، فقال جرير لصاحب الفرس: فرسك خير من ثلاثمائة درهم! أتبيعه بأربعمائة درهم؟ قال: ذلك إليك يا أبا عبد الله، فقال: فرسك خير من ذلك!! أتبيعه بخمسمائة درهم، ثم لم يزل يزيد مائة فمائة، وصاحبه يرضى وجرير يقول: فرسك خير، إلى أن بلغ ثمانمائة درهم، فاشتراه فقيل له في ذلك، فقال: إني بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، على النصح لكل مسلم،. والله اعلم.
الإخلاص روح الدين
إن روح الدين هو الإخلاص، فبدونه ينعدم أثره لأنه أساس عمل الداعي إلى الله، فلا يرتفع عمل أبدا ما لم تصحبه نية صالحة، وما لم يقترن بإرادة وجه الله وحده.
يقول الإمام الشهيد حسن البنا:
الإخلاص هو أن يقصد الأخ المسلم بقوله وعمله وجهاده كله وجه الله ابتغاء مرضاته وحسن مثوبته من غير نظر إلى مغنم أو مظهر أو جاه أو لقب أو تقدم أو تأخر وبذلك يكون جندي عقيدة وفكر لا جندي غرض ومنفعة.
فالإخلاص –إذا- يتطلب قوة إيمانية يدفع صاحبه بعد جذب وشد أن يتجرد من المصالح الشخصية ويترفع عن الغايات الذاتية لا يبتغي من وراءه جزاء ولا شكورا.
فعن أبي أمامه الباهلي رضي الله عنه: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أرأيت رجلا غزا يلتمس الأجر والذكر. فقال رسول الله: لا شيء له. قال: إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصا ابتغى به وجهه".
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قال الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، فمن عمل لي عملا أشرك فيه معي غيري، فأنا منه بريء وهو للذي أشرك".
والإخلاص بهذا المعنى ثمرة من ثمار التوحيد الكامل الذي هو إفراد الله بالعبادة. ولهذا عد الرياء –وهو ضد الإخلاص- من الشرك، قال شداد بن اوس: كنا نعد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرياء الشرك الأصغر".
وعلى هذا فإخلاص الأمة الإسلامية يعني أنها تبرأت من شرك الألوهية والربوبية فتبرأت مما يدعيه اليهود من التشبيه والنصارى من التثليث، بل ومن الوثن والصنم والحجر والبشر (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين، ما لم يأذن به الله..) فلابد أن تخلص الدين كله لله عقيدة وشعيرة وشريعة (ألا لله الدين الخالص).
فالإخلاص –إذا- فريضة على كل عابد وهو في محرابه الخاص يتعامل مع ربه فحسب، فإذا اتصل بالدعاء فهو فريضة آكدة وعقد أوثق لأن الداعي في حاجة إلى استدامة ذكر الله ومطالعة وجهه كي يحقق الإخلاص حتى لا يضل الغاية، ولا يحيد عن النهج في زحمة الحياة فتزل قدمه بعد ثبوتها.
الإخلاص والأخلاق
إن التوحيد هو دعوة إلى القيم الإنسانية، تلك القيم التي تستخلص من صفات الله جل شأنه وهي: قيم العلم، والحياة، والخلق والإبداع، والغنى في الذات وبالنفس ، والقدرة والطاقة على العمل والفعل ، والرحمة في موضعها، والشدة حين يدعو الأمر إليها، والعون على المساعدة، والترفع عن الدنايا، والملك والسيادة على النفس وقöبل الغير، إلى غير ذلك من الصفات الكريمة التي يتصف بها المخلصون لدينهم.
فعبادة الله ليست منعزلة عن اثر هذه الصفات ومحاولة التقرب إليها بتحقيقها في ذات الإنسان العابد، واثر العبادة على الإنسان المؤمن بالله هو إذن أن تصبح ذاته ذات علم دقيق وذات حياة يحركها قلب حي سليم، فيها فتحس إحساسا كاملا بالواجب دون حاجة إلى دفع من غيرها، وذات اثر فيما تعمل وهو اثر الإبداع، وذات غنى ذاتي بالقناعة، وذات استعداد لمساعدة الغير وعونه، وذات سمو في الإعراض عن الدنايا والنقائص والفواحش والمنكرات، وذات سيادة على الميول التي تسوق الإنسان من عادة إلى مستوى ما دون الإنسان وذات ملك اقتناء يبعد عنها شبح العجز والضعف.
والتوحيد الخالص الذي يتحلى به المخلصون لدينهم هو أيضا بالنفس يتحقق به كمال الحب لله، وكمال الذل فينشأ في نفس المسلم خلق التوكل والثبات على الحق، والثقة في نصر الله إلى غير ذلك من الأخلاق الكريمة.
ذلك لان كل حركة قلبية لابد أن يظهر لها اثر على الجوارح لان الإيمان الخالص يتحول إلى قوة بانية، وطاقة محركة مشرقة معطاءة، لا تتراخى بصاحبها، ولا تتقاعس بهمة الكبار، بل تنطلق بحّاثة نحو الفضائل والمكرمات ثائرة على الفساد لتقتلعه، وعلى الظلم فترده، وعلى المعروف فتأمر به، وعلى المنكر فتنهى عنه، فيصبح الإيمان سلاح عزة وقوة.
ونحن لا نستطيع استقصاء الأثر الأخلاقي للإخلاص سواء كان في الاعتقاد أو العبادة أو السلوك والمعاملات، وسنكتفي بالحديث عن خلق الحياء –كمثال حي لهذا الأثر إذ انه من أهم الآثار الأخلاقية التي يتحلى بها من اخلص لله دينه، وتجرد لدعوته، فهو خلق يتسم به المخلصون المتجردون.
خلق الحياء والإخلاص:
الحياء اقرب إلى مقام الإحسان، وألصق به إذا انزل المسلم نفسه منزلة من يعبد الله كأنه يراه فتتفجر ينابيع الحياء من عين قلبه لأنه قدّر الله حق قدره.
ولذلك حين مر الرسول صلى الله عليه وسلم برجل –وهو يعظ أخاه الحياء، فقال: دعه فان الحياء من الإيمان، يقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اشد حياء من العذراء في خöدرها، فإذا رأى شيئا يكرهه عرفناه في وجهه، وفي الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأول "إذا لم تستح فافعل ما شئت".
وقلة الحياء من موت القلب والروح. فكلما كان القلب أحيا، كان الحياء أتم، قال الفضيل بن عياض: خمس من علامات الشقوة: 1-القسوة في القلب 2-جمود العين 3-وقلة الحياء 4-والرغبة في الدنيا 5-وطول الأمل.
أرأيت آدم عليه السلام حين فر هاربا من الجنة، قال الله تعالى: أفرارا مني يا ادم؟ قال: لا يارب بل حياء منك. فهذا حياء الجناية، أما حياء المقصرين كحياء الملائكة الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فإذا كان يوم القيامة. قالوا: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك.
والمخلص بحق هو الذي يتحلى بهذا الخلق فيعلم أن الرب سبحانه ناظر إليه فيورثه هذا العلم حياء منه يجذبه إلى احتمال أعباء الطاعة فيخلص فيها ويستحي من الله في تقصيره، بل يشعر بهذا التقصير ولو أداها، فيدفعه هذا الحياء إلى زيادة الإخلاص، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول "الحياء والإيمان قرناء جميعا. إذا رفع احدهما رفع الآخر".
فخلق الحياء –اذاً- حركة قلبية، وصفة نفسية تظهر آثارها في الأفعال والأقوال، وهو انقباض عن فعل القبيح، والاحتشام عن الظهور بمظهر قبيح، فالمخلص بحق هو الذي يستحي من الله أن يراه في موضع يغضبه.
فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: استحيوا من الله حق الحياء، قالوا: إنا نستحي من الله يا رسول الله والحمد لله، قال: ليس ذاك، من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى. ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، وآثر الآخرة على الأولى".
فالحياء حق الحياء أن يراقب الإنسان ربه في السر والعلانية والا يستتر عن الخلق بالمعاصي ثم يجاهر بها ربه بل عليه أن يحفظ كل جوارح، وان يمتلك زمام غرائزه، وان يجعل كل حواسه مقيدة بقيود الإيمان، وخاضعة لتوجيهه.
ويا له من خلق جامع للفضائل " حفظ الرأس وما وعى" فيه حاسة السمع، والبصر، والشم، والذوق، وملكة العقل، ووسيلة الكلام اللسان فأي رقابة هذه تكون على هذه الحواس التي جعلها الله أمانة عند عبده (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا). وأما "البطن وما حوى" فانه كناية عن ابتغاء الحلال في الطعام والشراب كسبا وإنفاقا ووسيلة.
ثم لا ينتهي الأمر عند ذلك، بل لابد لمن يراقب مولاه ويتصف بالحياء معه أن يتذكر المصير، فكل نعيم لا محالة زائل، ولا معنى إذن للتنافس في الدنيا على الشهوات أو الحرص على الملذات. ولابد أن يلائم الإنسان بين سلوكه في الدنيا ومعرفته بالمصير الذي ينتهي إليه كل حي، والا صار الإنسان غافلا عن العاقبة التي لا محيد عنها ويخشى عليه أن يدخل فيمن قال الحق فيهم (ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون).
فالمخلصون هم الذين أدركوا حقيقة الحياة الباقية، وان متاعها هو المتاع الباقي الجدير بالابتغاء فيتعالوا على متاع الدنيا ويتضح لهم قيم الأشياء فلا يستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير.
هذا خلق واحد وهو ثمرة من ثمار الإخلاص أثمر هذه الأخلاق الفاضلة، وإذا كان هذا الخلق يولّد في القلب إحساسا يدفع الجوارح لسلوك يرضي الرب سبحانه وتعالى، فان التوحيد الخالص يتولد عنه كثير من الأخلاق الحميدة كالإنابة، والتوكل، والخشية، والاستعانة والثقة إلى آخر الصفات الحميدة والأخلاق الكريمة التي يكتسبها العبد من توحيده لخالقه وإخلاصه في إيمانه ويترجم ذلك سلوكا منظورا فاذا به يتجاوب مع قول الرجل الصالح الذي يقول (وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد) لان من نضب فؤاده من التفويض إلى الله فقد الإخلاص، وهو أيضا لا يتبع هواه بل يتوكل على الله وهو يقول لقومه: (إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو اخذ بناصيتها) لان من خلا قلبه من هذا التوكل فقد دعامة الإخلاص وانطلق في الحياة محصورا داخل نفسه، كذلك ولابد أن يوقن بقول الله له (أن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو، وان يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير) لان من حسب أن أحدا يكشف ضره بعيدا عن الله أو أن ذا سلطان يسوق إليه الخير بعيدا عن الله فقد تجرد من الإخلاص لذلك فان علماء القلوب شحنوا كتبهم بهذه المعاني وبينوا خطورتها لأنهم مؤمنون بأن معاصي القلوب اخطر من معاصي الجوارح في تأثيرها على الإخلاص.
ولا يقف اثر التوحيد عند هذا الحد بل يتعداه إلى العبادات والمعاملات لان جملة التعاليم الإسلامية تستهدف الخلق العالي، والأدب الرفيع، وإشاعة الرحمة، والبر والإحسان وسائر الأخلاق الفاضلة وليس هذا غريبا فإمام المخلصين رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم يقول: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" ومن اجل هذا المعنى نجد الارتباط الوثيق بين عقيدة الإسلام الخالصة وتشريعاته وبين هذا المعنى فكلها وسائل لصقل النفس، وتهذيبها، وإقامتها على الصراط السوي حتى تخلص لخالقها.
فالصلاة إن أقامها المسلم بإخلاص تكسبه خلقا فاضلا فهي تبعده عن الرذائل وتطهره من سوء القول وسوء العمل، (إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر). " إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع بها لعظمتي ولم يستطل على خلقي، ولم يبت مصرا على معصيتي، وقطع النهار في ذكري، ورحم المسكين وابن السبيل والأرملة ورحم المصاب". ورسول الله صلى الله عليه وسلم، حين سئل عن امرأة تصوم النهار وتقوم الليل وتؤذي جيرانها قال هي من أهل النار، لأنها لو أخلصت في عبادتها لأثمرت خلقا فاضلا.
وكذلك الزكاة تطهير للنفس وتزكية، بل تغرس مشاعر الحنان والرأفة وتوطد علاقات التعارف والألفة بين شتى الطبقات، فاذا آذى بها منفقها عبدا من عباد الله فإن المولى ينبه بقوله: (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى..) ، (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى).
وكذلك سائر العبادات من صيام، وحج، ومعاملة، وجهاد وغير ذلك من الطاعات التي امرنا بها المولى عز وجل إذا أديت بإخلاص فإنها تكسب العبد الخلق الحسن حتى يصبح من (عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما).
صفوة التفاسير للشيخ الصابوني جِ2 ص 16
رواه احمد والطبراني بإسناد جيد ورواه أبو يعلى بنحوه
الفقه على المذاهب الأربعة جِ1 ص 209 عبد الرحمن الجزيري بتصرف
متفق على صحته الأذكار للنووي ص 6
الخلق الكامل محمد احمد جاد المولى جِ2 ص 342
الأذكار للإمام النووي ص 7
دعوة الإسلام الشيخ سيد سابق ص 178
سورة يوسف 24 صفوة التفاسير للصابوني ج2 ص 47
صفوة التفاسير ج3 ص 37 سورة الصافات الآية 38-43
سورة ص تفسير صفوة التفاسير للصابوني الآية 45-47، ج3 ص 61،66
الخلق الكامل محمد احمد جاد المولى ج1 ص 346
الخلق الكامل محمد احمد جاد المولى ج1 ص 347-352
مجمع الزوائد 10/225 كتاب الزهد
حديث صحيح من حديث ابن عمر –رضي الله عنهما-
تهذيب مدارج السالكين ص 386
من روائع البيان النبوي ص 27 للدكتور مصطفى عبد الواحد
رواه الترمذي واحمد في مسنده 1/387