ومما يجدر ذكره أن الأستاذ البنا يأخذ بالنظام الانتخابي في إفراز أهل الشورى أو أهل الحقل والعقد، وأنه لا يتناقض مع قواعد الإسلام وأحكامه، بل هو متفق معها وهو ممارسة حقيقية للشورى على أوسع نطاق.
ومع هذا فقد انتقد الانتخابات التي تجري في مصر لن المنتخبين لا يمثلون إرادة الأمة، وهذا يعود إلى الهيئة الانتخابية وعدم قدرتها لاختيار الأكفاء، كما يعود أيضاً إلى عدم كفاءة المرشحين وشيوع التزوير والرشوة وشراء الذمم.
وإزاء هذا فقد نادى رحمه الله بتعديل قانون الانتخابات حتى يفرز الممثلين الكفؤين للشعب، وذكر خمسة وجوه للإصلاح هي:
وضع شروط للمرشحين فإن كانوا ممثلين لهيئات فلا بد أن يكون لهم برامج واضحة وأغراض مفصلة يتقدم على أساسها هؤلاء المرشحون.
وضع حدود للدعاية الانتخابية، وفرض عقوبات على من يخالف هذه الحدود كتجريح الأشخاص والأسر التي لا دخل لها في أهلية المرشح، وينبغي أن تدور الدعاية حول المناهج والخطط الإصلاحية.
إصلاح جداول الانتخابات وفرض التصويت إجبارياً.
وضع عقوبة قاسية للتزوير من أي نوع كان، وللرشوة الانتخابية كذلك.
تبني الانتخابات بالقائمة لا الانتخاب الفردي حتى يتحرر النواب من ضغط ناخبيهم، وتحل المصالح العامة محل المصالح الشخصية في تقدير النواب والاتصال بهم.
انظر مشكلاتنا الداخلية في ضوء النظام الإسلامي ص379-380.
أقول: إن دعوة الإمام إلى اعتماد القوائم في الانتخابات، وهذه القوائم مبنية على توجهات معينة وقناعات معينة، ومنهج في الإصلاح والتغيير لكل توجه، وكل توجه يعرض منهاجه على الناس ويتعرض لمناقشتهم ومحاورتهم، فإن أيدوا هذا التوجه انتخبوه، وإن لم يؤيدوه لم ينتخبوه، والتوجه نفسه أو الهيئة ذات التوجه هي التي تفرز مرشحيها وتختارهم بناء على مدى إخلاصهم وتفانيهم لتحقيق المنهاج الذي يعملون إليه.
وأقول أيضاً: إن اعتماد القوائم المبنية على توجهات ذات أفكار ومبادئ تفرز رجالاً أكفياء لتولي الحكم، ولا مكان للجهلاء ولا الأغنياء الأغبياء، ولا أهل الفجور ولا الخونة الذين يعتدون على المال العام ويتاجرون بمصالح الأمة.
إن هذه الدعوة التي دعا إليها الإمام – وهي اعتبار الانتخاب إجبارياً، يُشعرك بأهمية ذلك، فهو شهادة، وعلى هذه الشهادة تتقرر مصائر الناس ومصالحهم، وإنَّ ترك الأغلبية الساحقة من الناس (كما حدث في الانتخابات في عهد البنا) الانتخابات ومقاطعتها تمكينñ للقلّة أن تُفرز قلة لا تمثل الأغلبية ولا تسعى لتحقيق مصالحها.
هذا إذا كانت الانتخابات تجري على وجه سليم نزيه، أما إذا تأكد التزييف لإرادة الأمة فقد تكون المقاطعة أجدى وأهدى.
ولكن اقتراحات الأستاذ رحمه الله يكمل بعضها بعضاً، فإذا أخذ بها جميعاً وروعيت بشكل دقيق فينبغي أن يجبر الناس على الانتخاب حتى يفرزوا الأكفياء الحريصين على المصالح العامة لهم.
تأمل الوجه الرابع أو الاقتراح الرابع وهو وضع عقوبة قاسية للتزوير وللرشوة ويعني ذلك الحكم بهذه العقوبة حتى ينزجر الناس ويزجروا لقسوة العقوبة. لا أن تبقى هذه العقوبات حبراً على ورق، كما هو كائن في كثير من البلاد، بل إن المسؤولين في الجزائر وغيرها قد ألغوا إرادة الأمة وزيَّفوها بالحديد والنار.