والموقف إزاء هذه الظاهرة بشيء من البرود واللامبالاة، وندعها تمر، ونترك المتكلمين في المؤتمرات والصحف والمذكرات ليتكلموا على رسلهم ، وبكلمات كبار يها نقد وتقعيد وتخطيط ، والسبب في ذلك رؤية حيوية قدرية أقنعت المربين بأن الموفق هو من وفقه الله تعالى، بذكاء يخلقه فيه ابتداء ، وبنفس ذكية سوية، وشخصية قوية، أو بتيسير في يومياته من بعد خلقه، من صحة وعافية ، ومال يرفعه عن حد الفقر المسوس، وزوجة صالحة تسره عشرتها ، وأمثال ذلك ، وهذه العناصر بمثل هذه التوفيقات ينفعها هذا الكلام العالي، ويصعب حصر ذوات هؤلاء وإحصاؤهم لنحتكر لهم حيث ، ولذلك نتلكم للجميع ، فمن كان موفقا انتفع ونفع الدعوة وصار ضمن الجيل الجديد الوارث لنظرت العلمين المتكلمين ، المطبق لها ، وازداد تنمية لفكره بما يبدع. وأما الذي يسمعون ولا ينتفعون فلسنا نبتئس لسماعهم، فإنهم أما أن ينسوا ما سمعوا ، وهذا خير أحوالهم وأحسنها ، أو يكون منهم الفضول والتدخل فيما لا يعنيهم في سلسلة من الأذواق السيئة التي تنتهي بهم إلى خارج الدعوة، وكأن قدر الخير هو الذي جعلهم يتخلفون، ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم سماع المنتفع الذي يتلمس طريق العمل ، فيثبت ويزداد رسوخا.
وقد يصح – في رأي أخر – أن نستقبل هذه الظاهرة بنوع من التخوف والحذر، فلا نتكلم بأصول وموازين، وغير ذلك من كبار العلماء في المجالات العامة ، خوفاً أن نفسد فطرة المبتدئين ، ونساعد على تأسيس الفضول ، فنكون السبب في إتلاف كثير من شباب الدعوة من حيث لا نشعر، وتكون هذه العناصر ضحية خطأ تربوي يرتكبه القادة والمفكرون بتحديثهم هؤلاء أحاديث لا تبلغها عقولهم، فتكون فتنة لهم.
ولكل من الرأيين وجاهته وحيثياته المقنعة ويبدو – والله أعلم – أن القول النسبي في ذلك أصح، بحيث نلجأ إلى احد الرأيين حسب الظروف المحيطة بالدعوة ، إن كانت شديدة ذات محن، أو أوقات يسر، وبحسب سعة الجيل السامع الجيد، إن كان ضخما يحتمل النحت منه من أجل انتقاء الأشداء الأذكياء، مثل جيل الصحوة الحاضر ، أم هو جيل محدودة تحتاج حتى أصحاب النقص من أبنائه، وأيضا بحسب المجموعة القيادية، إن كانت كبيرة ومتحدة ومنسجمة الفكر، أم هي صغيرة وتعيش حالة تباين في الاجتهاد، وعندئذ نحذر أن يستقوي أصحاب أحد الاجتهادات بشباب جدد يلفونهم لفاً من حيث لا يدركون ، فيكون سواد واسع يؤيد اجتهادهم في الظاهر ، بينما هو في الحقيقة سراب فكري وتخطيطي لا يستند إلى أركان متينة ولا صورة واقعية ، لبدائية مؤيدي هذا الاجتهاد وكونهم مجرد مقلدين.
والتأمل الطويل في أوصاف المرحلة الدعوية الراهنة تجعلنا نميل إلى تفضيل الرأي الأول الذي نتكلم فيه بكبار العلم حتى ولو كان ذلك في المؤتمرات والصحف والكتب المنشورة، مع ما يخالط ذلك من سلبيات أكيدة، إذ أن نظرة الترجيح بين المصالح والمفاسد تجوز لنا ذلك من حيث المبدأ، ولا تشترط لتصرفاتنا أن تكون مجموعة مصالح محضة، وإنما نعمل بالمصالحة الراجحة وإن مزاجها شيء من المضرة أقل منها، ففتنة الفضوليين حاصلة بشكل أكيد، ولكن تربية جيل جديد بأفق واسع وعلى سنن الإبداع والفهم الحضاري تشكل مصلحة أكبر.