ونظراً لهذه الحقائق من تأثير التفاعل الحضاري او الجمالي في الصياغة العقلية والنفسية للمتفقة فإن على التربية الدعوية إذا إرادات لمتدربيها إتقان صنعة الاجتهاد الإبداعي أن تنحى منحى دفع الدعاة ، وفق منهج متكامل – للعيش في البيئة الحضارية العلمية ، والتعامل معها ، والاستلال منها ، مع ما يكملها من سياحة وتعرف على خلاصة عقول وعلوم وفنون البشر عبر آلاف السنين ، المعروضة في دور الوثائق والمتاحف والأماكن المصانة، ثم في مطالعة صفحات جمال ما خلق الله في البراري والبحار، أو تكثيف مطالعة الخطوط السود في الصفحات البيض مما سطرته أنامل كل إنسان ، من أدب شعري ونثري فيه رمز وخيال وعاطفيات وانتقاء ألفاظ، أو تاريخ يكشف الحقائق ويحلل دروس الحياة ويقابل بين قبح الظلم وإشراق العدل ، أو وصف يعين على تصور البعيد ومعرفة ما غاب ، أو فقه لغات يطور الاشتقاق الذي فيه إلى مهارة في قياس الأحكام.
إن قضية ( تداخل) صغار العلم وكبارة، أو تسلسلهما، ليست هي مجرد وصية تقدم إلى المعلمين ترجوهم أن يتقنوا في التربية وفق معيارها ، فمنهم متقن وقليل إتقان، وإنما هي – في وجهها الأهم – قضية منهجية عميقة ينبغي أن يحكمها التخطيط التربوي بعيد المدى، وعلى المنهج الجماعي أن يراعيها وضع جداول عملية تطبيقية لتبليغ وتفهيم الثوابت والموازين والأصول والقواعد لعموم الدعاة بعد إحصائها وتصنيفها نوعيا، وكذلك الفروع ومفردات الأحكام، لكن طبقة ما يوازي حاجتها ومقدار استيعابها ، ويستعين بلمسات منهجية متناسقة مع اختياراته يلزم بها المجلات الدعوية، ويطلب من اللجان والأجهزة المركزية أن تنسجم نشرياتها وأساليب كتابتها مع تلك الاختيارات أيضا، ثم بأن يتضمن المنهج ما نتمناه للداعية من ذاك الحضور في البيئة الحضارية، والسياحة، ونيل الثقافة العامة ، والعيش التأملي مع جمال الخليقة ومع آيات الله في الآفاق العريضة، يتعنى لأقصاها ، ويتغنى – مثل داود عليه السلام – مع تسبيحات الجبال والطير.. ثم يكون آخر دعائه أن : الحمد لله رب العالمين.