مقالات مختارة
| عنوان المقال: | رسالة التعاليم في ظلال سورة آل عمران 1\2 |
| الكاتب: | السيد محمد مفيد الخالد |
| التصنيف: | مفاهيم |
| المصدر: | الشبكة الدعوية |
رسالة التعاليم في ظلال سورة آل عمران 1\2
قراءة من كتاب( رسالة التعاليم في ظلال سورة آل عمران ) ( 1/2 )
تأليف : محمود السباعي
إعداد : محمد مفيد الخالد
mofeedkd@yahoo.com
المقدمة
إن هذا القرآن هو كتاب هذه الدعوة... هو روحها وباعثها... وهو قوامها وكيانها... وهو حارسها وراعيها... وهو بيانها وترجمانها... وهو دستورها ومنهجها... وهو في النهاية المرجع الذي تستمد منه الدعوة – كما يستمد منه الدعاة وسائل العمل ومناهج الحركة وزاد الطريق. يقول المؤلف : ولقد منَ الله عليَ بمعايشة ومجالسة وحفظ سورة آل عمران، وتفضل علىَ بمزيد عفوه ومغفرته ورحمته بأن أعانني على تذوق حلاوة الإيمان في ظلها، واجتمع لي مع ذلك... قراءتي لرسالة التعاليم للإمام الشهيد حسن البنا قراءة اطلاع وحفظ وفهم، فكان خاطراً جال في فكري وسيطر عليَ وهو: لماذا لا تقرأ رسالة التعاليم في ظلال سورة آل عمران ؟ المدخل إلى الموضوع
أولا : فضل سورة آل عمران :
حدث عبد الله بن بريدة عن أبية قال : كنت جالساً عند النبي ( صلى الله عليه وسلم ) فسمعته يقول (صلى الله عليه وسلم ) \"تعلموا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة \". قال : ثم سكت ساعة ثم قال : \" تعلموا سورة البقرة وآل عمران فإنهما الزهراوان يظلان صاحبهما يوم القيامة، كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف \". والمقصود بالزهراويه : المنيرتان، والغيامة : ما أظلك من فوقك، والفرق : القطعة من الشيء، والصداف : المصطفة المتضامة، والبطلة : السحرة. ويذكر القرطبي – رحمه الله : أن البقرة وآل عمران سميتا بالزهراوين لما يترتب على قرائتهما من النور التام يوم القيامة. ويذكر كذلك أنهما اشتركتا فيما تضمنه اسم الله الأعظم كما ذكره أبو داود وغيره : عن أسماء بنت زيد أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) قال : \" اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين [ وإلهكم إلهُ واحدُ لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ] – البقرة 163 -، والتي في آل عمران- 2- : [ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ] \" وكما جاء في الحديث : \" إن من قرأ [ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ] – آل عمران 18 ، خلق الله سبعين ملكاً يستغفرون له إلى يوم القيامة \". وروى عن عائشة (رضي الله عنها ) أنها قالت : لما نزلت : [ إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار... ] الآيات – آل عمران 19 – قام (صلى الله عليه وسلم ) يصلي فأتاه بلال يؤذنه بالصلاة فرآه يبكي، قال : يا رسول الله، أتبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال (صلى الله عليه وسلم) \" يا بلال، أفلا أكون عبداً شكوراً ولقد أنزل الله علي الليلة آية \"، فتلاها (صلى الله عليه وسلم) ثم قال : \" ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها \".
ثانيا : تعريف برسالة التعاليم :
رسالة التعاليم واحدة من أهم رسائل الإمام الشهيد، وقد جاءت نموذجاً فريداً يحدد أو يرسم بعناية ضوابط الفهم ودعائم التربية وأصول الحركة لجماعة الإخوان المسلمين. وهي رسالة اعتبرها الإمام الشهيد أنها ليست دروساً تحفظ، لكنها تعليمات تنفذ، وهي تكاد تضطلع بمهمة عظمى تتمثل في جمع كلمة المسلمين عامة، وتوحيد صفوفهم والاستفادة من جهادهم وتضحياتهم في سبيل التمكين لدين الله في الأرض عملاً بقوله تعالى [ واعتصموا بحبل الله جميعاً و لا تفرقوا ] – آل عمران 13 ، وقراءة هذه الرسالة الهامة في ظلال سورة آل عمران، على فضلها ومكانتها العظيمة إنما هو من باب التأصيل لمنهج العاملين للإسلام، والرد إلى الأصول القرآنية التي يستقى منها كل العاملين قيادة وجنداً... مناهجهم وأهدافهم ووسائلهم. الركن الأول : ركن الفهم
يستحيل لأمة الإسلام أن تحقق تمكيناً لهذا الدين إلا إذا قام على أساس من الفهم الصحيح. إننا جميعاً في حاجة إلى ما يمكن تسميته \" فقه الفهم \" والذي تدور تساؤلاته على النحو التالي : ماذا نفهم ؟ وممن نفهم ؟ ولماذا نفهم ؟ وكيف نفهم ؟ وهذا ما يمكن أن نتجول حوله سياحة في الأصول العشرين لركن الفهم عند الإمام الشهيد – رحمه الله. أولا : ماذا نفهم ؟
وهو تساؤل هام لمن يريد الفهم الصحيح.. وهو ماذا نريد أن نفهم ؟
لقد تشتت جهود المسلمين وتفرق جمعهم، ذلك حين توجهوا الى فهم الأفكار والدعاوى المعاصرة من شيوعية ملحدة، وعلمانية عمياء، ورأسمالية وغيرها. والعجيب أن أكثرهم ألقى بالإسلام بعيدا عن مجرد محاولة الفهم الصحيح له فهل نجح هؤلاء ؟ لا بل فشلوا فشلا ذريعا حين سقطت الشيوعية في عقر دارها وحين راحت العلمانية تتخبط في دياجير الظلام. الكل الآن يبحث عن منهج يخلصهم من سلبيات تلك الأفكار والمبادئ الناقصة.إذن ماذا نريد أن نفهم ؟ أنه الإسلام ولماذا الإسلام وحده ؟ لأن الله الخالق للكون كله إنسه وجنه... دوابه وجماداته... هو الذي ارتضى سبحانه أن يكون الإسلام منهج حياة للبشر كل البشر يقول تعالى [ إن الدين عند الله الإسلام ] – آل عمران 19 – وهذه حقيقة أراد بها الله تعالى أن تثبت في عقيدة المسلم أنها ألوهية واحدة، عقيدة التوحيد الخالص الناصع. ولأن الإسلام هو المنهج الرباني الذي ارتضاه الله منهج حياة للبشر ، فإننا نجد التأكيد على هذه الحقيقة في كثير من الآيات. يقول الله تعالى :[ أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون ] – آل عمران 83، ويقول الله تعالى: [ ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ] – آل عمران 85، وما يجب أن نفهمه ونفقهه هو أن دين الله واحد جاءت به الرسل جميعاً، وتعاقدت عليه الرسل جميعاً. ومن هنا، فلن يكون الإسلام إذن هو النطق بالشهادتين دون أن يتبع ذلك شهادة أن لا إله إلا الله معناها وحقيقتها، وهي توحيد الألوهية، وتوحيد القوامة، ثم توحيد العبودية وتوحيد الاتجاه، ودون أن يتبع شهادة أن محمداً رسول الله معناها وحقيقتها، وهي التقيد بالمنهج الذي جاء به من عند ربه للحياة، واتباع الشريعة التي أرسله بها و التحاكم إلى الكتاب الذي حمله إلى العباد. وتهذيبها خلقياً وإرشاداً روحياً دون أن يتبع هذا كله آثاره العملية ممثلة في منهج للحياة موصول بالله الذي تتوجه إليه القلوب بالعبادات. ولهذا نؤمن جميعاً بما آمن به الإمام الشهيد ونادى به في الأصل الأول من أصول الفهم العشرين، وهو أن الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعاً فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة وهو خلق وقوة أو رحمة وعدالة وهو ثقافة وقانون، أو علم وقضاء وهو مادة وثروة أو كسب وغنى وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة. والإسلام وحده هو المخلص، لأنه نظام شامل لكل نواحي الحياة، ولذا ارتضاه الله نظام الحياة.
أدلة الشمول في سورة آل عمران :
انك لتقرأ في مجال العقيدة والعبادة [ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ] – آل عمران 18، وإنك لتقرأ في مجال الحكم والقضاء والسياسة : [ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنت تدرسون ] – آل عمران 79، وإنك لتقرأ في مجال الدين والتجارة : [ ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون – 75 - بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين ] – آل عمران 76، وإنك لتقرأ في مجال الدعوة والجهاد والقتال والغزو : [ ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ] – آل عمران 104، وإنك لتقرأ في مجال الآداب العامة وشؤون الاجتماع : [ يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة ً واتقوا الله لعلكم تفلحون ] – آل عمران 130، فهذا هو الإسلام، الفكرة والمنهج، والمعرفة، والعمل، وهذه حقيقة وجوب اتباعه والانقياد لأمره ونهيه والاستسلام له وحده. ثانيا : ممن نفهم ؟
بعد معرفتنا بماذا نريد أن نفهم، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن ومن أين نفهم الإسلام ؟
1- الخلق والمخلوق :
خالق الإنسان هو الله وحده يعلم ما يصلحه وما يفسده. ومن هنا جاءت رسالة الإسلام من عند الله تعالى تحمل منهج إرشاد وتوجيه وهداية للإنسان يقول تعالى [ الله لا إله إلا هو الحي القيوم -2- نزل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل -3- من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان ] – آل عمران - فهذه الآية تقرر وحدة الجهة التي تتنزل منها الكتب وهي تقرر وحدة الدين ووحدة الحق التي تتضمنه الكتب المنزلة من عند الله، وهذا القرآن. إذن المصدر الذي تتلقى منه الفهم الصحيح للإسلام يتمثل في مرجعين أساسين هما القرآن والسنة،
2- وحدة التلقي وصحة التصور و العقيدة :
لقد أمرنا الله عز وجل بطاعته وطاعة رسوله ( صلى الله عليه وسلم ) حين قال سبحانه : [ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم-31- قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يجب الكافرين ] – آل عمران 32،
3- السنة :
قال تعالى : [ لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ] – آل عمران 164، وقد فسر ابن كثير قوله تعالى [ ويعلمهم الكتاب والحكمة ] يعني القرآن والسنة. ولقد قرن الله عز وجل في آيات كثيرة طاعته عز وجل بطاعة رسوله (صلى الله عليه وسلم ) [ قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين ] – آل عمران 32، ومن هنا إن المسلم لا غنى له عن القرآن والسنة معاً في معين لفهم الإسلام الصحيح. ولهذا قرر الإمام الشهيد المرجعية لفهم الإسلام في قوله في الأصل الثاني : القرآن الكريم والسنة المطهرة مرجع كل مسلم في تعرف أحكام الإسلام، ويفهم القرآن طبقاً لقواعد اللغة العربية من غير تكلف ولا تعسف ويرجع في فهم السنة المطهرة إلى رجال الحديث الثقات.
ثالثا : لماذا الفهم ؟
إن للفهم أولوية وسبق على ما سواه، وهذا ما يجب تناوله فيما نسميه فقه الفهم ، وإجابة ذلك :
1- لأن الفهم الصحيح ضرورة ليحفظ صاحبه من الضلال والفتن [ والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب ]- آل عمران 7 -.
2- لأن استخلاص العبر والعظات تحتاج إلى أولى العقول الفطنة القادرة على الفهم الصحيح [ قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار ]- آل عمران 13 -،
3- لأن الفهم الصحيح يقود صاحبة إلى عقيدة صحيحة تقر بالألوهية لله وحده والحاكمية له وحده [ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ] – آل عمران 18 -
4- لأن في الفهم ضرورة لجوهر ما يتم تعلمه، فيكون عصمة من الظلم والبغي كما حدث مع الذين أتوا الكتاب [ إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم ] – آل عمران 19 –
5- لأن الأركان التسعة الأخرى تحتاج جميعها إلى الفهم الصحيح فكانت حكمة الإمام الشهيد رحمه الله أن يجعل الفهم أول أركان البيعة.
6- والفهم الصحيح للإسلام ضرورة، لأنه الاجتماع على قواعد وأصول الدين الثابتة، لأن الأصل بين المسلمين : الاعتصام، والوحدة وعدم التنازع : [ واعتصموا بحبل الله جميعاًُ ولا تفرقوا ] – آل عمران 103، يقول الإمام الشهيد في الأصل الثامن : والخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سببا للتفرق في الدين ولا يؤدي إلى خصومة أو بغضاء، ولكل مجتهد أجره، ولا مانع من التحقيق العلمي النزيه في مسائل الخلاف في ظل الحب في الله والتعاون على الوصول إلى الحقيقة من غير أن يجر ذلك إلى المراء المذموم والتعصب.
7- والفهم الصحيح للإسلام ضرورة، لأنه يضبط أقوالنا وأفعالنا وتصرفاتنا وتساؤلاتنا وأعمالنا يقول الإمام الشهيد : وكل مسالة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها من التكلف الذي نهينا عنه شرعاً،
8- والفهم الصحيح ضرورة، لأنه يحفظ علينا عقيدتنا من أي ضلالات أو بدع، لأنه كما قلنا : الفهم الصحيح يفرض علينا الالتزام بكتاب الله وسنة رسوله ( صلى الله عليه وسلم )، فجاء التحذير من الله من ألا ننخدع في أولئك المبتدعين في الدين، يقول تعالى [ وإن منهم لفريقاً يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون ] – آل عمران 78، يقول الإمام الشهيد في الأصل الحادي عشر : وكل بدعة في دين الله لا أصل لها استحسنها الناس بأهوائهم سواء بالزيادة فيه أو بالنقص فيه، ضلالة تجب محاربتها والقضاء عليها بأفضل الوسائل التي لا تؤدي إلى ما هو شر منها ويقول الإمام الشهيد أيضا في الأصل الثاني عشر : والبدعة الإضافية والتزكية والالتزام في العبادات المطلقة خلاف فقهى لكل فيه رأيه، ولا بأس بتمحيص الحقيقة بالدليل والبرهان،
9- والفهم الصحيح ضرورة، لأنه يدلنا على الموقف السليم من الصالحين والأولياء وكراماتهم، كما أرادها الله ورسوله (صلى الله عليه وسلم). وقد عرف الله في سورة آل عمران الأولياء المؤمنين المتقين فقال تعالى : [ والله ولي المؤمنين ] – آل عمران 68، وقال تعالى – بعد تحذيره المؤمنين من طاعة الذين كفروا : [ بل الله مولاكم وهو خير الناصرين ] – آل عمران 150، يقول الإمام الشهيد في الأصول الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر على التوالي : *ومحبة الصالحين واحترامهم والثناء عليهم بما عرف من طيب أعمالهم قربة إلى الله تبارك وتعالى والأولياء هم المذكورون في قوله تعالى (الذين آمنوا وكانوا يتقون) – يونس 63- *وزيارة القبور أيا كانت سنة مشروعة بالكيفية المأثورة، ولكن الاستعانة بالمقبورين أيا كانوا وندائهم لذلك وطلب قضاء الحاجات منهم عن قرب أو بعد والنذر لهم، وتشييد القبور، وسترها وإضاءتها والتمسح بها والحلف بغير الله، وما يلحق بذلك من المبتدعات كبائر تجب محاربتها ولا نتأول لهذه الأعمال سداً للذريعة *والدعاء إذا قرن بالتوسل إلى الله بأحد من خلقه خلاف فرعي في كيفية الدعاء وليس من مسائل العقيدة.
10- والفهم الصحيح للإسلام ضرورة، لأنه يحفظ علينا ديننا من أن ينال منه اتهام كفر وخروج عن الملة. كما يحفظنا من أن نطلق ألسنتنا فنكفر هذا ونفسق هذا ونتهم هذا في إيمانه، وفي يقيني أن واقع الأمة ليس بحاجة إلى مزيد من فرقة واختلاف. فمن رحمة الله بالمؤمنين أنه لا يطردهم من دينه بما همت به نفوسهم من فعل فيه ما يغضبه سبحانه، بل أكد الله أنه وليهم [ إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون ] – آل عمران 122، يقول الإمام الشهيد في الأصل العشرين لا تكفر مسلما أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض- برأي أو معصية- إلا إن أقر بكلمة الكفر أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة، أو كذب صريح القرآن، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال، أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر. رابعا : كيف نفهم ؟
بعد أن يفقه المسلم هيمنة الإسلام على ما سواه من الشرائع وبعد أن يفقه أن فهم الإسلام يأتي من القرآن والسنة وبعد أن يفقه فرضية هذا الفهم وضرورته وأهميته، إذا به يتساءل في شوق ويقين ورغبة صادقة للفهم الصحيح.. وكيف نفهم ؟ ويمكننا الوقوف على الوسائل الآتية لتوضيح ذلك :
1- معرفة الله تعالى :
[ الله لا إله إلا هو الحي القيوم ] آل عمران 2، والله [ والله عزيز ذو انتقام ] آل عمران 4، والله الذي [ لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء ] آ ل عمران 5، والله [ الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء ] آ ل عمران 6، والله [ الوهاب ] آ ل عمران 8، [ الذي لا يخلف الميعاد ] آ ل عمران 9، والله [ شديد العقاب ] آ ل عمران 11، والله الذي [ يؤيد بنصره من يشاء ] آ ل عمران 13، والله سبحانه [ بصير بالعباد ] آ ل عمران 15، والله سبحانه [ قائماً بالقسط ] آ ل عمران 18، والله [ سريع الحساب ] آ ل عمران 19، والله [ مالك الملك ] آ ل عمران 26، والله عليم بما تخفى الصدور وتبديه [ ويعلم ما في السموات وما في الأرض ] آل عمران 29، والله [ على كل شئ قدير ] آل عمران 29، والله [ رؤوف بالعباد] آل عمران 30، ، والله [ غفور رحيم ] آل عمران 31، والله [ لا يجب الكافرين ] آل عمران 32، والله [ سميع عليم ] آل عمران 34، والله [ سميع الدعاء ] آل عمران 38، والله [ يفعل ما يشاء ] آل عمران 40، والله [ ربي وربكم ] آل عمران 51، والله [ خير الماكرين ] آل عمران 54، والله [ عليم بالمفسدين ] آل عمران 63، والله [ ولي المؤمنين ] آل عمران 68، والله الذي [ لا يهدي القوم الظالمين ] آل عمران 86، والله الذي [ غني عن العالمين ] آل عمران97، والله الذي [ شهيد على ما تعملون ] آل عمران 98، والله من يعتصم به [ فقد هدي إلى صراط مستقيم ] آل عمران 101، والله [ عليم بالمتقين ] آل عمران 115، والله [ عليم بذات الصدور ] آل عمران 119، والله [ بما يعملون محيط ] آل عمران 120، والله [ يحب الصابرين ] آل عمران 146، والله [ خير الناصرين ] آل عمران150، والله [ خبير بما تعملون ] آل عمران 153، والله [لا يضيع أجر المؤمنين ] آل عمران 171، والله [ ذو فضل عظيم ] آل عمران 174، ولله له [ ميراث السموات والأرض ] آل عمران 180، والله [ ليس بظلام للعبيد ] آل عمران 182، والله [ عنده حسن الثواب ] آل عمران 195، رحم الله الإمام الشهيد حين قال في الأصل العاشر من أصول الفهم : \" معرفة الله تعالى وتوحيده وتنزيهه أسمى عقائد الإسلام وآيات الصفات وأحاديثها الصحيحة وما يليق بذلك من التشابه نؤمن بها كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل، ولا تعرض لما جاء فيها من خلاف بين العلماء ويسعنا ما وسع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ( والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) – آل عمران 7
2- العقيدة أساس العمل :
فالعقيدة الفاسدة إذا قدم صاحبها عملا صالحا فهو غير مقبول عند الله تعالى : [ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ]- آل عمران 85، وأصحاب العقيدة الفاسدة لن يقبل منهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به : [ إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين ] - آل عمران 91، أما صاحب العقيدة السليمة فهو الذي يعلن تصديق إيمانه بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقدره خيره وشره [ قل آمنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون ] - آل عمران 84، وفي هذا المعنى يقول الإمام الشهيد في الأصل السابع عشر : العقيدة أساس العمل وعمل القلب أهم من عمل الجارحة وتحصيل الكمال في كليهما مطلوب شرعا وإن اختلفت مرتبتا الطلب.
3- الإيمان – العبادة - المجاهدة :
ومن وسائل الفهم الصحيح وطرائقه تحقق الإيمان الصادق للمسلم وتعبده لله عبادة صحيحة ومجاهدته لنفسه في طاعة ربه والبعد عما يغضبه، والإيمان الصادق ينجي صاحبه من الوقوع في فتن تزيغ قلبه [ والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ] - آل عمران 7، انظر إلى سيدنا زكريا عليه السلام حين تأثر بحال مريم – عليها السلام فسمت نفسه وارتقت روحه بالإيمان فراح يختلي بربه في محرابه ليتذوق حلاوة الإيمان ونوره وعطاء الله له [ هنالك دعا زكريا ربه قال ربي هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء –38- فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين ] - آل عمران 39 يقول الإمام الشهيد في الأصل الثالث من أصول الفهم : وللإيمان الصادق والعبادة الصحيحة والمجاهدة نور، وحلاوة يقذفها الله في قلب من يشاء من عباده، ولكن الإلهام والخواطر والكشف والرؤى ليست من أدلة الأحكام الشرعية ولا تعتبر إلا بشرط عدم اصطدامها بأحكام الدين ونصوصه ويقول رحمه الله في الأصل الرابع : والتمائم والرقى والودع والرمل، والمعرفة، والكهانة، وادعاء معرفة الغيب، وكل ما كان من هذا الباب منكر تجب محاربته إلا ما كان آية من قرآن أو رقية مأثورة فيكون الإيمان والعبادة والمجاهدة والارتباط بكتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) طريق الفهم الصحيح للإسلام ولرب الإسلام ورسول الإسلام.
4- العقل :
ولكي يقوم العقل بهذه الوظيفة كان لابد من تحريره من كل سلطان يكبله ويعيقه عن القيام بهذه الوظيفة فليس للأوهام والخرافات وليس للهوى والتقليد الأعمى قيد على العقل طالما أنه حر من هذه المعوقات ويقوم العقل بهذه الوظيفة فيهدي صاحبه إلي الحق بأن ينشغل بالتفكير في خلق السماوات والأرض ويهتدي منها إلى قوة الإيمان بالله تعالى ولهذا جاء التقرب كعبادة لتحقق هذا الهدف العظيم يقول تعالى : [ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب-190-الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ] - آل عمران 191، يقول الإمام الشهيد في الأصل الثامن عشر : والإسلام يحرر العقل ويحث على النظر في الكون، ويرفع قدر العلم والعلماء ويرحب بالصالح النافع من كل شيء، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها. والعقل يأخذ بيد صاحبه إلى العلم الراسخ الذي يهدي صاحبه إلي ربه : [ والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب ] - آل عمران 7 ولهذا يقول الإمام الشهيد في الأصل التاسع عشر : وقد يتناول كل من النظر الشرعي والنظر العقلي ما لا يدخل في دائرة الآخر ولكنهما لن يختلفا في القطعي فلن تصطدم حقيقة علمية صحيحة بقاعدة شرعية ثابتة ويؤول الظني منهما ليتفق مع القطعي فأن كانا ظنيين فالنظر الشرعي أولى بالاتباع حتى يثبت العقلي أو ينهار، وتوظيف العقل في هداية صاحبه يحفظه من أن يخدع من الأعراف الزائفة والمصطلحات المضللة فيأتي العقل ويقف على صحة هذه المصطلحات فلا ينخدع صاحبه بل يزداد يقينه و إيمانه وهذا ما قرره الإمام الشهيد في الأصل السادس عشر من أصول الفهم الصحيح يقول رحمه الله : والعرف الخاطئ لا يغير حقائق الألفاظ الشرعية بل يجب التأكد من حدود المعاني المقصود بها الوقوف عندها كما يجب الاحتراز من الخداع اللفظي في كل نواحي الدنيا والدين فالعبرة بالمسميات لا بالأسماء وهكذا يكون العقل وسيلة للهداية والفهم الصحيح.
5- وإنما العلم بالتعلم :
والله عز وجل شرف العلماء بأن قرنهم باسمه واسم ملائكته فأنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن اسم العلماء يقول تعالى : [ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم ] آل عمران 18، فأن كانوا كذلك وجب علينا إتباعهم والأخذ من علمهم الفهم الصحيح. وقد حدد الإمام الشهيد بعضا من الضوابط في اتباع رأي الإمام ونائبه بما لا يصطدم مع الشرع وقواعده، يقول رحمه الله في الأصل الخامس : ورأى الإمام ونائبه فيما لا نص فيه وفيما يحتمل وجوها عدة، وفي المصالح المرسلة معمول به ما لم يصطدم بقاعدة شرعية، وقد يتغير بحسب الظروف والعرف والعادات والأصل في العبادات التعبد دون الالتفات إلى المعاني وفي العاديات الالتفات إلي الأسرار والحكم والمقاصد، ثم ذكرنا رحمه الله أن هؤلاء العلماء ليسوا معصومين من الخطأ حيث قال في الأصل السادس : وكل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم، وكل ما جاء عن السلف الصالح – رضوان الله عليهم – موافق للكتاب والسنة قبلناه، وإلا فكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أولى بالإتباع، ولكن لا شيء حتى للأشخاص فيما اختلف فيه بطعن أو بجرح فكلهم إلى نياتهم وقد أفضوا إلى ما قدموا، ثم أوجب رحمه الله التعلم على يد إمام فقيه حيث يقول في الأصل السابع : ولكل مسلم لم يبلغ درجة النظر في أدلة الأحكام الفرعية أن يتبع إماما من أئمة الدين، ويحسن مع هذا الإتباع أن يجتهد ما استطاع في التعرف على الأدلة، وأن يتقبل كل إرشاد مصحوب بالدليل متى صح عنده صلاح من أرشده وكفايته، وأن يستكمل نقصه العلمي إن كان من أهل العلم حتى يبلغ درجة النظر. وبهذا يكون التعلم على يد العلماء وسيلة للفهم الصحيح. وبالوسائل الخمس السابقة ( معرفة الله تعالى – بناء العقيدة السليمة – والإيمان والعبادة والمجاهدة – والعقل – والعلماء )، نحقق لأنفسنا الفهم الصحيح الذي به تصح مسيرتنا وأعمالنا وعلاقتنا بالله تعالى.
يتبع ان شاء الله