تمهيد
لقد أوضحنا طبيعة هذا الدين ومنزلة الجهاد في سبيل الله منه، ونوضح هنا موقف الإخوان المسلمين من الجهاد في الماضي والحاضر والمستقبل إن شاء اللهº كي نزيل أي لبس حول هذا الموضوع وما يثار من تساؤلات أو تشكيكات حوله، وليبصر شبابنا المجاهد الطريق فلا يحيد عنه ولا يتأثر بأقوال المثبطين أو المشككين.
الطريق لإعادة الخلافة الراشدة
إيمان وعمل... محبة وإخاء... إعداد وجهاد
قبيل قيام جماعة الإخوان المسلمين، وبعد سقوط الخلافة الإسلامية مباشرة، نظر الإمام الشهيد حسن البنا حوله- وكان طالبًا بكلية دار العلوم- ودرس أحوال العالم الإسلامي، وما آل إليه المسلمون دراسة عميقة متأنية، وعرف أن بعد المسلمين عن جوهر دينهم وضعف إيمانهم هو الذي انتهى بهم إلى تمكين أعداء الله منهم وإسقاطهم لدولة الإسلام والخلافة الإسلامية وغزو المسلمين فكريًا واقتصاديًا وأخلاقيًاº كي يقضوا على العقيدة في نفوسهم كما قضوا على الكيان في صورة الخلافة، واستشعر الخطر الجسيم الذي يتعرض له المسلمون، والضرورة الملحة بل الواجب الذي يفرضه الإسلام على كل مسلم ومسلمة للعمل على إعادة الخلافة الإسلامية وإقامة دولة الإسلام من جديد على أساس متين وكيان قويº لحماية العقيدة ولإقامة شرع الله بين المسلمين، وتحرير المسلمين وحمايتهم من كل اعتداء، ولنشر دعوة الإسلام في العالم والتمكين لهذا الدين العظيم الذي ارتضاه الله لعباده.
وبعد تفكير عميق ولجوء إلى الله وفق الله الإمام الشهيد إلى أن الطريق الوحيد لتحقيق هذا الواجب العظيم، هو الطريق الذي سار عليه رسول الله-صلى الله عليه وسلم-وصحابته من قبل، عندما أقاموا الدولة الإسلامية الأولى، ويتلخص في كلمات قليلة: إيمان وعمل، ومحبة وإخاء، وإعداد وجهاد، وهكذا ربّى رسول الله-صلى الله عليه وسلم-المسلمين على مائدة القرآن وفي مدرسته-صلى الله عليه وسلم- وآخى بينهم ونظّمهم وحثّهم على الجهاد والتضحية، فكانوا أهلاً لنصر الله وتأييده، فتطهرت بهم جزيرة العرب من الشرك والأصنام، وفتحت بلاد الفرس وغلبت الروم وأجلى اليهود، وتبدد الظلام وعم النور.
عرف ذلك الإمام الشهيد فأقام جماعة الإخوان المسلمين وسار على الطريق نفسه، ورأى أنه لكي تقوم التربية على أساس متين، ولكي يقوم بناء الدولة على أساس سليم، لابد من العودة بالمسلمين إلى الإسلام الصحيح الشامل النقي كما جاء به رسول الله-صلى الله عليه وسلم-بعيدًا عن الانحراف أو الخطأ، وبعيدًا عن الاجتزاء والتشويه والبدع والخرافات، وبعيدًا عن أسباب الخلاف، فوضع الأصول العشرين الموجودة رسالة التعاليم تحت ركن (الفهم) من أركان البيعة العشرة، كإطار يحمي الفهم السليم للإسلام، وعرف كذلك دور الجهاد في السرية بالدعوة وأهميته والإعداد له، إذ لا بد للحق من قوة تحميه.
وقد لمس أن روح الجهاد بين المسلمين في ذلك الوقت تكاد تكون معدومة، وروح الخنوع والاستسلام هي السائدة.
الجهاد سبيلنا... شعار للدعوة
فأعطى جانب الجهاد في دعوة الإخوان الاهتمام اللائق به، ونلمس هذا الاهتمام في صور متعددة: فنجده يؤكد أن الجهاد هو السبيل التي يهتف بها الإخوان (الله غايتنا، والرسول زعيمنا، والقرآن دستورنا، والجهاد سبيلنا، والموت في سبيل الله أسمى أمانينا)، ثم نجد شارة الإخوان سيفين حول كتاب الله، والسيفان رمز الجهاد والقوة التي تحمي الحق المتمثل في كتاب الله.
ثم نجده أطلق على دعوة الإخوان أنها(دعوة الحق والقوة والحرية)º تأكيدًا لضرورة القوة بجانب الحق، ثم نجده جعل (الجهاد) ركنًا من أركان البيعة العشرة، (والتضحية) ركنًا آخر، ثم نجده خصّ (الجهاد) برسائله التي كتبها، وكان دائمًا وأبدًا في أحاديثه يحث على الجهاد ويرغب في الاستشهاد ويربط الإخوان بالرعيل الأول مع رسول الله-صلى الله عليه وسلم- وما ضربوه من أمثلة رائعة في مجال الجهاد بالنفس والمال.
الواقع صدق التجربة... واستمر الجهاد
ولم يقتصر الأمر على القول والكتابة، ولكن عندما واتت فرصة الجهاد في فلسطين سارع وانتهزها، وضرب الإخوان فيها أروع الأمثلة، ولولا الكيد والتآمر وخيانة القضية من حكام بلاد المسلمين في ذلك الوقت لتبدل الأمر.
وكان من نشاط الإخوان غير الرياضة البدنية: الجوالة والتدريبات الكشفية، وكثيرًا ما كنا نرى الإمام الشهيد بيننا وهو يرتدي معنا زي الجوالة ويشترك في هذه التدريبات.
وبعد تكريم الله إياه بالشهادة-وكان قتله جزءًا من تلك المؤامرة- واصل الإخوان مسيرتهم في طريق الجهاد على ضفاف قناة السويس ضد الإنجليز في أوائل الخمسينيات، كما واصلوا جهادهم ضد اليهود في مناطق إسلامية أخرى غير مصر، بعد أن غيبتْ الدعوة في السجون أيام عبد الناصر، واليوم نرى الإخوان يشاركون إخوانهم المجاهدين في أفغانستان، كما أنهم يجاهدون في سوريا ضد النظام الطائفي الكافر الظالم.
هل الإخوان تعبوا من المحن؟!
وألقوا السلاح وتركوا الجهاد!!
"لا"
وهكذا نرى أن الإخوان لم يغيروا ولم يبدّلوا ولم يقطعوا حاضرهم عن ماضيهم، ولن يقطعوا مستقبلهم عن حاضرهم وماضيهم، يورثون الأجيال الدعوة بشمولها ونقائها، ويورثونهم روح الجهاد وحب الاستشهاد والتضحية حتى يتحقق نصر الله وتكون كلمة الله هي العليا.
المحن عندهم تصقل التجربة
وتزيد الإيمان وتؤكد العزم على المضي
الإخوان لم تتعبهم المحن، ولم ولن يلقوا السلاح أو يتركوا الجهاد، ولكن المحن تصقلهم وتزيدهم إيمانًا وإصرارًا على العمل لنصرة دينهم دون وهن أو ضعف أو استكانة بسبب ما أصابهم في سبيل الله.
لا اندفاع وراء الحماسة ولا انتظار حتى الموت، بل لكل أمر قدر
ولكن الإخوان مع ذلك لن يندفعوا وراء تحمس بعض الشباب إلى القيام بأعمال فجة غير مدروسة، لا تغير الواقع الفاسد، وربما أساءت إلى العمل الإسلامي، واستفاد منها أهل الباطل، كما أن الإخوان لن يسلكوا سبيل التريث المميت الذي يفوت الفرص ويهبط بالروح الجهادية في نفوس الشباب، ولكنهم يقدرون الأمر حق قدره مسترشدين في ذلك بكتاب الله وسنة نبيه- صلى الله عليه وسلم- في كل خطوة يخطونها مستعينين بالله، سائلين إياه الرشد والتوفيق، ويتقبلون كل نصح أو تذكير أو إرشاد من كل فرد مهما كان موقعه.
الإخوان يعلمون أن التسرع قبل الإعداد يمكن أن يكون بمثابة الإجهاض، كما يعلمون أن التواني أو التردد بعد حلول الوقت المناسب والإعذار إلى الله يكون بمثابة الموت المعنوي، وفي ظل الشورى والثقة المتبادلة يتحقق النصر بإذن الله.
يعتقد بعض الشباب التوّاق إلى الجهاد والاستشهاد أنه يحقق أمله هذا في أعمال جزئية: كإزالة بعض صور المنكر المنتشرة في بلادنا بالقوة، والحقيقة أن صور المنكر هذه ثمار شجرة خبيثة، إذا أزيلت بعض ثمارها فستثمر غيرها طالما أنها قائمة، ولا بد من اجتثاث الشجرة الخبيثة كلها وغرس الشجرة الطيبة مكانها: شجرة لا إله إلا الله، محمد رسول الله (أَصْلُهَا ثَابöتñ وَفَرْعُهَا فöي السَّمَاء تُؤْتöي أُكُلَهَا كُلَّ حöينٍ بöإöذْنö رَبّöهَا)(إبراهيم:24،25). وهذا أمر له تقديره وإعداده وتوقيته المناسب.
والإخوان عندما يقدمون شبابهم للجهاد في الوقت المناسب، لا يلقون بهم إلى التهلكة، بل التهلكة هي الإحجام عن الجهاد حينما يحين وقته وتحتمه الظروف، إذ إنه في تغلب أعداء الله يتعرض المسلمون إلى الفتنة في دينهم، وتنتهك حرماتهم وينشأ أبناؤهم على غير عقيدة الإسلام.
كما يجب أن يكون معلومًا أنه ليس بالضرورة أن يرد المسلمون كل اعتداء أو إيذاء يقع عليهم من أعداء الله في حينه، ولكن عندما تتهيأ لهم المكنة والظروف، ففي فترات الدعوة الأولى والمسلمون قلة ويتعرضون لاعتداء المشركين وإيذائهم لم يأمر رسول الله-صلى الله عليه وسلم-المسلمين برد الاعتداء بالقوة، ولكن كان يوصيهم في ذلك الوقت بالصبر والثبات مبشرًا إياهم بالنصر والجنة، ومع الصبر والثبات الاستمرار في تبليغ الدعوة رغم الإيذاء، وحينما تهيأت الظروف نزل الإذن بالقتال في قوله تعالى:(أُذöنَ لöلَّذöينَ يُقَاتَلُونَ بöأَنَّهُمْ ظُلöمُوا وَإöنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرöهöمْ لَقَدöيرñ)(الحج:39).
...وعلى هذا الضوء لن يستمر موقف الإخوان من الاعتداءات المتكررة عليهم سلبيًا، ولكن لا بد من يوم يعذرون فيه إلى الله ويردون العدوان ويدافعون عن أنفسهم.
ليس الجهاد لدفع الأذى فقط...ولكن لإقامة الدولة المسلمة أيضًا
وليكن معلومًا أن الجهاد والإعداد له ليسا لمجرد دفع الاعتداء والإيذاء اللْذين يتعرض لهم المسلمون من أعداء الله، ولكن الجهاد والإعداد له أيضًا لإتمام المهمة العظيمة وهي إقامة دولة الإسلام والتمكين لهذا الدين ونشره في ربوع العالمين، وبقدر عظم المهمة يكون الإعداد لها، وما يحتاج إليه هذا الإعداد من وقت وجهد، والوقت هنا لا يقاس بأعمار الأفراد ولكن بأعمار الأمم والدعوات.
أما تلك المقولة الخاطئة بأن المقصود بالجهاد في الإسلام هو إكراه الناس على الدخول فيه بحدّ السيف، فلسنا في حاجة إلى جهد في إثبات بطلانها، وقد كتب فيها الكثيرون ويكفي أنها تتناقض مع قول الله تعالى:(لاَ إöكْرَاهَ فöي الدّöينö قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مöنَ الْغَيّö)(البقرة:265). والواقع والتاريخ ينفيان هذا الادعاء الكاذب.
هذا التوضيح والرد على التساؤلات حول الجهاد بصفة عامة وحول الإخوان بصفة خاصة، بقي أن نتوجه إلى شبابنا المسلم ببعض المعاني الأساسية التي يجب أن يستصحبها معه في مجال الجهاد والإعداد له، ليكون أهلاً لهذا الشرف العظيم...