"قالت ""السيدة عائشة "" رضى الله عنها:
دخل "" أبو بكر"" على رسول الله صلى الله عليه و سلم، وهو مضطجع وعليه ثوب، فقضى حاجته وخرج، ودخل ""عمر"" فقضى حاجته وخرج، ثم جاء ""على"" فقضى حاجته وخرج، ثم جاء ""عثمان "" فجلس له رسول الله صلى الله عليه و سلم، فقالت له عائشة: لم تصنع هذا بأحد!، فقال: إن ""عثمان"" رجل حيى، وإنى أخشى إن أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ إلى فى حاجته.
وقريب من هذا الخبرما جاء فى بعض الأحاديث:
فقد أذن رسول الله صلى الله عليه و سلم للناس، فكان آخر من دخل عليه "" أبو سفيان بن حرب ""، فقال: يارسول الله.. لقد أذنت للناس قبلى، حتى ظننت أن حجارة الخندق ليؤذن لها قبلى!، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: ""كل الصيد فى بطن الفرا"".
أى: لك وحدك مثل ما لهم كلهم.
""كل الصيد فى بطن الفرا"" لم يقصد إلى الدلالة على مكانته وحدها، وإنما خرج بهذا الكلام من مقام حرج!، فإن قول "" أبى سفيان "": حتى طننت أن حجارة الخندق ليؤذن لها قبلى، ليصور أوضح تصوير ثورة أعصابه، وهيجان نفسه، وشدة غضبه، ومن يدرى ما كان يجر إليه هذا الكلام، لو لم يسرع إلى التخفيف من هذه الثورة والغضب!
إن "" محمدا "" صلى الله عليه و سلم قد رأى فى وجه "" أبى سفيان "" هذا كله، فتلافى الأمر بمحاسن كلمته، ولطائف فطنته، فإن قوله عليه السلام : "" كل الصيد فى بطن الفرا"" قلب "" أبا سفيان "" من حال إلى حال فى أقل من رد النفس، فقد قلبه من الغضب إلى الرضا، ومن الثورة إلى الهدوء!، ومهما يقل الرسول صلى الله عليه و سلم "" لأبى سفيان "" هذا الكلام.. فقد كان "" أبو سفيان "" مستعدا لقبوله!!.
وأسلوب مثل هذا الأسلوب فى معاملة الناس المتميزين.. ليس بالأمر الهين، فليس الأمر باليسير، أن يدخل عليك رجل يستشيط غيظا، ويتلظى غضبا، وترى هذا كله فى وجهه، ثم تخرجه فى أقل من لمحة من حاله إلى حال أخرى!.
لقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم عالما بنفوس جماعته وصحابته، واقفا على دقائق أخلاقهم، محيطا بغوامض أمزجتهم، يعلم ما يغضب له فلان من الصحابة، وما يرضى فلانا، ويعرف ما يستثير فلانا، وما يهدأ به فلان، فعامل كل واحد منهم المعاملة المناسبة له، اللائقة به، حتى أشربت القلوب محبته، وانطوت على طاعته، فلم ينفض أحد من حوله، وهذا منتهى الحذق فى سياسة الناس (و لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) آل عمران: 159"