الشبكة الدعوية

 

مرحبا بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 

الدعم

الاعلان

اتصل بنا

من نحن

 
 

السلام عليكم - مرحباً بكم في رحاب الشبكة الدعوية

 
   

الصفحة الرئيسية

أهداف الموقع

خدمات الموقع

أعلام الحركة

كتب للحركة

في ظلال القرآن

فقه السنة

مقالات مختارة

مشاركات القراء

رسالة المرشد

مواقع مختارة

محاضرات

أناشيد

 

كيف تدعم الموقع

إتصلو بنا

للأعلان في الموقع

 

  

    بحث

 

 

بحث مفصل

 

 

 
 

 
 

  الموسوعة الحركية 

 - عرض حسب اسم الكتاب -   - عرض حسب اسم المؤلف -   - عرض حسب التصنيف -
 

الكتاب: الإخلاص
المؤلف: جمعة أمين
التصنيف: أسرة
 

محتويات الكتاب

الباب الثالث - من دلائل إخلاص الأفراد للقيادة

الباب الثالث

من دلائل إخلاص الأفراد للقيادة

 

1-تحقيق عقد الاخوة لوضع منهج الجماعة موضع التنفيذ

وذلك يتطلب:

أ-حب المسلم لربه:

المفروض ان حب المسلم لربه أربى من أي عاطفة عند أي إنسان آخر، (ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا اشد حبا لله ..) [1].

ويظهر ذلك جليا عندما يصطدم في نفس المرء شعوران متناقضان، فقد تجيش في قلبه رغبة القعود في بيته مع ولده وأهله، وقد يهتف به نداء الواجب ان يدع ذلك كله، وينطلق الى ميدان الجهاد مضحيا بنفسه ورغباته.

ويصير الإيمان مرتبط بنتيجة هذا الصراع العاطفي، فإذا غلبت محبة الله، ورجحت كفة أمره فبها ونعمت، و إلا فالهزيمة فسوق عن أمر الله، (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين)[2].

ان جميع الوشائج والمطامع واللذائذ: ليضعها كلها في كفة ويضع العقيدة في الكفة الأخرى: الآباء والأبناء والإخوان والعشيرة (وشيجة الدم والنسب والقرابة والزواج) والأموال والتجارة (مطمع الفطرة ورغبتها) والمساكن المريحة (متاع الحياة ولذتها) وفي الكفة الأخرى: حب الله ورسوله وحب الجهاد في سبيله.

والواقع ان محبة الإنسان للكثير من الأشياء التي تصده عن الكثير من الواجبات خصوصا اذا غلبت الرغبة على فكره وغطت على بصيرته فانه يفقد اتزانه فيما يصدر من أحكام، وفيما يصدر عنه من أعمال.

فكم من رجل أرداه حب للمال، أو للثناء، أو للراحة بين أهله عشيرته، إذ يقصّر هذا الحب خطوة الى معالي الأمور، ويغريه بالقعود عن نصرة الحق بالنفس والمال.

ولذلك فيوم يؤثر المسلم الحياة الى جوار ولده وزوجه عن تلبية النداء وإجابة داعي الله فان الولد والزوجة يصبحوا أعداء له (يا أيها الذين آمنوا ان من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم)، ولذلك سمي ذلك ابن القيم عداوة المحبة – أي انه من حبه وعطفه عليهم، وحرصه على مطالبهم تقاعس عن نداء الله.

والواجب ان يتلطف الإنسان مع أهله وعشيرته حين يتعلقون به، ويبغون بقاءه معهم، تلطف من يرق لضعفهم، ولكن لا يمنعه اعذاره لهم من توديعهم الى حيث ينبغي ان ينطلق الى طاعة الله لانه يسمع ربه يحذره من الركون والقعود (إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده اجر عظيم) [3].


ومقتضى حب الله عز وجل ان يطيع الإنسان أمره، ويدع نهيه ويحرص على رضاه، وكلما ازدادت هذه العاطفة فعل الإنسان الكثير لله دون ان يحس تعبا، لان ما عمر فؤاده من شعور يهوّن عليه المشاق.

ودعوى الحب مع التفريط في الحقوق، ومع الاستهانة بإتباع الرسول دعوى منكرة، فان من أحب لله تأسى برسوله، واستظل بلوائه، واقتفى في الدقيق والجليل أثره، قال تعالى: (قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم)[4].

والقوم الذين أحبهم الله وأحبوه قوم تبوءوا قمة الكمال، وهم بذلك أهل لنصره والا استبدل بهم غيرهم (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم)[5].

وإذا كان المولى سبحانه وتعالى يحب من أحبه فان على المسلم المخلص لدينه ان يحب من أحب الله (فمن أعطى لله ومنع لله وأحب لله وابغض لله فقد استكمل الإيمان) فحب الله إذن دليل إخلاص لهذا الدين.

ب-الحب في الله[6]:

يتميز المجتمع الإسلامي بسيادة شعور المحبة والتآخي فيه، لانه مجتمع الحب والإخلاص، فالحب الذي عرفه هذا المجتمع بين أفراده لم يعرفه مجتمع بشري آخر انه الحب الأخوي الذي لا يتحقق الا بالصدق والإخلاص، الذي استمد صفاءه وشفافيته من مشكاة الوحي وهي النبوة، فكان نسيجا وحده في العلاقات البشرية، وكانت آثاره في سلوك الإنسان المسلم فريدة في تاريخ المعاملات.

ذلك ان الرابطة التي تربط المسلم بأخيه مهما كان جنسه ولونه ولغته، هي رابطة الإيمان بالله (انما المؤمنون أخوة) واخو الإيمان أوفق روابط النفوس، وامتن عرى القلوب، وأسمى صلات العقول والأرواح.

فلا عجب ان تثمر تلك الاخوة الفريدة نمطا من الحب عجيبا في سموه ونقائه وديمومته يسميه الإسلام الحب في الله، ويجد المسلم الصادق فيه حلاوة الإيمان "ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، ان يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وان يحب المرء لا يحبه الا لله، وان يكره ان يعود في الكفر بعد ان أنقذه الله منه، كما يكره ان يقذف في النار"[7].

ولقد جاءت الأحاديث الشريفة تترى، ترفع من مقام المحبين في الله وتصور منزلتهم العالية التي أعدها الله لهم في جنته والشرف الرفيع الذي يسيغه عليهم يوم يقوم الناس لرب العالمين "رجلان تحابا في الله"[8] فهما من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل الا ظله.

بل ويؤكد الرسول صلى الله عليه وسلم في حديث ان هذه المحبة بين المؤمنين شرط من شروط الإيمان الذي يدخل صاحبه الجنة فعن أبي هريرة رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، الا أدلكم على شيء ان فعلتموه تحاببتم .. افشوا السلام بينكم"[9].

لقد أدرك النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بثاقب نظرته التربوية التي استقاها من تأديب الله إياه انه لا يستل سخائم الحقد من الصدور ولا ينتزع أدران التنافس والحسد من النفوس الا أخوة صادقة عالية، تسود حياة المسلمين، وتقوم على المحبة والتواد والتناصح والألفة والبشر وينتفي منها الكيد والغل والحسد والتهجم والتباغض ولذلك دعا إلى إفشاء السلام بين الاخوة ليكون مفتاح القلوب للمحبة والتلاقي على الخير.

وها هو ذا رجل يزور أخا له –في الله- في قرية أخرى فارصد الله تعالى على مدرجته[10] ملكا أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربها[11] عليه، قال: لا غير اني أحببته في الله، قال: فاني رسول الله إليك بان الله قد احبك كما أحببته فيه"[12].

بالحب نبني مجتمعنا:

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدرك ما لهذا الحب النقي القوي من اثر في بناء المجتمعات والأمم، فكان لا يدع مناسبة تمر الا ويدعو المسلمين الى التحابب ويأمرهم ان يعلنوا عن هذا التحابب، لتنفتح مغاليق القلوب، وتشيع المودة والصفاء بين الصفوف فعن انس رضي الله عنه ان رجلا كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فمر رجل به فقال: يا رسول الله اني أحب هذا فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أأعلمته؟" قال: لا قال: "اعلمه" فقال: اني احبك في الله فقال: "احبك الله الذي أحببتني له"[13].

بهذه المحبة الناصعة بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم جيل الإسلام الأول الذي بلغ رسالة السماء الى الأرض، وكان القاعدة الصلبة التي حملت الإسلام الشامخ الى الناس، وبدون هذه المحبة الصافية التي تفرد بزرعها الإسلام في القلوب ما كان المسلمون الأول ليستطيعوا التماسك والصمود في تحمل تبعات الجهاد، وتقديم التضحيات الجسيمة في بناء دولة الإسلام ونشر أعلامه في الخافقين.

وبهذه المحبة الصادقة استطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم ان ينشيء مجتمع المؤمنين الامثل في تاريخ الإنسانية، والذي يقوم أول ما يقوم على وحدة المشاعر، تعمقها وحدة الشعائر، ثم تأتي بعد ذلك وحدة الشرائع والنظام، انه مجتمع تماسك أولا تماسكا صّوره حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد اذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"[14] و "المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا"[15].

ان أخوة الإسلام ليست كلمات تردد ولا شعارات ترفع وانما هي رابطة لها التزاماتها وتكاليفها وحقوقها يعرف هذا من آمن بالله واليوم الآخر، وها نحن ذا نرى صنيع الأنصار الذين ضربوا المثل الأعلى في الحب والإيثار لإخوانهم المهاجرون حين قدموا عليهم مهاجرين بدينهم لا يملكون شيئا فقدم لهم الأنصار كل شيء حتى كان احدهم يقول لأخيه: هذا مالي فخذ شطره، وهاتان زوجاتي فانظر أعجبها إليك فسمها لي أطلقها لتكون زوجة لك بعد انقضاء عدتها، وكان الأخ المهاجري يقابل عاطفة أخيه الأنصاري بأحسن منها فيقول له: بارك الله لك في اهلك ومالك، ما لشيء من هذا في نفسي حاجة ولكن دلني على السوق لأعمل.

وكان الأنصاري يستضيف أخاه من المهاجرين وليست في بيته من الزاد الا قوت صبيانه فيؤثره على نفسه وعياله قائلا لزوجته: نومي صبيانك وأطفئي السراج، وقدمي ما عندك للضيف وينزل فيهما قرآن يتلى حتى يومنا هذا.

وقد اكبر المهاجرون صنيع إخوانهم من الأنصار، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل ولا أحسن بدلا من كثير، لقد كفونا المئونة، وأشركونا في المهنأ[16] حتى لقد خشينا ان يذهبوا بالأجر كله، قال: "لا ما أثنيتم عليهم ودعوتم الله لهم"[17].

ورضوان الله على الشهيد الإمام حسن البنا الذي حث الإخوان على هذه المعاني وأرشدهم إلى أمضى سلاح فقال: "سنقاتل بالحب"، وذكرهم بقوة هذا الرباط وجعل لهم وردا سماه ورد الرابطة يقولونه عند كل غروب بعد المأثور من الدعاء وآيات القران ويتذكر كل أخ أخاه ويدعو له بظهر الغيب بمثل هذا الدعاء: اللهم انك تعلم ان هذه القلوب قد اجتمعت على محبتك والتقت على طاعتك، وتوحدت على دعوتك، وتعاهدت على نصرة شريعتك فوثق اللهم رابطتها، وأدم ودها، واهدها سبلها، واملأها بنورك الذي لا يخبو، واشرح صدورها بفيض الإيمان بك ، وجميل التوكل عليك، وأحيها بمعرفتك، وأمتها على الشهادة في سبيلك انك نعم المولى ونعم النصير".

ان الإسلام ألزم كل مسلم مخلص ان يحفظ أخاه المسلم فلا يضيعه ولا يظلمه ولا يتهاون في أمره ولا يخذله، ولا يحقره، كما ألزم كل مسلم مخلص ان يعين أخاه وان يرحمه وان يكون في حاجته، وان يستتر عليه، وان يحوطه من ورائه، "المسلم اخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله عز وجل في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عز وجل بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة" "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"[18].

فان كانت الركيزة الأولى التي تقوم عليها الجماعة المسلمة هي ركيزة الإيمان ليصاغ الفرد صياغة أساسها الصلة بالله والتعرف على الملأ الأعلى وإبراز خصائصه العليا فسمو بدنه وعقله ووجدانه، فان الركيزة الثانية المتممة للبناء هي ركيزة الاخوة، لان المجتمع يحتاج الى لبنات والمسلمون المخلصون الذي لهم صفات وسجايا تعلموها في مدرسة القران الكريم وسنة الرسول العظيم هم لبنات هذا المجتمع الصالح والذين عرفوا بها وعرفت بهم، وكانت حياتهم وعلاقاتهم مثالا يحتذى، فاختفت من مجالسهم ونواديهم ما غلب على كل ناد، مما يثير الخلاف أو يوجب الجدال، وانصرفت همتهم الى العمل بالله ولله.

جمع القلوب أولا:

ان أي نظام من النظم الوضيعة قد يستطيع ان يجمع الصفوف ولو تنافر ما في الصدور، ولكنه لا يستطيع ان يجمع القلوب، فجاء الإسلام ليجمع القلب الى القلب بالإخلاص، ثم الصف الى الصف بالنظام، ولن تجتمع القلوب الا بالإيمان الخالص، فالإيمان يجمع والكفر يفرق، (تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى)، فأين هؤلاء من الذين وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم: "لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم قلب واحد".

ولقد وضع الإسلام شروط لهذه الاخوة، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل".

ويقول عمر رضي الله عنه: عليك بإخوان الصدق تعش في اكنافهم، فانهم زينة في الرخاء، وعدة في البلاء، وضع أمر أخيك على أحسنه حتى يجيئك منه ما يقليك منه، واعتزل عدوك، واحذر صديقك الا الأمين، ولا أمين الا من يخشى الله، ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره، ولا تطلعه على سرك، واستشر في أمرك الذين يخشون الله.

ويقول عمر بن عبد العزيز من أراد ان يصحب فليصحبنا بخمس:

-يوصل إلينا حاجة من لا تصل إلينا حاجته

-ويدلنا من العدل مالا نهتدي إليه

-ويكون عونا لنا على الحق

-ويؤدي الأمانة إلينا والى الناس

-ولا يغتب عندنا أحدا

ومن لم يفعل فهو في حرج من صحبتنا والدخول علينا.

وياله من فقه عميق ذلك الذي دلنا عليه عبد الله بن عمر حين قال: والله لو صمت النهار لا افطره، وقمت الليل لا انامه، وأنفقت مالي غلقا غلقا في سبيل الله، أموت يوم أموت وليس في قلبي حب لأهل طاعته ولا بغض لأهل معصيته، ما نفعني ذلك شيئا.

ان من الإخلاص ان تحب من أخيك المؤمن إيمانه وعبادته وطاعته لربه فتدور مع أمر الله حبا وبغضا وفي نفس الوقت تحب له ما تحب لنفسك وتكره له ما تكرهه لنفسك، وحين تحقق ذلك في مجتمع المسلمين امتن الله على المؤمنين بهذه النعمة (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا) [19] ويا له من تعبير دقيق، (فألف بين قلوبكم) ولم يقل فألف بينكم، والتأليف بين القلوب لا يكون الا بالإخلاص (و ألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم) [20].

فأنت بهم ولست بغيرهم ، وهم ان لم يكونوا بك فبغيرك (وان تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) [21].

ويقول شهيدنا الإمام حسن البنا لتلاميذه وأتباعه ليعمق فيهم معنى الإخلاص: ائتوني باثني عشر ألف مؤمن وانا اقتحم بهم الجبال، وأخوض بهم البحار، وافتح بهم الأقطار، مشيرا إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن عباس مرفوعا: "لا تهزم اثنا عشر ألفا من قله"[22].

انهم المخلصون بحق الذين يوصفون بما وصف به الأنصار –رضي الله عنهم- يكثرون عند الفزع ويقلون عند الطمع، وليسوا كغثاء السيل، وهذا هو السبيل للوصول الى جيل ينتصر به الإسلام.

ج-سلامة الصدور:

لذلك كان من الإخلاص سلامة الصدور بين أفراد الجماعة الواحدة، فلابد للجماعة التي اخلص أفرادها لدعوتهم ان تكون صدورهم سليمة، وقلوبهم رحيمة، وعلاقاتهم وطيدة، يستمعون الى رسولهم وهو يقول لهم: "بدلاء أمتي لم يدخلوا الجنة بكثرة الصلاة ولا الصيام وانما دخلوها بسخاوة الأنفس وسلامة الصدور".

ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي أنسا رضي الله عنه فيقول: "يا بني اذا أصبحت وأمسيت وليس في قلبك غش لأحد فافعل، فان ذلك من سنتي ومن أحب سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة" ويقول: "ما فضلكم أبو بكر بكثرة صلاة  ولا صيام ولكن بشيء وقر في صدره".

ان سلامة الصدر أدنى درجات المحبة لان أعلاها الإيثار الذي رأيناه في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يقول أبو هريرة رضي الله عنه أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله أصابني الجهد، فأرسل إلى نسائه فلم يجد عندهن شيئا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" الا رجل يضيف هذا الليلة، رحمه الله" فقام رجل من الأنصار فقال: أنا يا رسول الله، فذهب الى أهله فقال لامرأته: هذا ضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تدخري عنه شيئا فقالت: والله ما عندي الا قوت الصبية، قال: فإذا أراد الصبية العشاء فنوميهم  وتعالي فأطفئي السراج ونطوي بطوننا الليلة، ففعلت، ثم غدا الرجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "لقد عجب الله عز وجل أو ضحك من فلان وفلانة" وانزل الله تعالى: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة) [23] قال ابن كثير في تفسيرها: يقدمون المحاويج على حاجة أنفسهم ويبدأون بالناس قبلهم في حال احتياجهم الى ذلك.

وقد ورد في السيرة انه عرض الماء على عكرمة بن أبي جهل وأصحابه في اليرموك فكل منهم يأمر بدفعه إلى صاحبه وهو جريح مثقل أحوج ما يكون إلى الماء فرده الآخر إلى الثالث فما وصل إلى الثالث حتى ماتوا عن آخرهم ولم يشرب احد منهم رضي الله عنه وأرضاهم تلك هي امة الإيثار وذلك هو شعار المؤمنين المخلصين الأنصار ليكون هذا الشعار نبراس المخلصين في كتائب الإيمان في كل زمان ومكان.

هذا هو أعلى مراتب الحب اما اقلها فهو سلامة الصدور –كما قلنا- فعن انس رضي الله عنه قال: كنا جلوسا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة"، فطلع رجل من الأنصار تقطف لحيته من وضوئه قد علق نعليه بيده الشمال فلما كان الغد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ذلك، فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى، فلما كان اليوم الثالث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل مقالته أيضا، فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال: اني لا حيت أبي فأقسمت ان لا ادخل عليه ثلاثا، فان رأيت ان تؤويني إليك حتى تمض قال: نعم، قال انس: فكان عبد الله يحدّث انه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئا غير انه اذا تعار[24] ذكر الله وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبد الله" :غير اني لم اسمعه يقول الا خيرا، فلما مضت الليالي الثلاث وكدت ان احتقر عمله، قلت يا عبد الله لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجرة ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لنا ثلاث مرات: "يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة" فطلعت أنت الثلاث مرات، فأردت ان آوي إليك لأنظر ما عملك فاقتدي به فلم أرك تعمل كبير عمل، فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ما هو الا ما رأيت غير اني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا، ولا احسد أحدا على خير أعطاه الله إياه، قال عبد الله فهذه التي بلغت بك وهي التي لا تطاق[25].

أمثال هذه القلوب المخلصة يستطيع أهل الباطل ان يقتحموا صفوفها انه بقدر ما تضعف هذه المشاعر في القلوب يكون الضعف معولا في هدم ذلك الصف.

وقد يجد الأخ في نفسه شيئا على إخوته، بل قد تكون هناك بعض النفوس المريضة التي تبذر لنفسها بذور الفتن فتضيق لسعادة إخوانها، أو ينفتح صدرها لتمني زوال النعمة التي انعم الله بها عليهم، فعليهم ان يجددوا الإيمان ويتوبوا الى الله وينظروا الى جيل الصحابة الذين قال الله عنهم (ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا).

أي لا يجدون في صدورهم حاجة يعني الحسد (مما أوتوا) قال قتادة يعني فيما أعطي إخوانهم.

ولكي نحافظ على سلامة الصدور على الأقل يجب ان نراعي الاجتماع على الأصول والتماس العذر للمخالف كما قال الإمام البنا في القاعدة المعروفة: "نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا فيما اختلفنا فيه" كذلك قبول النصيحة بوجه عام وعدم التعصب للرأي وترك الجدل والمكابرة كل ذلك من دلائل الإخلاص.

 

2-السمع والطاعة للقيادة في العسر واليسر والمنشط والمكره

درج الصحابة رضوان الله عليهم –وهم اخلص الجند- على طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنشط والمكره، وفي العسر واليسر وتلقوا أوامره للتنفيذ، وتعلموا الأحكام للعمل.

فما أمروا بشيء الا استجابوا، ولا نهوا عن شيء الا اجتنبوا ولا نزل فيهم حكم من الله ورسوله الا استسلموا إليه راضين وعملوا به مذعنين.

أمرهم بالتوحيد فهدموا الأصنام وعبدوا الله وحده وفرض عليهم الصلاة فأقاموها، وأمرهم بالزكاة فدفعوها، وبحرمان النفوس من شهواتها في الصوم فمنعوها، وبتجريدها لله في الهجرة والحج فجردوها، وببذل الأموال والأنفس في سبيل الله فبذلوها، ونهاهم عن الخمر فأراقوها، وعن الفحشاء فاجتنبوها، وعن الزنا فتركوه، وعن الميسر فمنعوه، ففعلوا المأمور وتركوا المحظور وصبروا على المقدور.

 لم يعتذروا عن شيء من ذلك بما ألفوه من عوج، ولم يجدوا في امتثال الأمر واجتناب النهي من حرج لأنهم علموا ان الإسلام استسلام لأحكام الله، وعمل بشريعة الله، وليس بمسلم من لم يسلم وجهه لله، ويخضع لأحكام الله، ويعمل بشريعة الله[26].

ولا قيام للإسلام في المجتمع الا بوجود جماعة يطبق أفرادها الإسلام في أنفسهم، فيكونون نماذج حية، يمثلون الإسلام تمثيلا عمليا قيادة وأفرادا، وبهذا قام الإسلام أول أمره، يوم آمن به رجال فعملوا به وطبقوه ومثلوه حقيقة واقعة في علاقاتهم بينهم وبين قادتهم.

ويوم ان يخلص الجند طاعتهم للقادة التي لا تأمر الا بالمعروف لانه "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق" أقول يوم تتحقق هذه الجندية يتحقق فيهم قول الله (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، انهم لهم المنتصرون وان جندنا لهم الغالبون) [27].

لان الجندية في الإسلام هي قوام الجماعة والتي بها يشد أزر القيادة ويقويها، وهي الدرع الواقي والحصن المنيع الذي يضع الأهداف موضع التنفيذ.

فالجندية هي الجزء المتمم للقيادة، وكلتاهما لا وجود لهما ما لم يجتمعا، فلا قيادة بدون جندية، ولا جندية بدون قيادة ولذلك اذا اخلص الجند للقيادة لابد ان تكون العاقبة حميدة والنصر مؤكد –بإذن الله- لانه وعد الله الذي لا يخلف وعده (وان جندنا لهم الغالبون).

وشروط تحقق هذا الوعد، ان ترعى القيادة أوامر الله وان يضعها الجند موضع التنفيذ (وكان حقا علينا نصر المؤمنين) فيوم كان المسلمون أهلا لذلك وصدقوا الله صدقهم الله وعده، واعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، وما زالت الشروط قائمة ونحن لا يخامرنا شك، ولا يساورنا ريب، في انه سبحانه معز لدينه، وناصر جنده في كل حين إذا ما تحققت هذه الشروط.

ان الجندية في الإسلام لكي يتحقق فيها واجب الإخلاص لابد ان تحسن الصلة بالله أولا، وتتوكل عليه حسن التوكل، وتطيعه في صغير الأمر وكبيره، فالجيش المسلم لا يهزم الا بمعصية أو مخالفة لان الله ضمن له النصر ما دام في طاعة الله، ومن أطاع الأمير فقد أطاع الله (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم..).

 

الذنوب أخوف من العدو:

فالذنوب تبعد الجيش عن ساحة نصر الله، وتدنيه من الهزيمة، فذنوب الجيش أخوف عليه من عدوه، ولذلك وثق الصحابة رضوان الله عليهم الصلة بربهم (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا).

ذلك لان الجندي في الإسلام يطيع أمر قيادته في المنشط والمكره وهو على يقين من انه يقاتل لنشر الدعوة، وإقامة العدل، ومحو الظلم والطغيان، فلم يفتح البلاد من اجل خيراتها ولا ثرواتها ولكنه بذل الروح من اجل هداية الناس وسعادتهم ولتكون كلمة الله هي العليا، من اجل هذه المبادئ السامية كان إخلاصه في طاعة قيادته.

فالجندي المخلص هو الذي يكون وقافا عند حدود الأوامر والنواهي فلا يعصي ولا يتمرد ولا يخالف أمرا تصدره القيادة فهو يتحكم في سلوكه ويكبح أهواءه ورغباته، ويلتزم بالأمر متى صدر إليه من القيادة، لا يعمل عمل حتى يستأذن ولا يتحرك حركة الا بعد موافقتها. ولذلك أثنى المولى على المخلصين من جند الله (انما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله، وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، ان الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله، فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله، ان الله غفور رحيم) [28].

فالجندي المخلص بحق لا يمكن ان يصدر إليه أمر من قيادته ثم يتردد في تنفيذه لان ذلك من ابرز سمات المنافقين (ويقولون آمنا بالله وبالرسول واطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين، وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون، وان يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين، أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون ان يحيف الله عليهم ورسوله، بل أولئك هم الظالمون)[29].

ان الجندي الصادق لا يعطي نفسه حق الاختيار بعد صدور أمر القيادة لان ذلك يعتبر معصية لان ولاءه مبني على أساس عقيدته، فطاعة ولي الأمر من طاعة الله طالما انها في معروف، فلا يصده عن الطاعة عاطفة مهما قويت ولا توهنه قرابة مهما قربت، ولا تصرفه أبوة رحيمة، ولا أمومة رؤومة، ولا بنوة بارة كريمة، (وما كان لمؤمن ولا لمؤمنة اذا قضى الله ورسوله أمرا ان يكون لهم الخيرة من أمرهم).

ذلك ان الجنود ما لم يقفوا عند الأوامر والنواهي فينفذوها، وعند النواهي فيجتنبوها تتسيب الأمور، وينقلب الوضع –وهذا دليل عدم الإخلاص للقيادة- وعندئذ تصدر القيادة تعليماتها فلا تجد من يرعاها ويتقيد بها، وهذا هو الانحلال المؤدي الى الضعف والوهن، وتلك هي الفوضى التي لا ينتصر معها جيش ولا يسود معها نظام[30]. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "اسمعوا وأطيعوا ولو تأمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

 

3- النصرة والتأييد "الولاء"

الولاء هو الحب  والتناصر والتحالف، وهو بهذا المعنى من أوجب واجبات الجنود لقيادتهم ومبادئهم. لان الجندية الصحيحة لا تتحقق الا بالحب المتبادل بين الجنود والقيادة، والقيادة المخلصة لا توجد الا بالتناصر والتحالف بينها وبين جنودها.

ومن المعلوم في الإسلام ان المسلم لا يمنح ولاءه الا لأخيه المسلم جنديا كان أو قائدا، ولا يجوز ان يوالي غير المسلمين مهما كانت صلتهم به، آباء كانوا أم إخوانا أم أزواجا أم عشيرة قال تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه) [31].

فالرابطة هي رابطة الإيمان الباقية، وما عداها فانها روابط مادية أو أرضية تزول بزوال موجباتها، لهذا لم يعترف القران الكريم برابطة البنوة بين نوح عليه السلام وبين ابنه الذي كفر وعصى أمر ربه معه في الفلك فحين قال نوح عليه السلام (رب ان ابني من أهلي، وان وعدك الحق) قال المولى له : (يا نوح انه ليس من اهلك) [32] انها رابطة لحم ودم ولكنها خالية تماما من الإيمان، لهذا لم يعترف بها القران.

وكما رفض البنوة رفض كذلك رابطة الأبوة بين إبراهيم عليه السلام، وبين أبيه آزر، ترى ذلك في قول إبراهيم: (واعتزلكم وما تدعون من دون الله، وأدعو ربي عسى الا أكون بدعاء ربي شقيا) [33] (قلما تبين له انه عدو لله تبرأ منه) ولكن (وصاحبهما في الدنيا معروفا).

وكما رفض رابطة البنوة والأبوة، رفض رابطة الأخوة بين مصعب بن عمير رضي الله عنه، وبين أخيه عزيز، فقد أسر عزيز في غزوة بدر، ورآه مصعب رضي الله عنه، أسيرا في يد احد المسلمين فقال مصعب لمن أسر أخاه: (شدد يدك عليه، فإنه أمه ذات مال، وعسى ان تفتديه منك بمال كثير).

فيقول عزيز وقد سمع مقالة أخيه: أهذه وصايتك بأخيك يا مصعب؟ فيرد مصعب عليه أخوته ويقول: لست أخي، بل هو أخي دونك[34].

كذلك رفض رابطة الزوجية الخالية من رابطة الإيمان والقران يضرب لنا مثلا لذلك بزوجتي نوح ولوط –عليهما السلام- فانهما خانتا زوجيهما وتمالأتا مع أعداء الله فلم تغن عنهما رابطة الزوجية ولو كانت مع نبيين كريمين  شيئا، ولم تحل بينهما وبين الخلود في النار، قال تعالى: (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين) [35].

ولم تكن رابطة القرابة والعشيرة أحسن حالا من غيرها من الروابط السابقة فهذا أبو لهب –عبد العزى بن عبد المطلب- عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ترد عليه قرابته ويقول القران فيه: (تبت يدا أبي لهب وتب).

والقران الكريم يؤكد هذا المعنى في آيات متعددة بما لا يدع فرصة لأي نوع من الموالاة تكون بين المؤمنين وغير المؤمنين مطلقا، فلا ولاء بين المؤمنين وبين اليهود والنصارى (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض) [36].

ولا ولاء بين المؤمنين والمنافقين : (فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله) [37].

وعلى العموم فانه لا ولاء بين المؤمنين وأعدائهم مطلقا (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء) [38].

وصدق الله القائل: (قل ان كان آباؤكم وأبناؤكم..) الآية انما ولاء المؤمنين للمؤمنين، سلمان منا أهل البيت[39] (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله) [40].

ان موالاة غير المؤمنين فضلا عن انه عدم إخلاص لهذا الدين قد يؤدي الى الخروج من حظيرة الإيمان لان الولاء هو الحب والمناصرة، وإذا حصل هذا بين المؤمنين وأعداء الدين فانه يكون حبا للباطل ومناصرة له، وذلك هو الكفر الصريح (يا أيها الذين امنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء، بعضهم أولياء بعض، ومن يتولهم منكم فانه منهم ان الله لا يهدي القوم الظالمين) [41].

فالعقيدة هي الأساس الذي يبنى عليه الولاء في الإسلام ولذلك لابد ان تكون المفاصلة في هذا الأمر حاسمة صارمة.

الولاء والبر والقسط:

ينبغي ان نعلم ان التسامح في معاملة غير المسلمين ليس من الموالاة فنحن لم ننه عن ذلك بل يجوز برهم والإقساط في معاملاتهم ما داموا غير محاربين (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم ان تبروهم وتقسطوا إليهم ان الله يحب المقسطين) [42].

وفرق كبير جدا بين الولاء وهو التحالف والنصرة والذي تشترك فيه حركة القلب، والبر والقسط والتسامح وهو حركة جارحة لا صلة لها بالولاء، ذلك لان البر والقسط من حسن الخلق الذي أمر به الإسلام.

ومن هنا فهم المسلمون ان ولاءهم لا يكون الا لقيادتهم، إخلاصهم لا يكون الا لعقيدتهم، وجهادهم لا يكون الا لإعلاء كلمة الله، فحققوا ذلك كله في أنفسهم وطبقوه في حياتهم[43].

ولذلك فان من دلائل إخلاص الفرد الولاء للجماعة وقيادتها، إذ المفروض في الشخص ان يكون ولاؤه للجماعة وقيادة الجماعة مطلقا، بحيث يدين لها بكامل الطاعة في المعروف وان تكون ثقته بها مطلقة.

وبهذا الإخلاص في الطاعة للقيادة يكون قد نصر الدعوة وأيد الحق وعمل على تحقيق الأهداف، الا ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوجه الجيوش الى المناطق النائية من أطراف الجزيرة، فلا يتخلف احد، ويسيرون في عزم الأسود، وصلابة الجبال، لم ترهبهم قوة العدو، ولم تفزعهم مشقة السفر انما يشغلهم نصر الحق وتأييده.

فحماية الإسلام والدفاع عنه غاية مطلوبة من كل مسلم، فالذين يقفون متفرجين والإسلام يصرع والدعاة تقتل في إخلاصهم لهذه الدعوة دخن، والذين يحولقون ويتوجعون والإسلام يمتهن وهم لا يشاركون في نصرته إيمانهم مشوب (فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه أولئك هم المفلحون).

وأدهى من هؤلاء جميعا أولئك الذين ينطقون بالشهادتين وهم في عداد المسلمين، ويشجعون الظلمة على انتهاك الحرمات والفتك بالمسلمين، ولا ينفكون عن الهتاف والتصفيق للطغاة الذين يقولون لهم (ذروني اقتل موسى وليدع ربه اني أخاف ان يبدل دينكم أو ان يظهر في الأرض الفساد).

لقد كان الإسلام عزيزا بعزة المسلمين، منيعا لا يرام بقوتهم، لم يستطع احد ان يقهره أو يفكر في الدخول معه في معركة، حيث كانت النتيجة معروفة مسبقا، فلم يستطع الأعداء ان يحققوا التغلب على المسلمين بقوتهم العسكرية، فها هو ذا جيش الروم في غزوة مؤتة يصل إلى ما يقرب من مائتي ألف مقاتل أو يزيد بينما عدد المسلمين لا يزيد عن ثلاثين ألف تقريبا الواحد منهم امة، ويمشي مع إخلاص احد القادة الإسلاميين في هذه المعركة –انه عبد الله بن رواحة اخذ بين الجند يذكر الذين استجابوا لله وللرسول بوعد الله يقول: يا قوم، والله ان التي يكرهون للتي خرجتم تطلبون. الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، وما نقاتلهم الا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فانما هي إحدى الحسنيين: اما الظهور وإما الشهادة[44] (كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله، قال الحواريون نحن أنصار الله، فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين).

ان المناصرة والتأييد هما حق من حقوق القيادة ما دامت تقود المسلمين بأوامر الله، وتحكمهم بكتابه، وتأخذ بأيديهم الى الخير وتهديهم الى الرشد، فحينئذ يجب مناصرتها وتأييدها، وبذل أقصى الجهد في مؤازرتها، لان في تأييدها ومؤازرتها تأييدا للحق ومؤازرة للخير بكل أنواع المؤازرة بالقول والفعل والأموال والأنفس حتى يحقق الله على أيديها ما وعد كما حققه مع الذين كانوا يقولون: فداك أبي وأمي يا رسول الله.

 

 

4-النصح والتسديد

النصيحة دليل إخلاص الجندي لقيادته ودعوته، ذلك لان إهمال النصيحة يؤدي الى تفكك الجماعة وتفرقها، وتأديتها يقيم الجماعة ويزيد من تماسكها ولذلك جعلها الرسول صلى الله عليه وسلم هي الدين "الدين النصيحة" قلنا: لمن؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم"[45].

شروط الناصح:

وللناصح شروط منها:

1-ان يكون الناصح عالما بالحكم الشرعي لما يأمر به أو ينهى عنه حتى لا يتعرض للخلط والخطأ.

2-ان يتحرى الطريقة المناسبة عند نصحه مراعيا الظروف والأحوال.

3-ان يكون عالما بما ينصح به، مطبقا له على نفسه وأهله ومن يعول.

4-ان يقدم النصيحة بصورة تؤدي الى قبولها على ان يغلب ظنه استجابة المنصوح، مع مراعاة الا تؤدي الى ضرر اكبر ويفضل ان يسر بها، ولا لوم فيها ولا تعنيف، خالية من جرح شعور المنصوح أو إظهاره في صورة المخالف.

وهناك أمثلة عملية كثيرة حدثت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وما بعد عهده منها على سبيل المثال لا الحصر.

في غزوة بدر:

نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم أدنى ماء من مياه بدر، ونظر الحباب بن المنذر، فوجد المكان غير مناسب، ورأى ان المعركة تستلزم تخطيطا غير ذلك، فوقف في أدب الجندي المخلص لقيادته وقال: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل أمنزل أنزلكه الله ليس لنا ان نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال صلى الله عليه وسلم: "بل هي الحرب والرأي والمكيدة" فقال: يا رسول الله، فان هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم، فتنزله ثم تغور ما وراءه من القلب، ثم تبني عليه حوضا فتملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد أشرت بالرأي" وينهض القائد بجنده ويعمل بهذه النصيحة المخلصة.

ولا شك ان الجندي اذا كتم هذه النصيحة، وهو يعلم قيمتها فان إخلاصه مشوب، بل يكون خائنا لقيادته، لانه قد يترتب على كتمانها من المفاسد ما يمكن تجنبه، ولا شك أيضا ان القيادة اذا رفضت تلك النصيحة بعد ما تبين لها وجه الحق فيها والمصلحة التي تعود على المسلمين من إتباعها، تكون مسئولة أمام الله عز وجل وتكون غير جديرة بالقيادة بعد ان اثبت الجندي إخلاصه لها بتقديم النصح.

وإخلاص هذا الجندي (الحباب) انما جاء بعد فهم دقيق لدوره وإيمان عميق لأهدافه، وحب وثيق لقيادته، فانظر الى فقهه وأدبه الجم[46]:

أولا: الشجاعة الأدبية التي تحلى بها الجندي المسلم، والتي ربى الإسلام جنوده عليها وهي صفة يتحلى بها المخلصون العاملون لدينهم.

ثانيا: التقيد بأمر الله تعالى بحيث لا يجوز مخالفته في صغيرة ولا كبيرة في قوله (يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل أمنزل انزلكه الله ليس لنا ان نتقدمه ولا نتأخر عنه؟

ثالثا:بذل النصيحة للقيادة اذا كان هناك مجال للرأي، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة" عندئذ يقول الحباب: يا رسول الله هذا ليس بمنزل..

رابعا:احترام القيادة لآراء الجند والاستماع إليهم وتنفيذ الصالح منها يزيد رصيد الإخلاص لديهم قال صلى الله عليه وسلم للحباب: "لقد أشرت بالرأي"[47].

ولذلك رأينا القيادة المؤمنة تحث الجند على نصحهم، فهذا أبو بكر في أول يوم يتولى فيه أمر المسلمين يقول: أيها الناس. اني وليت عليكم ولست بخيركم.فان أحسنت فأعينوني، وان أسأت فقوموني. الصدق أمانة والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى اربح عليه حقه ان شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى اخذ الحق منه ان شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله الا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم الا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فان عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم"[48].

فالقيادة نفسها التي تطلب العون والتسديد وبذل النصح وإرشادها، ومساندة الحق أينما وجد.

ويأتي عمر بن الخطاب بعده فيقول للناس: اتقوا الله عباد الله وأعينوني على أنفسكم بكفها عني، وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإحضاري النصيحة فيما ولاني الله من أمركم[49].

بل ويقول: من رأى فيّ اعوجاجا فليقومه فأجاب رجل من رعيته: (والله لو علمنا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا) ويقابل عمر ذلك بحمد الله ولم ينزعج بل يقول: الحمد لله الذي جعل في رعية عمر من لو رأى منه اعوجاجا قومه بسيفه.

وكم لعمر من مواقف في قبول النصيحة، بل وجاء الحكام المخلصون من بعده فحذوا حذوه واقتفوا أثره.

فأين هؤلاء من الذين قالت لهم مليكتهم: (أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون. قالوا: نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين) فرق كبير بين الإمعات في مجتمع غير المسلمين، والمخلصين في مجتمع المؤمنين.

في هذه البيئة النقية المخلصة جنودا وقيادة والتي تتغذى بالحوار، وتنمو بالمراجعة، وتصح بالنقاش. فتتنوع فيها أساليب العمل، وتنشط حركة الاجتهاد، وتغدو الحكمة ضالة المؤمن "أنى وجدها فهو أحق الناس بها" فإذا بالتوفيق حليفهم والإخلاص ديدنهم، وتقديم النصح لقيادتهم دليل إخلاصهم.

أصحاب الأماني:

ان المسلم الحريص على تحقيق الأهداف يجب ان يفرق بين الأمنيات والإمكانات حتى تكون النصيحة واقعية في ضوء الامكانات، لان الأمنيات تقوم على العواطف وربما الهوى والظن، ولذلك فان أصحاب الأماني يكثرون من النقد، ويرون كل خطوة ناقصة، وكل عمل خاطئ ويسمون ذلك نصحا وتسديدا، ولا يقول الواحد منهم رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب، بل يكاد يقطع بان ما يقوله هو عين الصواب الذي لا يجب ان يحيد عنه، ويحاسب الآخرين على ضوئه، وليس هذا من الإخلاص في شيء، لان المؤمن يطلب المعاذير، والمنافق يطلب العثرات. يقول صلى الله عليه وسلم: "استعيذوا بالله من جار السوء الذي ان رأى خيرا ستره، وان رأى شرا أظهره).

فالمسلم المخلص حين ينتقد ينظر الى الإمكانيات المتاحة لقيادته لان الإمكانيات: برمجة، وتخطيط، ودراسة الأسباب، ومعرفة العلل، وحصول النتائج ومناقشة صحتها من خطأها ومدى توافقها مع المقومات والتصور الإسلامي.

أي ان النقد –النصح- يتطلب دراسة موضوعية متعمقة متجردة للوصول الى الرأي الذي يعتقد صوابه، ولذلك على الناصح ان يتحرى الصدق، ويتحرى القصد، ويتحرى الأسلوب، ويتحرى الموضوعية.

ويجب عليه ان يفرق بين نقد الوسائل المتغيرة والأهداف الثابتة، ليكون نقده مبنيا على دراسة علمية دقيقة –كما قلنا- أساسها التخصص والخبرة بعيدا عن الارتجال ولا يتهم الرجال بل يراجع الأعمال.

وليخشى الناصح على نفسه ودينه من حب الشهرة والصيت خصوصا اذا كان من أصحاب المواهب، لان الإنسان لو طبقت شهرته الآفاق وهو مدخول النية لم يغن عنه الناس من الله شيئا، ويقول إبراهيم بن ادهم: "ما صدق الله من أحب الشهرة" ويقول الفضيل بن عياض: "ان قدرت على الا تعرف فافعل، وما عليك الا تعرف؟ وما عليك ان يثنى عليك؟ وما عليك ان تكون مذموما عند الناس اذا كنت محمودا عند الله تعالى؟

إنكار الذات ليس معناه عدم الشهرة:

ولا نفهم من هذا انها دعوة الى الانطوائية والعزلة، ولكنها دعوة الى إنكار الذات، واليقظة لشهوات النفس الخفية، والحذر من تسلل الشيطان الى قلب المسلم ليفسد عليه إخلاصه، فالشهرة في ذاتها ليست مذمومة فليس هناك اشهر من الأنبياء والخلفاء الراشدين فوجودها من غير التكلف والحرص عليها لا شيء فيه كما قال الإمام الغزالي: "فتنة الضعفاء دون الأقوياء".

فالمخلص لا يعجب بنفسه ولا يحب الشهرة بل يتهم نفسه دائما بالتفريط في جنب الله، والتقصير في أداء الواجبات، ولا يسيطر على قلبه الغرور بالعمل والإعجاب بالنفس، بل هو دائما يرجو رحمة الله ويخشى عذابه ولذا فانه يخاف اذا عمل عملا الا يتقبل منه وقد بكى احد الصالحين في مرضه بكاء شديدا، فقال بعض عوّاده: كيف تبكي وأنت الذي صمت وقمت، وجاهدت وتصدقت، وحججت واعتمرت، وعلمت وذكرت؟ فقال: وما يدريني ان شيئا منها في ميزاني وانها مقبولة عند ربي؟ والله تعالى يقول: (انما يتقبل الله من المتقين) [50].

ومن هنا فان المخلص يحب ان يكون العمل الصامت أحب إليه من العمل الذي يحفه ضجيج الإعلان وطنين الشهرة فهو يستوي عنده العمل قائدا والعمل جنديا، بل ربما آثر الجندية خشية التفريط في واجبات القيادة وتبعاتها، ولكنه اذا حُمّلها حملها واستعان بالله على القيام بحقها وأمثال هؤلاء إذا نصحوا اخلصوا النصح لله.

 

5-الوفاء بالوعد واحترام الموعد

لاشك ان الوفاء بالوعد واجب إسلامي، فهذا هو المعروف من ظاهر نصوص القران والسنة، ففي القران يقول المولى: (يا أيها الذين امنوا لم تقولون ما لا تفعلون، كبر مقتا عند الله ان تقولوا ما لا تفعلون) [51].

عن عبد الله بن سلام قال: تذاكرنا ايكم يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسأله أي الأعمال أحب إلى الله، فلم يقم احد منا فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلينا رجلا فجمعنا فقرأ علينا هذه السورة[52] قال العلماء: نزلت لما تمنوا الجهاد فلما نزل نكل عنه بعضهم فهي إذن: إنكار على من يعد وعدا أو يقول قولا لا يفي به، وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا صبي، فذهبت لأخرج لألعب فقالت أمي: يا عبد الله تعالى أعطك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما أردت ان تعطيه؟ قالت: تمرا، فقال: اما انك لو لم تفعلي كتبت عليك كذبة.

ولذلك ذم المولى المنافقين بقوله: (فأعقبهم نفاقا في قلوبهم الى يوم يلقونه بما اخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون)[53].

ان الذي يعاهد الله ثم يخلف الوعد والعهد، والذي يكذب على الله فلا يفي بما وعد، لا يسلم قلبه من النفاق.

والآية تفيد ان نفاقهم بسبب إخلافهم وعدهم مع الله، ومثل ذلك إخلاف الوعد مع الناس، فنكث العهد محرم سواء كان مع الله أو مع الناس.

ان إبراهيم عليه السلام حين وعد أباه المشرك بأنه سيستغفر له قائلا: (سأستغفر لك ربي انه كان بي حفيا)[54] وفّى بوعده مخاطبا ربه (واغفر لأبي انه كان من الضالين)[55] مع ان القران أنكر بشدة استغفار المؤمنين للمشركين مهما تكن قرابتهم فقال: (ما كان للنبي والذين امنوا ان يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم انهم أصحاب الجحيم)[56] الا ان المولى يقول (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه الا عن موعدة وعده إياه فلما تبين له انه عدو لله تبرأ منه)[57].

وكيف يخلف مخلص لدينه الوعد وهي صفة إبليس اللعين حين يجمعه الله مع أتباعه الغاوين في النار (وقال الشيطان لما قضي الأمر ان الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم) [58].

ولذلك سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح من رواية أبي هريرة: "آية المنافق ثلاث: اذا حدث كذب، وإذا وعد اخلف، وإذا ائتمن خان"[59].

وفي بعض الروايات: وان صام وصلى وزعم انه مسلم وفي رواية عبد الله بن عمر: "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها.اذا حدث كذب وإذا وعد اخلف، وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر"[60].

وذكر البخاري في حديث عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ في صلاته كثيرا من المأثم (أي الإثم) والمغرم (أي الدين) فقيل له: يا رسول الله، ما أكثر ما تستعيذ من المغرم؟ فقال: "ان الرجل اذا غرم (استدان) حدث فكذب، ووعد فأخلف"[61].

والظاهر من هذه الأدلة ان الوعد سواء كان بصلة وبر أم بغير ذلك واجب الوفاء به. فإذا كان هذا التحذير من إخلاف الوعد حتى عد من علامات النفاق، وإحدى خصاله الأساسية أيفعله المسلم المخلص لدينه؟

يقول الإمام الغزالي في إحيائه تحت عنوان الوعد الكاذب: ان اللسان سباق الى الوعد، ثم النفس ربما لا تسمح بالوفاء فيصير الوعد خلفا، وذلك من إمارات النفاق، قال تعالى: "يا أيها الذين امنوا أوفوا بالعقود)[62].

وقد أثنى الله تعالى على نبيه إسماعيل عليه السلام في كتابه العزيز فقال: (انه كان صادق الوعد) [63].

ولقد تربى الصحابة رضوان الله عليهم على الوفاء بالوعد فهذا عبد الله بن عمر حين حضرته الوفاة قال: انه كان خطب الى ابنتي رجل من قريش وكان إليه مني شبه الوعد، فو الله لا ألقى الله بثلث النفاق أشهدكم اني قد زوجته ابنتي.

وهذا شدة حذر من ابن عمر رضي الله عنهما وما يجب ان يكون عليه المؤمن من التقوى والخشية، وان كان خلف الوعد لا يتحقق الا اذا أعطى الواعد وعده وهو ينوي عدم تنفيذه.

ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم جاء أبا بكر مال من قبل العلاء الحضرمي فقال أبو بكر: من كان له على النبي صلى الله عليه وسلم دين، أو كانت له قبله عöدة فليأتنا[64].

وعن أبي إسحاق ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: "ولا تعد أخاك عدة وتخلفه، فان ذلك يورث بينك وبينه عداوة".

وعن أبي هريرة ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من قال لصبي تعال، هذا لك ثم لم يعطه شيئا، فهي كذبة" وفي السنن: "المؤمنون عند شروطهم".

وفاء أبي محجن:

عن ابن سيرين قال: كان أبو محجن الثقفي لا يزال يجلد في الخمر، فلما أكثر عليهم سجنوه وأوثقوه، فلما كان يوم القادسية فكأنه رأى ان المشركين قد أصابوا المسلمين.

فأرسل إلى امرأة سعد ان أبا محجن يقول لك ان خليت سبيله وحملته على هذا الفرس، ودفعت إليه سلاحا ليكونن أول من يرجع إليك الا ان يقتل (وقال شعرا).

فحلت قيوده، وحمل على فرس كان في الدار، وأعطى سلاحا ثم خرج يركض حتى لحق بالقوم، فجعل لا يزال يحمل على رجل فيقتله ويدق صلبه، فنظر إليه سعد فجعل يتعجب ويقول من ذاك الفارس؟ قال: فلم يلبثوا الا يسيرا حتى هزمهم الله، ورجع أبو محجن ورد السلاح وجعل رجليه في القيود كما كان.

وجاء سعد فقالت له امرأته: كيف كان قتالكم؟ فجعل يخبرها ويقول: لقينا ولقينا حتى بعث الله رجلا على فرس ابق، لولا اني تركت أبا محجن في القيود لقلت: انها بعض شمائل أبي محجن، فقالت: والله انه لأبو محجن، كان من أمره كذا وكذا، وقصت عليه قصته فدعا به، فحل قيوده وقال: لا نجلدك على الخمر أبدا، قال أبو محجن: وأنا والله لا اشربها أبدا، كنت آنف ان ادعها من اجل جلدكم[65].

ولذلك أكثر العلماء بوجوب الوفاء بالوعد، وتحريم الخلف فيه، وكانت العرب تستعيبه وتستقبحه، وقالوا: إخلاف الوعد من أخلاق الوغد، وقال القاضي أبو بكر بن العربي: خلف الوعد كذب ونفاق وان قل فهو معصية.

ولو لم يكن في الوفاء فضيلة الا ان المتصف به يعد نفسه في زمرة الصادقين وينزه نفسه عن التحلي بسمة المنافقين لكفى. فما بالك والوفاء من شيم النفوس الشريفة والأخلاق الكريمة، والخلال الحميدة، يعظم صاحبه في العيون، وتصدق فيه خطرات الظنون، لذا كان سمة من سمات المخلصين.

احترام المواعيد:

واحترام الميعاد من الوفاء بالوعد، فانك اذا اتفقت مع احد إخوانك على ان تقابله في وقت كذا لتزوره، أو لتذهب الى مكان أو تقوم بعمل، فانه ينتظرك وعليك ان تذهب في ميعادك تماما، فإذا فعلت فقد وفيت بوعدك، والا كنت مخلفا للوعد لان الوفاء ان تقوم بما وعدت به غيرك من مقابلة في مكان وزمان معينين أو قضاء مصلحة أو مساعدة الى غير ذلك.

وعدم احترام المواعيد من قلة الإخلاص إذ الخلف من سوء الأخلاق، وسوء الأخلاق دليل قلة الإخلاص أو عدمه، والوفاء بالوعد نوع من أنواع الصدق يدل على ان الواعد صادق في قوله حين وعده، صادق في فعله حين وفىّ، وحسن الخلق دليل زيادة الإخلاص.

والوفاء بالميعاد يكسب صاحبه ثقة إخوانه واحترامهم له ويوثق عرى المحبة والائتلاف، وبه يتحقق التعاون الذي يحقق الأهداف السابقة، وهو سبب النجاح.

اما الخلف فيذيق الموعود مرارة الانتظار ويضيع عليه وقته ومصالحه، ويشعره بالاستهانة، ويزرع العداوة والبغضاء، ولهذا وجب على المسلم المخلص لدينه ان يفكر قبل ان يعد في الزمن والمجهود حتى اذا وعد فقد أعطى وثيقة ووجب عليه ان ينفذ ما سجله فيها.

وإذا نويت الوفاء وعجزت بعد بذل الوسع واستفراغ الجهد فلا تثريب عليك (وأوفوا بالعهد ان العهد كان مسئولا) ولذلك قالوا قديما: من غدر في عهده واخلف وعده، ونقض عرى عقده فقد قضى على نفسه بخسة أرومته، وسوء عقيدته، وقلة مروءته، وترك بين الناس ذكرا قبيحا وسمعة سيئة، وزهد الناس فيه، ونفرت القلوب منه.

انك ان وعدت أخاك بموعد فقد أعطيته موثقا من نفسك فإذا قصرت عن الوفاء له جعلت له سبيلا عليك فلا يفتأ يطالبك بما وعدته به وليس لك ان تتحلل من هذا الوعد بانتحال المعاذير الكاذبة تسوقها سوقا لضيق الوقت، وعدم امكان الفرص وكثرة الأعمال والمرض ونحوه، فذلك نوع من الكذب.

فهل تدري حين تعد أخا لك ما رتبه على وعدك من المصالح التي تركها من هدف سام، وغاية كريمة.

وهل تدري أي ضرر بالغ ألحقته بإخوانك بخلفك الوعد؟ وعدم حضورك في الميعاد من مصالح عطلتها وأهداف سامية كنت سببا في عدم تحقيقها ، إنك بهذا الأمر الذي تعتبره صغيرا أو حقيرا هدمت آمال ، وأخرت أهداف ، وأبطلت أعمال، ولم تكن قدوة حسنة لغيرك بل قوضت أركان أمانيهم وحملتهم على عدم الثقة بك، والاعتماد عليك لا في عظيم الأعمال بل وحقيرها، وأنت بذلك قد تخلفت عن الركب.

انك حين تفي بوعدك لا تكون الا محترما لنفسك متحليا بفضيلة الوفاء وهي من اجل صفات النبوة التي امتدح الله بها أنبياءه في كتابه العزيز، ولذلك فانك تجد الذي يحترم المواعيد مهيب الجانب موقرا بين إخوانه، موثوقا به من خلطائه، محبوبا من الجميع، اذا حضر ففي أول الميعاد، وإذا انصرف بجلوه واحترموه وكان في صدر مجلسهم لان الوفاء من كرم السجايا من عرفه خصته القلوب بصدق الوداد، وكسته الألسن مطارف الاحماد، ومن عرف بالخلف عومل بالمقت والأبعاد، واتسم بأقبح السمات بين العباد.

لذا كان من دلائل إخلاص الجندي لقيادته الوفاء بالوعد واحترام المواعيد لان ذلك من صفات المؤمنين الصادقين.

 

 

6-كتمان ما ائتمن عليه من سر وعدم إفشائه

الأمانة هي رعاية حقوق الله بتأدية الفرائض والواجبات وترك المحرمات، وحفظ حقوق عباده، ومن هذه الحقوق كتمان السر وعدم إفشائه.

ومن ضروب الأمانة ما ائتمنت عليه من سر سواء كان قولا أو عملا، لذا وجب الا يخون في نقل حديث وعدم إفشائه وقد قال صلى الله عليه وسلم: "انما يتجالس المتجالسان بأمانة الله، فلا يحل لاحدهما ان يفش على صاحبه ما يخاف".

والجماعة التي لا يحافظ أفرادها على أمانة الكلمة وكتمان السر يسوء حالها، وتنفصم عراها، وتضعف قوتها، لان من الأمور ما يعد سرا يجب كتمانه، لانه قد يكون في إفشائه ضرر بالغ.

فمن الناس من تراهم دائما يتحدثون عن غيرهم، ويروون الأحاديث ينسبونها الى القادة والمسئولين، ويرون ان من دواعي اتصافهم بالعلم والاحاطة بالأخبار ان يفشوا لك أسرارهم، ويوقفوك على ما بطن من أمورهم.

وهؤلاء وأشباههم تعودوا ذلك لأنهم شبوا عليه فتراهم لا يتحرجون عن ذكر أحاديث مما هو خاص بهم وبأسرتهم، فلم يتعودوا على مسك لسان أو كتمان سر.

حقا قد تدعو الضرورة الى الإفضاء بالسر إلى بعض الخاصة من الأصدقاء وأهل الثقة للاستعانة برأيهم، فعلى هؤلاء ان يحتفظوا بما اؤتمنوا عليه من السر والا كانوا خائنين، وعلى صاحب السر ان يختار الصادق الأمين الذي يستشيره.

ان الذي يعرف بكتمان السر يثق به الجميع ويأتمنونه ويلتفون حوله، ومن كان بموضع ثقة ومحبة كان اقدر على تحصيل الخير لنفسه ولغيره ودفع الضرر عن الجميع.

من اجل هذا كان إفشاء السر من الآثام الكبرى لو تصورت وصوله لعدوك، وانك لتعلم مقدار الضرر الذي يحيق بجيش حملت أسراره إلى أعدائه، فباتوا عالمين بخطط دفاعه، وقوة حصونه، ومواطن قوته وضعفه، ثم ما يتبع ذلك من الضرر الذي يصيب الجماعة المسلمة كلها بعد ذلك، إذ تنتهك حرماتها، وتؤخذ أموالها وتساق جنودها أسرى مقرنين في الأصفاد.

قد لا يكون بعض الناس ممن لا خلاق لهم عونا للأجنبي وأعداء الإسلام على أمته المسلمة فيقترب إليهم بإفشاء أسرارها وتوقيفهم على مواطن الضعف منها، وهؤلاء أحق بمقت الناس وسخطهم حتى ممن كانوا ينتفعون منهم بهذه الأسرار.

من اجل ذلك قيل: كتمان الأسرار من شيم الأحرار وشمائل الأبرار، وهو ابعد الأفعال من الضرر وأحق الخصال بالظفر، يدل على وفور العقل، وكثرة الصبر، وكمال المروءة. وقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم انه قال: "استعينوا على نجاح حوائجكم بالكتمان، فان كل ذي نعمة محسود" وقال المهلب بن أبي صفرة: أدنى أخلاق الشريف كتمان السر وأعلاها نسيان ما اسر إليه، ومن كلام الحكماء: كتمان السر موجب السلامة، وإفشاؤه يعقب الندامة وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: سرك أسيرك فإذا فضحته صرت أسيره. وقالوا: لا تودع سرك الا حافظا، فان قلوب الأحرار حصون الأسرار.

وقال معاوية بن أبي سفيان: لما استعملني عمر بن الخطاب رضي الله عنه دخلت على أبي سفيان فقال لي: يا بني. ان هذا الرهط من قريش سبقونا وتأخرنا، فرفعهم سبقهم، وقصر بنا تأخرنا، فصاروا قادة وصرنا أتباعا، وارى هذا الرجل قد استعملك فاحفظ مني ثلاثا: لا يجرب عليك كذبا، ولا تفشين له سرا، ولا تطو عنه نصيحة وان استثقلتها[66].

ان السر أمانة، وإفشاؤه خيانة، والقلب وعاؤه، فمن الأوعية ما يضيق بما يودع، وهذا من قلة الإخلاص، ومنها ما يتسع لما استودع وهذا من دلائل الإخلاص.

فالمخلص ما كان صدره أوسع لسره من صدر غيره بان لا يفشيه ومن كتم سره كانت الخيرة في يده، ومن أنبأ الناس بأسراره هان عليهم وأذاعوها، ومن لم يكتم الأسرار استحق الندم، وقد قالوا:

لا يحفظ السر الا كل ذي كرم         والسر عند لئام الناس مبذول

وإفشاء السر منهي عنه لما فيه من الإيذاء ، والتهاون بحق المعارف والأصدقاء، فما بالك بأفراد جماعتك وقيادتها؟

قال صلى الله عليه وسلم : "اذا حدّث الرجل الحديث ثم التفت فهي أمانة"[67] وقال مطلقا: "الحديث أمانة"[68] وقال الحسن: ان من الخيانة ان تحدث بسر أخيك.

ويروى ان معاوية رضي الله عنه، اسّر الى الوليد بن عتبة حديثا، فقال لأبيه: يا أبت ان أمير المؤمنين اسّر إلي حديثا، وما أراه يطوي عنك ما بسطه الى غيرك. قال: فلا تحدثني به، فانه من كتم سره كان الخيار إليه، ومن أفشاه كان الخيار عليه، قال: فقلت: يا أبت وان هذا ليدخل بين الرجل وبين ابنه؟ فقال: لا والله يا بني ولكن أحب ان تذلل لسانك بأحاديث السر.

قال: فأتيت معاوية فأخبرته، فقال: يا وليد أعتقك أبوك من رق الخطأ.

فإفشاء السر خيانة، وهو حرام اذا كان فيه إضرار، ولؤم ان لم يكن فيه إضرار[69].

ليس كل ما يعرف يكتم:

ويجب ان ننتبه إلى ان بعض الناس يكتم أمرا استحق الجهر به، كالذي يكتم ويبتعد عن كل ما يشير إلى مظهر من مظاهر الدين الإسلامي، ذلك لان الداعي يدعو الناس بقوله وفعله وسلوكه، فلا يسكت عما يجب الجهر به من الدعوة وتعاليم الدين بل يجب ان يعرض على الناس هذا الدين عرضا شيقا يبرز محاسنه كما يبرز مساويء غيره من المباديء الهدامة أو الفكر المنحرف ولا يجوز ان يكتم العلم فالله سبحانه وتعالى اخذ الميثاق على أهل العلم ليبينوا ذلك العلم وينشروه بين الناس قال تعالى: "وإذ اخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون"[70].

ففي هذا المجال العلمي لا تجوز السرية ولا يباح الكتمان وكذلك الأمر بالنسبة لتغيير المنكر بشروطه وقواعده الفقهية، سيد الشهداء حمزة ورجل قام الى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله[71].

ولذلك: فهناك من خلط بين ما يجب اجهاره وما يجب أسراره فتجده يثرثر بكل شيء، وفي أي مكان، ولأي إنسان، وهؤلاء نقول لهم لا تكونوا من الذين قال الله تعالى فيهم: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه الى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذي يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان الا قليلا) [72].

ان كلمة عابرة وفلتة لسان قد تجر من العواقب على الشخص نفسه وعلى جماعته كلها ما لم يخطر له ببال. من هنا قالوا: الكلمة أمانة، ذلك لان الأمانة هي رعاية حقوق الله بتأدية الفرائض والواجبات، وترك المحرمات، وحفظ حقوق عباده، ومن هذه الحقوق كتمان السر وعدم إفشائه –كما قلنا من قبل-.

الكتمان والدعوات السماوية:

لم نعلم دعوة الا كان الكتمان من الأسس المعتمدة في حركتها، فهذه دعوة موسى عليه السلام يأمره المولى بالكتمان في أمر خروجه من مصر عن عيون فرعون (فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون، واترك البحر رهوا[73] انهم جند مغرقون) [74].

وقال تعالى يأمر لوطا عليه السلام بواسطة ملائكته ان يكتم أمر خروجه من القرية (قالوا يا لوط أنا رسل ربك لن يصلوا إليك فأسر بأهلك بقطع من الليل، ولا يلتفت منكم احد الا امرأتك انه مصيبها ما أصابهم، ان موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب) [75].

وذكر تعالى عن أصحاب الكهف انهم حين أرسلوا احدهم ليشتري لهم طعاما أوصوه بكتمان أمره: (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه الى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف و لا يشعرن بكم أحدا، انهم ان يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذن أبدا) [76].

ولقد كتم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره في بدء الدعوة عن عامة الناس، ولم يحدث بها الا من كان يثق به ويطمئن إليه من المقربين له من أقربائه وأصفيائه، ثم جعل هؤلاء يحدثون من يثقون بهم، حتى أمر بالجهر بالدعوة بعد ثلاث سنوات من بدايتها، وكانت هذه السرية في الدعوة كما هو واضح من السيرة بوحي من الله عز وجل.

والغرض من الجهر ان يتبين للناس حقيقة الدعوة وغايتها ومنهاجها وقيمها، وتصوراتها وتفسيراتها، وان تبين للناس غاية وجودهم، ودورهم في هذه الأرض، وما هو مآلهم وماذا يجب عليهم، وما هي نوع علاقتهم بالحياة وبالأحياء والأشياء وبخالقهم قبل كل شيء (يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس).

وهكذا ينبغي ان يكون الجهر، وهو لا يتعارض مع السرية والكتمان إذ ان لكل مجاله وموضوعه ولذلك وجدنا الرسول صلى الله عليه وسلم جمع بين الجهر والكتمان.

فكان يجتمع بأصحابه سرا في دار الأرقم بن أبي الأرقم، بل ان الهجرة بدأت أول ما بدأت سرا، ويوم ان سعى رسول الله صلى الله عليه وسلم الى الطائف وردوا عليه ذلك الرد المنكر القبيح اللئيم قال لهم: "اذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني" وبيعة العقبة الثانية بين الرسول صلى الله عليه وسلم والأنصار كانت في غاية السرية.

فالفهم الدقيق والإيمان العميق والوعي الكامل كل ذلك يشكل عند المسلم المخلص لدينه ملكة تبصره بمصلحة الدعوة و "المسلم كيس فطن" لا يتحرك الا لحماية دعوته وجماعته.

ان الصحابي الجليل معاذ بن جبل حين اخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث: "من عبد الله لم يشرك به شيئا دخل الجنة" قال له معاذ: أأبشر به قال: " لا حتى لا يتكلوا" فكتمه معاذ ولم يخبر به أحدا حتى اقتربت منيته.

وهذا حذيفة يأتمنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذكر له أسماء المنافقين، ويسأله عمر بن الخطاب اذكرني عندك رسول الله يا حذيفة؟ فما اخبر أحدا بأسماء المنافقين الذين ذكرهم له رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأما فاطمة رضي الله عنها فتدخل على أبيها صلى الله عليه وسلم وعنده زوجاته فيستقبلها مرحبا ويجلسها على يمينه ثم يسر إليها بكلمات فإذا هي تبكي في الأولى، وتضحك في الثانية فتطلب منها السيدة عائشة ان تخبرها بما قاله أبوها لها، فتقول: ما كنت لأفشي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سرا، فلما مات صلى الله عليه وسلم ألحت عليها عائشة ان تخبرها فقالت: اما الآن فنعم، اما حين سارني في المرة الأولى فاخبرني ان جبريل كان يعارضه القران في كل سنة مرة أو مرتين وانه عارضه الآن مرتين "واني لأرى الأجل قد اقترب، فاتقي الله واصبري فانه نعم السلف أنا لك"، فبكيت بكائي الذي رأيت، فلما رأى جزعي سارني في الثانية، فقال: "يا فاطمة اما ترضين ان تكوني سيدة نساء هذه الأمة؟" فضحكت ضحكي الذي رأيت[77].

وأما عبد الله بن عمر رضي الله عنه فيحكي لنا ان عمر رضي الله عنه حين تأيمت حفصة قال: لقيت عثمان بن عفان رضي الله عنه، فعرضت عليه حفصة، فقلت: ان شئت أنكحتك حفصة بنت عمر قال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي ثم لقيني فقال: قد بدا لي ان لا أتزوج من يومي هذا، فلقيت أبا بكر الصديق رضي الله عنه، فقلت: ان شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئا، فكنت عليه أوجد[78] مني على عثمان، فلبثت ليالي ثم خطبها النبي صلى الله عليه وسلم فانكحتها إياه فلقيني أبو بكر، فقلت: نعم، قال: فانه لم يمنعني ان ارجع إليك فيما عرضت علي الا اني كنت علمت ان النبي صلى الله عليه وسلم ذكرها فلم اكن لأفشي سر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها النبي صلى الله عليه وسلم لقبلتها[79].

ان مثل هؤلاء الرجال الذين يؤتمنون على الأسرار فلا يفشونها وان ظن البعض انها أمور بسيطة، رجال صدق، تربوا التربية الإسلامية السليمة على يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعرفوا  متى يجهرون بالقول ومتى يسرون لا يفرقون بين صغير الأمر وكبيره، فكانوا أمناء على الكلمة وعلى الدعوة، وكانوا جديرين بان نستن بسنتهم ونقتفي أثرهم في جهرهم وكتمانهم.

 



[1] سورة البقرة الآية 165

[2] التوبة الآية 24

[3] التغابن الآية 31

[4] آل عمران الآية 31

[5] سورة المائدة الآية 54

[6] سنتناول بمشيئة الله تعالى في غير هذا الكتاب ركن الاخوة بشيء من التفصيل

[7] متفق عليه

[8] متفق عليه

[9] رواه مسلم

[10] طريقه

[11] تقوم بها

[12] رواه مسلم

[13] رواه ابو داود باسناد صحيح

[14] رواه مسلم

[15] رواه مسلم

[16] أي الهنيء والذي يأتيك بلا مشقة

[17] اخرجه الامام احمد

[18] احاديث صحيحة

[19] سورة آل عمران الآية 103

[20] سورة الانفال الآية 63

[21] سورة محمد الآية 38

[22] رواه احمد والترمذي وابن خزيمة وبن حبان والحاكم

[23] رواه البخاري

[24] تقلب على فراشه

[25] رواه احمد واسناده صحيح على شرط الصحيحين

[26] الدعوة الى الاسلام واركانها الشيخ احمد عز الدين البيانوني ص 108

[27] سورة الصافات 171-172

[28] سورة النور الآية 62

[29] سورة النور 47-50

[30] القيادة والجندية في الاسلام الدكتور محمد السيد الوكيل ج2 ص 90، 93 بتصرف

[31] سورة المجادلة الآية 22

[32] سورة هود الآية 45-46

[33] سورة مريم الآية 48

[34] سيرة ابن هشام 2/686 طبعة دار الفكر

[35] سورة التحريم الآية 60

[36] سورة المائدة الآية 51

[37] سورة النساء الآية 89

[38] سورة الممتحنة الآية 1

[39] رواه الطبراني في الكبير

[40] سورة التوبة الآية 71

[41] سورة المائدة الآية 51

[42] سورة الممتحنة الآية 8

[43] القيادة والجندية في الاسلام ج2 ص 89 الدكتور محمد السيد الوكيل

[44] القيادة والجندية في الاسلام ج2 ص 95

[45] رواه مسلم ج1 ص 53

[46] القيادة والجندية في الاسلام ج1 ص 199 بتصرف

[47] سيرة ابن هشام ج2 ص 620

[48] الصديق ابو بكر ص 72

[49] عبقرية عمر ص 108

[50] سورة المائدة الآية 27

[51] سورة الصف الآية 2 - 3

[52] صفوة التفاسير سورة الصف

[53] سورة التوبة الآية 77

[54] سورة مريم الآية 47

[55] سورة الشعراء الآية 86

[56] سورة التوبة الآية 113

[57] سورة التوبة الآية 114

[58] سورة ابراهيم الآية 22

[59] البخاري

[60] رواه مسلم

[61] صحيح البخاري كتاب الاستقراض – باب من استعاذ من الدين

[62] سورة المائدة الآية 1

[63] سورة مريم الآية 54

[64] رواه النجار عن جابر بن عبد الله

[65] كتاب التوابين للمقدسي

[66] الخلق الكامل محمد احمد جاد المولى ج4 ص 162

[67] رواه ابو داود والترمذي وحسنه من حديث جابر

[68] رواه ابن ابي دنيا من حديث ابن شهاب مرسلا

[69] الاحياء للغزالي ج8 ص 1237

[70] سورة آل عمران الآية 187

[71] ذكره الاسيوطي في الجامع الصغير وصححه

[72] سورة النساء الآية 83

[73] رهوا: ساكنا هادئا على حاله

[74] سورة الدخان الآية 23 -24

[75] سورة هود الآية 81

[76] سورة الكهف الآية 19 - 20

[77] متفق عليه

[78] أغضب

[79] البخاري

|السابق| [1] [2] [3] [4] [5] [6] [7] [8] |التالي|


الكتب الخاصة بنفس الكاتب

الإخلاص 

التضحية والفداء في الإسلام 

منهاج حسن البنا بين الثوابت والمتغيرات 

موسوعة الكتب الحركية Book Select Book Select Book Select


 

خطة الموقع

منهج الحركة

 

قيد الإضافة

كلمة الشهر

الحركة في سطور

 
 

الإستفتاء

 

 

اشترك

 

المحاضرات

الفقه

الظلال

الكتب

الأعلام

الرئيسية

جميع الحقوق الفكرية محفوظة لكل مسلم

 
 

إدارة الموقع غير مسئولة من الناحية القانونية عن أي محتوى منشور

 

Hosted by clicktohost.ca